في الذكرى الأولى لصيف لبنان الدامي: تذكير بصيحة كاتب نروجي يعنّف “شعب الله المختار” يوستين غوردر

 يوستن غوردر في الرابعة والخمسين من عمره. مهنته الأصلية معلم للفلسفة. اخترق العالمية بسرعة قياسية إثر نشر روايته ” عالم صوفيا ” وهي رواية تقع بين الأسلوب التعليمي الفلسفي والفن الأدبي. بيع منها 26 مليون نسخة، وترجمت لأكثر من خمسين لغة.

له أيضا رواية ” مايا “، ترجمها إلى العربية عن الانجليزية ياسين الحاج صالح عام 2001. إضافة إلى عدد من الرويات الأخرى.
من حق غوردر على العالم كله وليس العالم العربي فحسب، أن يهتم بما يكتب. لأنه كاتب إنساني. ولأنه قال كلمته في ظرف حرج، بينما سكت آخرون مؤثرين السلامة. نصه هذا الذي أصدره في صحافة بلاده إبان حرب الصائفة الماضية ضد لبنان، ننشره منقولا عن لغته الأصلية، دليلا، متواضعا ولكن بليغا، على أن العالم لم يصبح معسكرات “حضارية” منغلقة متناحرة، بل لا زال يوجد فيه من يحاسب ومن يدين، متعاليا عن كل انتماء “عضوي”، محكّما معايير القيم الإنسانية… وهنا نص المقالة…

***

شعب الله المختار

لا درب للعودة
إنه الوقت المناسب للتمرّن على وظيفة جديدة:

نحن لم نعد نعترف بدولة اسرائيل. وما كان لنا أن نعترف بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ولا بنظام طالبان الأفغاني. كثيرون منّا لم يكونوا يعترفون بعراق صدام حسين، أو بالتطهير العرقي الذي قام به الصرب. والآن علينا أن نعتاد على الفكرة القائلة: إن دولة اسرائيل الحالية ما هي إلا تاريخ.

نحن لا نؤمن بمفهوم شعب الله المختار. نحن نضحك من تولع ونواح هذا الشعب على آثامه. التبدّي كشعب الله المختار؛ ليس فقط غباء وعجرفة، وإنما إجرام ضد الانسانية. نحن نسميه عنصريةً.

هناك حدود للتسامح
هناك حدود لتحمّلنا، وحدود لتسامحنا. نحن لا نؤمن بالوعود الآلهية كتبرير للاحتلال والعنصرية. نحن وضعنا القرون الوسطى خلف ظهورنا. نحن نضحك بشيء من الحرج من أولاء الذين ما يزالوا يعتقدون أن إله النبْت، والحيوان، والمجرة قد اختار شعباً بعينه مفضّلاً له ومانحاً إياه ألواحاً حجرية مضحكة، وأجمات متقدة، وإذناً للقتل.

نحن نسمّي قتلة الأطفال بقتلة الأطفال، ولا نقبل أن تكون مملكة الرب أو التفويض التاريخي عذراً لصنائع خزيهم. نحن نقول بتجرد: عار للعنصرية كلّها، عار للتطهير العرقي. العار كلّه لضربات الارهاب ضد المدنيين سواء اقترفت من قبل حماس، أم حزب الله، أم دولة اسرائيل.

تفنّن حرب وسياسي
نحن نعترف ونأخذ على أنفسنا عمق مسؤولية أوربا عن قسمة اليهود، وعن المضايقة المشينة، وعن المذابح والهولوكوست. كان من الضرورة تاريخياً وأخلاقياً أن يحصل اليهود على وطن خاصّ بهم. لكن دولة اسرائيل، وقد حازت على مهارة حربية وسياسية وأسلحة مغـثة، ذبحتْ هويتها الخاصة. إنها أثمت بانتظام بحق الشعب، وبحق الاتفاقيات الدولية، وبحق ما لا يعد من قرارات الأمم المتحدة، ولا يمكنها مجدّداً أن تترقّب حماية من الجهات نفسها.إنها قد خرّقت بقصفها اعترافَ العالم. لكن لا تفزعوا. ساعة الشدة قاربت النهاية. دولة اسرائيل أسست سويتو (مدينة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا إبان نظام الفصل العنصري-المترجم) جديدة.

نحن الآن عند الماء الفاصل. ولا طريق للعودة. دولة اسرائيل قد اغتصبت اعتراف العالم ولن تحصل على سلام ما لم تضع سلاحها.

بلا دفاع، بلا تستر
على الروح والكلمة أن تنفخ على جدران اسرائيل العنصرية لتقلبها رأساً على عقب. دولة اسرائيل لن تعيش. إنها بلا دفاع الآن، بلا ستر. لذا يتوجب على العالم أن ينظر بعين الرحمة إلى السكان المدنيين. لأنه ليس ضد أناس بسطاء مدنيين يتوجّه حكم نبوءاتنا.

نحن نريد الخير لكل الشعب في اسرائيل، كل الخير، لكننا نحتفظ بحقّنا بأن لا نأكل برتقال يافا طالما ظل طعمه كريهاً، وطالما بقي سامّاً. وإنه لمن الممكن العيش سنين دون هذا العنب العنصري الأزرق.

إنهم يحتفلون بالانتصارات
نحن نعتقد أن اسرائيل لا تتفجّع على أربعين طفلاً (مذبحة قانا الثانية-المترجم) لبنانياً مقتولاً أكثر من ندبها لثلاثة آلاف من السنين على أربعين سنة في الصحراء. نحن ندوّن أن كثيراً من الإسرائيليين يحتفلون بمثل تلك انتصارات كما احتفلوا مرة بالمعاناة التي أرسلها الرب كعقاب للشعب المصري. (في هذه الحكاية بدا رب اسرائيل كساديّ لا يكتفي). نحن نتساءل فيما إذا كان أكثر الاسرائيليين يرون أن حياة اسرائيلية واحدة أثمن من أربعين حياة فلسطينية أو لبنانية.

ولأننا رأينا صوراً لفتيات اسرائيليات صغيرات وهن يكتبن تحيات حقد على القنابل التي ستطلق على السكان المدنيين في لبنان وفلسطين، فإن أولئك الإسرائيليات الصغيرات لسن عذبات، ما دُمْن يتبخترن ابتهاجا للموت والعذاب في الجهة الأخرى من الجبهة.

انتقام ثأر الدم
نحن لا نعترف بخطاب دولة اسرائيل. نحن لا نعترف بلولب الانتقام الدموي على طريقة “العين بالعين والسن بالسن”. نحن لا نعترف بمبدأ: عشر عيون أو ألف عين عربية من أجل عين إسرائيلية واحدة. نحن لا نعترف بالعقاب الجماعي أو بعلاج التنحيف للناس كسلاح سياسي. ألفان من السنين ولّت منذ أن انتقد متنبّىء يهودي هذه العقيدة المتحجّرة ” العين بالعين والسن بالسن “. قال: ” مثلما هي رغبتكم في أن يعمل الآخرون لأجلكم، اعملوا أنتم أيضاً لأجلهم “.

نحن لا نعترف بدولة تتأسس على مبادىء ضد الانسانية، وعلى يباب دين وطني عتيق، دين حرب. أو مثلما أوضح ألبرت شفايتزر: “الانسـانية لا تعني أبداً أن يضحي إنسـانٌ من أجل قضية”.

رحمة وغفران
نحن لا نعترف بمملكة داوود القديمة كنموذج لخريطة الشرق الأوسط في القرن الواحد والعشرين. هذا المتنبّىء اليهودي أكّد قبل ألفي سنة أنّ مملكة الربّ ليست تشييداً حربياً متجدّداً لمملكة داوود، وإنما مملكة الرب فينا وبيننا. مملكة الرب رحمة وغفران.

ألفان من السنين ولت منذ أن وضع هذا المتنبّىء اليهودي سلاحه، وأنسن كليّاً بلاغة الحرب القديمة. وسلفاً في زمنه؛ اشتغل أوائل الإرهابيين الصهاينة.

اسرائيل لا تصغي
خلال ألفي سنة عبأنا نحن منهاج الإنسانية، لكن اسرائيل لا تصغي. لم يكن الفرّيسيُّ (الفريسيّ واحد الفريسيين فئة يهودية ضيّقة النظرة-المترجم) هو من ساعد الرجل الذي انْطرح على حافة الطريق بين جمع اللصوص. لقد كان سامريّا، وكنا سنقول عنه اليوم إنه فلسطينيّ. أولاً وقبل كل شيء نحن بشرٌ. مسيحي، مسلم، ويهودي. أو مثلما قال ذاك المتنبّىء اليهودي: ” أين الرفعة في أن تحييوا بودّ من يخصّونكم فقط؟ “. نحن لا نقبل اختطاف جنود، لكننا لا نعترف بترحيل مجاميع من الناس، ولا بخطف أعضاء برلمان منتخبين وشرعيين، ولا أعضاء حكومة أيضاً.

نحن نعترف بدولة اسرائيل1948 لكن ليس اسرائيل 1967. إنها هي دولة اسرائيل التي لا تعترف، ولا تحترم، ولا تنحني لدولة اسرائيل 1948 الشرعية. اسرائيل تريد المزيد. تريد ماء أكثر، وبلدات أكثر. ومن أجل بلوغ هذا يـريد البعض، وبمعونـة الرب، حلاً نهائياً للمسـألة الفلســطينة.

الفلسطينيون لديهم أوطانٌ أخرى كثيرة جداً؛ تقول شخصيات إسرائيلية ساسية. نحن لدينا فقط وطن واحد.
أمريكا أم العالم؟
أو مثلما يعبر المدافعون الغلاة عن دولة اسرائيل: ” ليبارك الرب أميركا”. لقد كانت طفلة صغيرة من غصّ بهذا. فالتفتتْ نحو أمها وقالت: ” لماذا يختتم الرئيس دوماً خطاباته بالقول: ليبارك الرب أميركا؟ لماذا لا يقول ليبارك الرب العالم؟ “

ذات مرة أفشى شاعر نرويجي نهدة قلبية بريئة كالتالي: ” لماذا تتقدم الانسانية ببطء شديد؟ ” وكان هو وبجمال خارق من كتب عن ” اليهودي ” و” اليهودية “. لكنه هو أيضاً من رفض مفهوم شعب الله المختار، حتى إنه سمّى نفسه بـ ” المحمديّ” (المسلم-المترجم).

تعقّل وشفقة
نحن لا نعترف بدولة اسرائيل. لا اليوم، ولا في لحظة كتابتنا، ولا في ساعة الغضب والحزن. فيما لو كان على الوطن الإسرائيلي أن يسقط بسبب قسوة قبضته، وتوجب على مجاميع من السكان أن يفروا من مناطقهم المحتلة عائدين إلى الشتات، فإننا نقول: يتوجب على المحيط أن يكونوا هادئاً وأن يظهر الحكمة….في تلك اللحظة. إنها لجريمة أبداً ودوماً ودون ظروف مخفّفة أن توضع يدٌ على لا جئيين بلا دولة.

سلاماً وأماناً للسكان المدنيين المرحلين الذين لم تعد لهم دولة تحميهم. لا تطلقوا النار على اللاجئين! لا تصوّبوا نحوهم! إنهم الآن سريعو العطب مثل حلزون بلا قوقعة، سريعو العطب مثل قوافل بطيئة للاجئين، فلسطينيين أو لبنانيين. إنهم الآن بلا دفاع مثل نساء وأطفال وشيوخ قانا، وغزة، وصبرا، وشاتيلا. اعطوا اللاجئين الاسرائيليين حيّزاً، اعطوهم حليباً وعسلا!

لا تدعوا طفلاً اسرائيلياً يغرّم حياته. فقد قُتل سلفاً أطفال ومدنيون أكثر من الكثير.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق