في الدستور السوري وصناعة “روح” المجتمع

 
 يُنتخَبُ رئيس “الجمهورية السورية”- وفق دستور 1950- بأكثرية ثلثي مجلس النواب، شرط تبعيته الديانة الإسلامية، وإتمامه 40 سنة، ومرور عشر سنوات على حيازته الجنسية السورية، ولا يُستفتى، بعد ترشيحه الحصري من قيادة البعث القطرية (عملاً بدستور 1973، المعدل وراثياً عام 2000، بخفض السن إلى 34 سنة كانت عمر الرئيس الحالي)، وما فطن أحد من عباقرة مجلس الشعب، إلى عضوية سوريا “دستورياً” اتحادَ الجمهوريات العربية، الزائل! 
ثمّة من يرى ضرورة حكم سوريا بنظام برلمانيّ قويّ يعكس نموّ قاعها الاجتماعيّ الناشئ، الذي يتكبّد خسائر فادحة ويضغط بتعاظم فريد نحو إسقاط نظام الاستبداد البعثي، مع فصل قيادة الجيش عن الرئاسة، بغية الحدّ من تغوّل العسكريين، وعدم الاستقواء بالجيش في أية صراعات سياسية قادمة. الدستور الحالي صيغة شرعية ظاهراً، قمعية حقيقة، لتحكّم البعث – الأمن. 
أقرّ دستور 1950 حرّية تشكيل الأحزاب ومراقبة مواردها، فيما أعفى دستور 73 المجتمع من الخوض في السياسة، وصيغت بنوده كأوامر حربية تنسجم و”ظروف المرحلة النضالية” التي لا تسمح أبدية النضال أن تعقبها مرحلة أخرى. لم تتجاوز مدّة الرئاسة خمسة أعوام، هي الآن سبعة، ولم يكن يحقّ للرئيس السابق، أيام كان يمكن تذكّر رئيس سابق، الترشّح للرئاسة، إلا بعد انقضاء خمس سنين على انتهاء ولايته.
دستور الدولة، كما يرى فقهاء الدساتير، عقلها الناظم ومبدؤها الأصل. عقل – عقد يجري الاتفاق عليه، لا القهر به، على أسس تنظم حياة السلطة وسبل تداولها. يضع المبادئ المحفزة على نماء الفرد لا القيود المكبّلة لوعيه وطموحه. ليس من العدل ولا العقلانية أن يحدّد دين لرئيس الدولة، وينبغي إلغاء الموادّ التي تحصر الرئاسة في من دينه الإسلام، فسوريا ليست دولة المسلمين فقط، ولا ينبغي أن تكون دولة أيّ دين أو قومية أو حزب أو طائفة، وما يميّز الدول المدنية تحييدها الكلّي للدين والعسكر عن التحكّم بسياسة البلاد والتصرّف غير المراقب بثروتها ومواردها. على الدستور أن يعكس سموّ قيم جمهورية مدنية (أقرب إلى العلمانية منها إلى التديّن السياسي)، وعلى ذلك لا يقبل حدُّ طموح أيّ سوري بسبب انتماء أسبق وأضيق بالضرورة على “مواطنيته” وفعاليته كفرد، وهو حالما يحول ذاك الانتماء الضيق إلى فعل سياسي لا يظهر منه غير العسف والتخبّط وإحلال التفتّت محلّ الوحدة. لا ينبغي النظر إلى السوريين كطوائف وأديان وأعراق متناحرة، بل كأفراد تجاوزوا قيود الأديان ووحل الطوائف. على العكس يجب توفير إطار قانوني أكثر حياداً وأعمق احتواء ومرونة تحتضن تنوّع التركيبة السكانية واختلاطها الجغرافيّ البشريّ الذي يمكن أن يكون عامل توحيد وتخصيب مميّزين، وفي الآن نفسه يوفّر عوامل التفتّت والانقسام الطائفيّ والعرقيّ، العنفيّ لاحقاً، إذا ما انطوى قانون الأحزاب أو قوانين الانتخابات العامّة على أيّ شرط يحوّل أغلبية ما إلى دكتاتورية تقصي الأقليات، التي تحفظ حقوقها دستورياً، ضمانة لوحدة الكيان السوري واستقراره. كلما تجرد الدستور نحو قيم مدنية ملزمة، دون إغفال الخصوصيات المكتومة والأهداف المشروعة، كلما ارتقى وبدّد الشكوك.
وللأكراد السوريين دور مهمّ، وسطيّ وعقلانيّ، فهم الأكثر تضرّراً وأذى من مظالم الحكم البعثي، لكنّهم الأقل تحيّزاً لجهة الدين والطائفة. واختلاطهم الثقافي الاجتماعي، العابر لحيزهم الجغرافيّ التاريخيّ، منحهم فرصة تعرّف أقرب إلى حساسيات المجتمع. إزالة القوانين الاستثنائية بحقّ الكرد السوريين وتعويضهم، من تعريب لأسماء المدن والقرى، وتجريد تعسّفيّ من الجنسية السورية طاول عشرات الألوف منهم لمدة تزيد عن أربعة عقود، واستيلاء غير قانونيّ على الأراضي، وحرمانهم حقوق التملّك والتصرّف، وما يلحقهم جرّاء حصارهم واضطهادهم عرقياً بطوق حزام أمني لادستوري (قرى استعمرها البعث، في المناطق الكردية السورية الأكثر خصوبة وأهمية اقتصادية، بعد استيلاء غير شرعي ونزع ملكية أصحابها الأصليين) من تغيير ديموغرافي قسري مستمرّ (إحدى الجرائم الجنائية الدولية). 
إجراءات مثل هذه فورية وحاسمة تعيد إليهم الطمأنينة، وتجعلهم أكثر تمسّكاً بوطنهم السوري. إلغاء الربط الجبريّ بين رئاسة الدولة وشرط الديانة، مع عدم تقييدها بالرجل دون المرأة، وفصل قيادة الجيش عن رئاسة الدولة، كفيلة بمدّ الطاقة المحفزة إنجاز التحول الديمقراطي العسير. البؤر الأخطر هي التي يفترض معالجتها قبل أن تنفجر في وجه من يهملها. الطريق صعب، والألم الذي وحَّدَ المقهورين ينبغي رفعه برصانة العقل ونبل الدافع حتى تزال أوهام الخوف، ويتبادل المختلفون آراءهم ولغاتهم، في إطار يحصنه التنافس السلمي، ويطوّره التشارك المدني، بدل أن يُحشَروا إلى جحيم بلا رأي ولا لغة. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق