في الخوف من الكلمة…

أُوثق ذات مرّة “الرّفاق” طالبا إلى شجرة في ساحة الكلية، وأشبعوه ضربا وشتما. سألت عن الجريمة التي اقترفها، فقيل لي إنه ينتمي إلى الحزب الشيوعي، عميل السّوفيات المحرّفين للحقيقة الماركسية. وأنه يسمّم عقول “الرفاق” بالكلام.

شعرت حينها أننا لا نملك الحقيقة الحقيقيّة، الوحيدة الممكنة في الكون. عرفت أن حقيقتنا هشة إلى درجة أنه يمكن نسفها فقط بالكلام و أن “القادة” يعرفون ذلكوإلا لما كانت تخيفهم مجرد كلمات.

بدأت أفقه ماديا وبالملموس معنى كلمة “دكتاتورية البروليتاريا”، وهي كلمة كانت تلعب دور إعلان إيمان، كنا نرتّلها كنشيد مقدس لا يجوز نقاشه أو فهم كنهه. ويقوم إعلان الإيمان بدور رئيسي في التكوين الإيديولوجي للجماهير التي تقر محتويات هذا الإعلان دون التساؤل عن براهينها.

والأفظع، أنني رأيت في وثاق الطالب المعارض، بداية تشكل أسوار “غولاغ” داخل الجنّة الموعودة لعالم صامت ومتجانس حتى السأم، حتى الممل.

لماذا يا ترى تخاف الإيديولوجيات من الكلمة؟ هل لأن حقيقتها مصنوعة من مجرد كلام يمكن نسفه بكلام؟ وما يكون الكلام سوى أنه تعبير مادي عما يتشكل في الذهن؟ وإذن فإن خوف الإيديولوجيات هو خوف من التفكير.

فالإسلاميون مثلا حددوا للعقل ثلاث وظائف رئيسية تتمثل في الإيمان بالله، ثم فهم التنزيل الحكيم، وأخيرا التفكير.

والماركسيون يدّعون أن الفكر تحدده المادة وهو يحدد بدوره القول، ورغم اعترافهم بالجدلية بين العنصرين، إلا أنهم، وبما أنه يجب الإجابة دائما عن أصل الدجاجة، يضعون “البنية التحتية” فوق “البنية الفوقية”.

فما تقترحه نظرية ما كفرضية تسمح بفتح مجال التفكير “الآن و نا”، يحوّله المتأدلجون إلى حقيقة ثابتة لا تناقش. ويبدو أن أصحاب الحقيقة المطلقة التي لا تشوبها شائبة، لم يدركوا بعد أن هذا الصنف من الحقائق أضعف بكثير من الفرضيات التي نخالها هشّة. ففي حالة اكتشاف زيف حقيقتهم ينهار الصرح الفكري برمّته. فنحن اليوم لسنا في حاجة، مثلا، إلى فرضية جان جاك روسو القائلة بأن الناس يولدون أحرارا ومتساويين، أو حتى لعكسها، للتشريع لضرورة الحرية والمساواة.

أما أصحاب “الحقيقة الحقيقية” فإنهم، إذا تمّ اكتشاف ما ينسف مقولة أساسية في نظريتهم، يشذّبون الواقع حتى يتساوى مع المقياس الكلامي الكامن في دماغهم.

هكذا مثلا نشأت جماعة “شبه-شبه” الماركسية (شبه إقطاعي شبه رأسمالي)، حين اكتشفت وضعا اجتماعيا في منطقة تونسية لا يتوافق مع التصنيف والفرز الماركسي الحاد لمختلف مراحل الإنتاج.

وهكذا أيضا فضّل الإفتاء الإسلامي السكوت عن معضلة اختلاف طول الليل والنهار باختلاف مناطق الكرّة الأرضية. فأفتت الجماعة بإمكانية الصيّام، للذين لا شروق ولا غروب لديهم سوى مرتين في السنة، حسب الليل والنهار القرآني الحرفي لأقرب منطقة إليهم.

ونلاحظ أن مسألة عدم احترام فتواهم للنص الصّريح الذي يتحدث حرفيّا عن الشروق والغروب لم تزعجهم، بقدر ما أزعجتهم قضية تحديد دخول الشهر بالحساب عوض الرؤية بالمعنى الحرفي للكلمة.

وهكذا يواصل مسلمو بلدان أقصى الشمال الصّوم دون أن يروا بأعينهم شروق الشمس وغروبها، في حين يفرض على سكان بقية المناطق تحديد دخول الأشهر حسب حجم القمر كما تراه العين المجردة. يقومون بهذه البهلونيات المتعبة لا لشيء، سوى لتفادي تغيير الكلام، لأن الصرح المشيد بالكلام لا يسقطه سوى الكلام ولا يقدر عليه حتى الحديد والنار. فمحاولات القتل وقتل الصحافيين والكتاب والمفكرين من طرف المتشددين في الجزائر وفي مصر، وحرق طالبان الكتب، ومنع كل وسيلة تعبير يمكن أن توجّه رسالة مخالفة لإيديولوجيتهم، حتى وإن كانت في شكل موسيقيّ، دليل على أن مفعول العلامة يساوي أو يفوق قوة العنف المادي للسلطة. وكانت قطعة قماش اسمها حجاب، السبب في التعجيل بالانتخابات في تركيا. وهي قطعة لسانها طويل و قولها لا ينضب ولا يتوقف عن توليد المعاني. لذلك أصبح الأتراك يصوّتون لهذا التيار أو ذاك على أساس ما تحمله رؤوس نسائه من علامة تختزل خطبا مطولة وتدل على خطاب معين.

كما فسّر أصحاب النظرية البنيوية في مجال العلاقات الدولية، انهيار الإتحاد السوفياتي باعتناق ميخائيل غورباتشوف أفكارا جديدا، و أهمها فكرة الأمن المشترك وليس بسبب قوة العدوّ.

تتفق الإيديولوجيات المتعنتة إذن على إنكار الطبيعة البشرية للكلمة، فهي إما فوق بشرية وإما مادية، وفي الحالتين فإنه لا يجوز لمن لم يخلقها أن يخلقها من جديد حتى وإن رأى الناس علامة الكلمة الجديدة بأم أعينهم.

ومن المنطقي أن ترفض الإيديولوجيات الكلمة المختلفة لأنها تشير إلى وجود حقيقة أخرى. ولشدّة حرصها على كلمتها وحقيقتها، ترفض الإيديولوجية حق القول للذين لا تضمن ولاءهم التام، حتى و إن كانوا من بطانتها.

فالوحيد الذي يؤتمن حرصه على كلمة القوم هو الذي يتمتع بالمزايا التي توفرها له الكلمة ذاتها. إنها النخبة طبعا. وهي نخبة خاصة بالحقيقة وبالكلمة التي أنتجتها ومتّعتها بحقوق ومزايا تفوق حقوق الرعيّة. فكيف والحال تلك ستفرّط “النخبة” في مصدر سعادتها وعزّتها وعلوّها؟

والتاريخ الإسلامي شاهد على تخصيص حرية القول “لأهل الحل والعقد” الذين رسخت أقدامهم في العلم، بحجة عدم تساوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وبحجة أن وحدهم العلماء يخشون الله.

لذلك لا ينظر الإسلامييون بعين الرضا لمسألة حرية الرأي بالمفهوم الحديث، وهم غالبا ما يربطون في خطابهمحرية الرأي بالغرب وبأدعياء الموضوعية والحياد.

وهم يعتبرون أنه لا يجوز، بالنسبة للمسلم، وضع الفكرة موضع النقاش إذا لم يتوفر فيه “شرط النزاهة والكفاءة والتبحر في العلوم الشرعية”. لذلك تراهم ينعتون بالجهل مخالفيهم في الرأي. بل هم يقصون حتى أنفسهم من التفكير في مجالات، يقدمونها على أنها من أصول الإسلام الثابتة ومن المعلوم من الدين بالضرورة. فمجال “الحرام” لا يلجه عندهم لا حاكم ولا محكوم. و عندما نعلم أنّهم يحرّمون أفعالا لم يأت فيها نص، مثل منع المسلمة من التزوج بكتابي، واعتبارهم لقضية خلافية كقضية الحجاب واجبا دينيا، يمكن لنا أن نتساءل عن حدود المعلوم من الدين وماهيته عندهم.

أما في مجال “الحلال”، فقد خصصت المواضيع التي تحتاج إلى تفكير للرأي الصائب كما قلنا. و يرى القائد الإسلامي التونسي عبد الفتاح مورو في محاضرة ألقاها في إنكلترا سنة 1981 أنه “لا يمكن اعتبار أن الشعب هو الذي يجتهد في المجال المخصص للسلطان صاحب الحكم”. و لم يترك صاحبنا للدهماء سوى الرأي الذي لا يحتاج إلى إمعان نظر، من مثل التفكير في الطريقة الناجعة لجمع النفايات. والكلام لمورو، الذي يوضح أنه يعني مثلا “إقامة بلدية هنا أو هناك أو توظيف ضريبة من نوع كذا أو كذا… ما دام أباحه الله لماذا يختاره الحاكم ؟ نحن نقول يختاره الشعب”
و هذا، كما نرى، “غولاغ” آخر.

و إذا سألنا الجماعة الماركسية أو الإسلامية عن سبب إصرارها على التفكير و الكلام في السياسة ونقد الحاكم، رغم إيمان الأولى بدكتاتورية العمال وإيمان الثانية بدكتاتورية النخبة، تقول أنّ أحكامها صالحة فقط لمدينتها الفاضلة ولسلطانها التقّي. قال الإيرانيون هذا الكلام أيضا. و في مدينتهم “الفاضلة” تقطع اليوم ألسن المعارضين لولاية الفقيه.

و الحقّ أن الشيعة جنوا على أنفسهم بمقولة “رأي البقر أفضل من رأي البشر” لتبرير قداسة الإمام. وينتج عن هذه التصور وعن الالتزام به، عدم القدرة على التفكير فيما لم يُفكر فيه، بل وحتى في ما لا يمكن التفكير فيه. وهو ما يحدّ كثيرا من ملكة الكلام، دون الاضطرار إلى اللجوء إلى العنف المادّي أو إلى القوانين الجزرية.

لذلك ينطلق النقاش الإيديولوجي “تلقائيا” من حقائق ومسلمات ويتعامى عن الوقائع أو حتى مجرد الفرضيات، و يهمّش أو يقصى أو يكفّر كل من يتجرأ على الإفلات من مظلة الأصول. والأصول، كما نعلم، هي أساس شرعية كل سلطة، لذلك يعتبر أخطر كلام هو ذاك الذي يناقش الأصول. فترى الجماعة الجريئة في كل سلطة تبدأ حديثها بإعلان الولاء من خلال ترتيل إعلان الإيمان الخاص بكل فرقة فكرية، قبل أن تتجرأ على إبداء الرأي في قضية.

هذا هو سرّ حرص حرّاس الإيديولوجيات على ألا يفلت الكلام من قبضة الأصول وأن يتم النقاش تحت سقفه وتحته فقط.
غير أنّ الفيلسوف “آلان” يقول بأنّ “لا شيء يفوق الفكرة خطورة، عندما لا نملك أكثر من فكرة واحدة”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق