في الذكرى التسعين لثورة 1919 المصرية / وضاح شرارة

ذاكرة المنعطفات التاريخية تتبدّد في لجّة البدايات وسدرة النهايات

تحول أثقال التواريخ «العربية» المعاصرة بين أهل التواريخ هذه، وأوطانها وبلدانها، وبين الاحتفال بحوادثها العظيمة ومعالمها. ويقصد بالاحتفال، في معرض التاريخ وحوادثه ومعالمه، الوقوف على المنعطف، على معانٍ منها المعنى الشعري الجاهلي والإسلامي معاً. فالعودُ بالذاكرة والمشاعر والتدبر الى ثورة 1919، المصرية السعدية، من سعد زغلول، في بلوغها التسعين عاماً (حمدي رزق، «نوافذ» ـالمستقبل» اللبنانية، 22 آذار 2009)، دونه حواجز وصوارف كثيرة. فمنها انشغالنا بما نحن، لبنانيين و«عرباً» (على رغمنا أو رغم بعضنا)، بما نحن فيه من بلايا أو انتصارات تتنازعنا تسميتها وصفتها. والبلايا أو الانتصارات، أياً كان رأينا فيها، تستغرق انتباهنا وطاقتنا على الانفعال والإلمام والإدراج في جمل زمنية دالة، أولاً. وهي تكرهنا على الانشداد الى ماض من المواضي المتاحة، أو على تقديم ماض على آخر، أو على إنكار رابطة أو آصرة بماض من مواضينا، ثانياً.

فبيننا وبين حوادث 1919 المصرية واللبنانية (الانتداب ولبنان الكبير والحركات أو العصابات) والسورية (ميسلون و«الدول») والفلسطينية والأردنية (التقسيم والإمارة والهجرة الاستيطانية) والعراقية (المقاومة أو الثورة والاحتلال وتنصيب فيصل وتوحيد ما بين النهرين)… ـ منعطفات ومعالم كثيرة: 1936 والحرب الثانية والاستقلالات وبدايات الدول الوطنية والجلاءات و1948 الانقلابات والمنازعات الإقليمية و1967 والحروب الداخلية والإقليمية الى اليوم. والمنعطفات والمعالم الكثيرة تعصى النظم، اللهم على وجه التسليم، العقائدي واللفظي، بناظم مشترك وجامع. وضعف الناظم المشترك، أو تقصيرنا على تبينه ونسجه وحبكه، يترك مجتمعاتنا وجماعاتنا نهباً لوقائع من غير لحمة ولا معنى، ويتركنا، نحن اهل المجتمعات والجماعات، من غير تراث ولا روابط سياسية نتدبرها ونريدها، وننقسم عليها ونجتمع على تدبير انقساماتنا.
وإذا كتب حمدي رزق: «في مشروع سعد زغلول الذي انفجر في ثورة 1919 ليصبح مشروع كل المصريين، انتهت مراحل المخاض، وعرفت طبقة الأفندية ـ الطبقة الوسطى ـ طريقها، وتحددت الشخصية المصرية في اللحظة ذاتها التي تحدد فيها المشروع الوطني المصري. الشخصية المصرية انصهرت سبيكتها في ثورة 1919، فأصبح المصري حاسماً لهويته التي تدمج الانتماء لمصر بالعروبة والإسلام في بوتقة واحدة، وأصبح المشروع الوطني المعبر عن هذه الشخصية هو الاستقلال التام عن بريطانيا وعن العثمانيين ايضاً، ووحدة مصر والسودان تحت التاج المصري، ووجود حياة ديموقراطية ونيابية سليمة، وكل هذا في إطار دولة عصرية علمانية تقدس المواطنة، ولا تفرق بين مواطنيها لدين أو عرق أو لون» ـ وهو كتب هذا كله سبيكة واحدة ـ لم يتبين القارئ خيط التأريخ والتاريخ من خيط الحلم الوردي، جامع النقائض والأضداد في ختام لا تلية له.

والقرينة على الاسترسال مع الحلم، وعلى طلبه، استعمال الكاتب، على سنة مصرية ليس جمال حمدان آخر أخبارييها، لفظة «الشخصية»، كناية عضوية وذاتية واحدة عن أحوال ومنازع تيارات وجماعات وهيئات كثيرة. ولا تنفك التيارات والجماعات تنقسم وتختلف وتأتلف، وتصوغ علاقاتها على مقادير متفاوتة من الاستقرار والاستواء حيناً، ومن الاضطراب حيناً. و«البوتقة الواحدة» قد تكون مثالاً لا يدرك، تأتم به جماعة من المتعلمين والموظفين «المتعالين» عن المصالح والأهواء الفئوية والحزبية. ولكن اعتقادها او حسبانها واقعة ناجزة يقضي بحمل حوادث التاريخ المصري مذ ذاك على سوخ السبيكة، وفك لحمتها، من غير علة. فلا يفهم ولا يعقل، والحال هذه، انقسام المصريين وفديين (على وجوه تأويل الوفد أو الوفدية) وإخوانيين (منذ 1928 ـ 1929)، بعد أقل من عقد واحد على 1919. ولا يفهم إنكار الضباط الأحرار ومعظمهم من منبت اجتماعي وفدي، طوال عقد طويل من السنين (1952 ـ 1962، الى حين إنشاء الاتحاد الاشتراكي)، التحدر من الصلب المجتمِع هذا.

والحق ان النظر من قرب الى بعض حوادث «1919» ـ وهي استطالت الى آذار 1922، تاريخ إعلان «الاستقلال التقني»، فإلى نيسان 1923، إعلان الدستور المصري قبل عودة سعد زغلول من المنفى، فإلى الشهر الأول من 1924 وتولي سعد زغلول وزارته الأولى ـ يُظهر اعتمالَ انقسامات عميقة في ثنايا الشعب المصري، متأتية من فروق اجتماعية وتاريخية لا سبيل الى تخطيها، وعليها مدار المنازعة أو المطارحة السياسية. وهذا ما لا ينكره حمدي رزق، ولو على وجه التقرير. فهو يلاحظ، منكِراً، تحذير أعضاء الوفد الى المفاوضة، من «الوزراء والأعيان»، «جماهير» المصريين، «الآثار المترتبة على قطع خطوط السكك الحديدية ومهاجمة الممتلكات (و) الاعتداءات». و«يستغرب» ضعف «اهتمام» أعيان الوفد بـالعنف الذي مارسته القوات البريطانية ضد الجماهير». وهو ليس بعيداً من متابعة المؤرخ محمد انيس على رسم تأويله اللينيني «إخفاقَ» الثورة البورجوازية الوطنية ـ وهو رسم تناقله الكتّاب المصريون الماركسيون مع صبحي وحيدة وشهدي عطية الشافعي عن مؤتمرات الأممية الثالثة الشرقية منذ 1919 بباكو الأذربيجانية ـ الى «هزيمة ثورة 1919 نفسها بنفسها». فهي لم تكن جذرية وشعبية على قدر كاف، وتسلطت مصالح حلف الأعيان والإقطاع والبورجوازية الناشئة والهزيلة عليها، والوعي الطبقي لم يكن مطابقاً، الخ.

[ البوتقات الكثيرة

واتخاذ ثورة 1919 مسنداً تاريخياً، على معنى مجمع «الأحاديث» و«الآثار» وأصحابها ورواتها، يُلزم بما يأنف الجسد المتحد «الأمي» والمنتسبون إليه، منه. وحين يتصدى مؤرخ (فرنسي) يحمل الحوادث التاريخية على محمل الجد، هو جاك بيرك في «مصر، الامبريالية والثورة» (1967)، تتصور الثورة المصرية في صورة ضعيفة الصلة بتلك التي تخلفت عن الرواية التقدمية، أو اللينينية ـ الستالينية التي صاغها الكتّاب المصريون على مثال روسي «سوفياتي» تتردد بعض اصدائه في مقالة زميل «المستقبل». فعام 1919 هو عام انعقاد مؤتمر الصلح بفرساي، ضاحية باريس، غداة الحرب «الكونية» الأولى التي أصلتها دول أوروبا الكبرى وإمبرياليتها بعضها بعضاً، بعد اقتسام «جوقها» الخماسي المسيطر على العالم المعمور منذ 1815 (مؤتمر فيينا) تقريباً. وقَدِم الرئيس الأميركي المؤتمر ملوحاً بعالم قوامه «مجتمع أمم» (وليس عصبة، على ما نقل أهل العربية يومها) متعاقدة ومتساوية وحرة، على ما يليق بـجمهورية» ديموقراطية. والرد على ويلسون، ومجتمعه الجمهوري الأممي، باضطلاع الدول المستعمِرة الكبرى بمهمات الريادة الحضارية والتمدين وبسط الأمن، بدا ضعيفاً. وفي حال مصر بدا أضعف منه في أحوال غيرها. وكان عبدالعزيز فهمي وعلي شعراوي طلبا، في أواخر 1918، إجازة بتقديم المطاليب المصرية الى لندن، فرفضت هذه الطلب. فما كان من سعد زغلول إلا أن نشر في الناس أوراق «التوكيل». واجتمع في أوائل 1919 حشد خطب فيه سعد خطاباً «نارياً»، أوقف بعده ونفي الى مالطا. ورُد المنفيون في أوائل نيسان. وفي الأثناء اشتعلت الثورة. وفي مؤتمر الصلح، برزت مصر على غير مسرح وفي غير معرض. فتصدرت بعض كبرى الصحف الفرنسية مثل «لو ماتان». ورابط بعض كبار موظفيها في أروقة وزارة المال. وحضرت مداولات رابطة حقوق الإنسان، واجتماعات المحافل الماسونية. وسمع العالم، على قول بيرك، «لغة البورجوازية المصرية في كلام السياسيين المصريين الأنيق والكفؤ».

ولكن الرأي المصري في الاستقلال الوطني لم يكن مجمعاً. فالوطنية المصرية، في أول أمرها، عثمانية. وكان صدى فكرة الخلافة في مصر عميقاً، شأنها في نواح أخرى من عوالم المسلمين. فهي بعثت الحركة الإسلامية بالهند، مع أبو الكلام أزد، وجمعت «الإيجاب الحقيقي» الغاندي الى «الاجتهاد» و«الجهاد» الإسلاميين. وزكاها في صفوف العامة والجمهور المصريين «إبهامها الحار». وإسلام المصريين يومها، على تيارات وأنحاء. فهو إسلام الشرع والعقائد المنعقد الى الأزهر ونهجه المجمِع أو الجمعي. وكان الأزهر تخلص، مع محمد عبده، من سكونه، وإقامته على دوامه الدهري، من طريق احتساب الغرب «المسيحي» و«العقلاني»، وإقراره به، وبقضيته ومخالفته. وهو، من وجه آخر، إسلام الشعائر الشعبية المتنوع والمترجح بين مصادر كثيرة مختلفة. وثمة إسلام ثالث يسميه المؤرخ الفرنسي «قارياً»، يرخي بظله على افريقيا وآسيا، من موريتانيا الى سينكيانغ (بالصين)، ويبعث أهل بلاده «النفسية والاجتماعية، في قلب بلدان الجغرافيا والسياسة، على المدافعة والمقاومة، ويترجم عما يلتبس على الحركات الوطنية والقومية «الليبرالية» والاشتراكية، فلا تحيط به ولا تستوعبه. فالحركات هذه، وإيديولوجياتها، مصدرها ما تحاربه وتتحد به وتحاكيه معاً. وعلى هذا، يعود الى الإسلام وحده، وإلى دعاته وحفظة صفائه وانتمائه، العبارة عن قيامه وقيامهم بـالفرق والمباينة من غير مزاج». فعلى هذه الصفة ينجو المسلمون من الاستواء والتمهيد اللذين تتهددهم بهما السيطرة العسكرية والاقتصادية والاجتماعية الأوروبية.

وأدوار الإسلام بمصر، وغيرها، كثيرة ومختلطة ومتشابهة (ملتبسة الأوجه والمعاني). فهي اعتقادية وتشريعية وأخلاقية واجتماعية ونفسية ولغوية وتاريخية سردية معاً وجميعاً. ويؤاتي الاختلاطُ والكثرة والتشابه المناورة والانقلاب من حال الى حال، وعقد الأحلاف وقطعها أو توسيعها وتضييقها، على نحو ما تؤاتي الحمل على الوحدة الجامعة والمتصدعة، وتحض على العودة إليها، وإلى قوتها على الدمغ والتعريف. وكانت الخلافة الإسلامية العثمانية «بيت المرء الشرقي»، وحياة بقية السياسة الباقية وأحكامها الملتبسة, والرمز الوحدوي الذي يحول دون «نفي الإسلام». فلا صدعت الحرب الخلافة، وأودى بها انتصار الحلفاء على الامبراطوريات، وفيها السلطنة، قبل ان يخلعها مصطفى كمال عن كرسيها وديوانها بأعوام قليلة، كانت «الدولة ـ الأمة»، وهي من ثمرات الحرب، منفى الأمة، والباعث على المدافعة وعلى توحيد السلطان الأجنبي والسلطان المحلي الناشئ، وتفريع الثاني عن الأول.

ولم يفت المراقبين، من موظفين بريطانيين سابقين وغيرهم، تعاظم وطأة الاحتلال الظاهرة بمصر، وطرقات القاهرة وخططها مثل القلعة وقصر النيل والعباسية وكورنيش النيل، على وجه الخصوص. فحدس المراقبون، وربما حدس الأهالي قبلهم في ضعف السيطرة البريطانية، و«انصرام تصديقها واعتقاد قوتها». فالشطر الأعظم من هذه السياسة يتوسل بالعُمُد الذين يعينهم مجلس الشياخة، وبالعربان، الى توسله بالبوليس والملك (السلطان فؤاد). وسعد زغلول مولود لواحد من العمد هؤلاء، عمدة إِبيانا، صاحب مئة فدان، وتستضيف منظرته مئة ضيف. وسعد ابن ابراهيم زغلول، درس في مدرسة دسوق، ثم في الأزهر على عبده وآخرين. وعمل محرراً فصيحاً في «الوقائع»، وجلس للقضاء وكيلاً «عقلانياً»، وفرنسي المذهب، في محكمة الاستئناف. ومن هذا شأنه، «أصالة» ومصرية، تزوج بنت مصطفى فهمي، أقرب رؤساء الوزراء الى البريطانيين، وتردد على مجلس الأميرة نازلي، بنت اخي الخديوي اسماعيل، ومدحه كرومر، المفوض السامي البريطاني، في خطبته الأخيرة. فهو، في إيجاز بيرك، «رجل مفترق طرق».

وفي الأثناء توالت ازمات عقارية ومصرفية مصدرها الأول استيلاء مضاربي البورصة على الزراعة المصرية. ومن القرائن عليها إفلاسات مصرفية، وجمود الرهونات، والكف عن تداول السندات. فجارى ضعف الأبنية المالية والمصرفية ضعف السلطان البريطاني وتردده. وكان الخديوي عباس الثاني محط آمال المصريين في «التحرر الوطني»، وقوامه التحالف مع اسطنبول والثبات في ضم السودان والتواطؤ مع الحزب الوطني وتمويل المعارضة. ولكنه ما لبث ان انكفأ عن نهجه هذا. فسكت عن إدانة محمد فريد وعبدالعزيز الجاويش. وتعمد ذر الخلاف في ورثة مطصفى كامل. وتردت الحياة النيابية في العقد الثاني من القرن العشرين عما كانت عليه في العقد التاسع من القرن التاسع عشر. فحذفت لفظة «نائب». واشترط على الناخبين تسديد 50 جنيهاً. وجعل انتخاب 16 «نائباً» من 30 على ثلاث مراحل. واقتصر التئام الجمعية العمومية على دورتين. وغرقت هيئات التمثيل البلدي في الفساد والمشاحنات. ودعت حادثة دنشواي بعض السياسيين المصريين البارزين الى الرضوخ لاقتسام السلطة مع البريطانيين. فارتضوا دستوراً من غير جلاء. ونهض الخديوي علماً على الوطنية المصرية. وهذه، على ما مر، إسلامية في المرتبة الأولى. والمصريون يجمعون اعتقاد دالة الخلافة الى كراهة الترك. ومالت نخبهم الى اليابان بعد انتصارها على روسيا. ولكن هذه المنازع بعيدة من الائتلاف في بنيان متماسك. فهي (المنازع) تترجح بين طلب الإصلاح والرضوخ للمساومة. وساد الجمهور حذر من البرلمانية، بينما حظيت المطالبة الدستورية بالتأييد. ودعت كبرى الصحف يومها، «اللواء»، الى الاستقلال تحت عباءة السلطنة. ودعا احمد لطفي السيد، في «الجريدة»، الى جنب محمد فريد، الى التحفظ من الاحتلال، واستمال الموظفين والمتعلمين، مناط أمل النظام البريطاني. وفشت الجمعيات السرية، وظهر ميلها إلى الإرهاب والاغتيال، بعد أعوام قليلة على دنشواي. ولم يبق تململ الفلاحين مكتوماً، ولا احتجاج المتعلمين.

[ أجزاء الشعب

وابتداءُ «حوادث» 1919، على وجه التعيين، تظاهرُ المتعلمين والطلاب. ونصف هؤلاء من المدارس الرسمية، ونصفهم الآخر من الأزهر. وانضم الى طليعة المتظاهرين اهالي الضواحي، وهذه تعاظم عدد سكانها منذ اوائل القرن، وتردت أحوالهم. وتقدم صفوف المتظاهرين الأولاد والمتشردون والباعة المتجولون وباعة الصحف. وحمل بعضهم «النبوت» (عصا الخيزران)، وكسروا به زجاج المحال الأوروبية. وانتشرت الحركة في المدن والأرياف، وعمت الناس كلهم، على اختلاف طبقاتهم. وكانت مشاركة الطبقات «الدنيا»، المتصلة بعالم الجنوح والسرقة والجريمة وتعاطي المخدرات، فاعلة. وهي صبغت بصبغتها بعض تظاهرات الحركة. فأحد الخطباء خلع ثيابه، ورقص رقصاً شرقياً على عربة «كارو»، وعمت الجمع المتظاهر نشوة واحدة. وفي المنوفية، حسب الفلاحون أن أوراق نبتة القطن خُط فيها حرفا السين (سعد) والزين (زغلول). وفي بعض «أيام» الثورة، فتح المتظاهرون أبواب السجون والمخافر، حيث قدروا. فهرب المجرمون الموقوفون. وبلغ عدد حوادث القتل، في 1921، على أثر الهرب، 2526. وكانت 2305 في 1920. وزادت نسبة الحوادث، بحسب المديريات، نحو 13 في المئة (في أسيوط) أو 58 في المئة. ومضى تعاطي المخدرات على توسعه. فبعد الحشيشة، في اول القرن، ظهر الكوكايين، في 1916، وأدخل صيدلي بالقاهرة، بذريعة «الامتيازات»، الهيرويين، في 1920.

وصادف هذا، وغيره مثله، تغير ضواحي المدن وسكانها المهاجرين. فلم تبق الغلبة في هؤلاء لفلاحي الوجهين، الصعيد والدلتا، التاركين قراهم. وغلب، محلهم، منقطعون من الطبقات الاجتماعية كلها، ومن المجتمع عموماً، وسواقط الطبقات الاجتماعية وصعاليكها، فقيرها ومعدمها قبل متوسطها. وقدر مراقبون مأذونون عدد مدمني المخدرات، في الأثناء، بنصف مليون مدمن (من 12 مليوناً في 1919). وذهب جاك بيرك، في تأويل العدد والحال، الى ان المدمنين مصابون في «صفتهم الإنسانية» فوق إصابة العاملين بالاستغلال، والمخدرات أعظم تدميراً من البلهارزيوز المعدية. وهي تنشئ وقتاً أو زمناً تحت الوقت والزمن اليوميين، وتلد مادة وصوراً سديمية وغاشمة تكاد لا تتعين ولا تعرّف. ولا يشك المؤرخ الاجتماعي و«اللغوي» في دور السواقط والصعاليك هؤلاء، ولا في دور «مادتهم» من الصور والكلام ووقتهم، في صبغ الانتفاض السياسي والاجتماعي المصري يومذاك بصباغ «الانتشاء التاريخي للآبد والأوّل». فثورة

1919، على بعض وجوهها الراجحة، تولت تعويض المصاب الإنساني و«رتقه»، من وجه. ولكنها، من وجه آخر، أضفت تعقيداً شديداً على علاقة «المقالة الاجتماعية»، وهي صادرة عن الخارجين عن العلاقات الاجتماعية وعليها، بالسياسة والفعل السياسي.
وإلى اتساع الهوة بين الأجانب وبين الوطنيين، وبين الأثرياء وبين المعدمين، قوي الإحساس بالهوة واتساعها في طبقات المصريين، بورجوازية وأهل بلد. وخاب أمل البورجوازية في قسمة عوائد «الاقتصاد الاستعماري»، من طريق الرسوم والضرائب وسياسة الديون والرهون والتجارة، قسمة «عادلة». فوجهت بعض أولادها الى الحكومة وإداراتها، وبعضاً آخر الى المعارضة وحركات المطالبة. وبلغ مؤشر سعر القمح 349، في 1920، وكان 100 في 1913. فغنم التجار الفرق، شأن مصدري البيض والبصل. وفقد السكر من سوق الاستهلاك اليومي، ومصر بلد منتج. وفاضت الصادرات على الواردات في 1918 ـ 1919 الى 1923 ـ 1924. فأقبل المنتفعون على تبديد عوائدهم في مشتريات باذخة بعث عليها توقع وفرة مديدة. وازدهر البناء وحده، بينما الاقتصاد كسد. وصرف المال عن التثمير الزراعي الى المدينة، وكدس في الريوع والبذخ، بينما سعر القطن وتصديره ينخفضان الى النصف.

وظهر الارتباك جلياً على القوة البريطانية بإزاء انضمام عدد متعاظم من الأعيان والكبراء الى «وفد» سعد زغلول المعتدل، وتركهم الحزب الوطني المصر على الجلاء والاستقلال الناجزين، وبإزاء تعاظم العنف وأعمال النهب والقتل والاعتداء. فاضطرت لندن، بعد ان استبدلت وينغيت بالجنرال اللنبي، وبعد ان أعادت وجوه «الوفد» من المنفى، الى اعادة تكليف رشدي المستقيل تشكيل الوزارة، وارتضت تضمينه خطابه الوزاري ضرورة السعي في «حل يرضي الأمة». وجبهت القوات البريطانية، والشطر الاسترالي منها خصوصاً، العنف «الشعبي» بإطلاق نار قاتل. واضطرت الى تجريد حملات عسكرية على البلدات التي خرجت على الإدارة والدولة. وهذا وجه من 1919 قلما يحمل على محمل الجد، ربما لأنه الوجه السياسي الأبرز، والمستقل عن العوامل الاجتماعية.

فالبلدات الريفية الكبيرة أنشأت هيئات اضطلعت بدور الدولة، وسيرت الخدمات والإدارات من طريق ناشطين أو مناضلين قاموا من حزب الوفد، عقوداً لاحقة، مقام الهيكل المتين، والوصلة القوية بين الجمهور (القاعدة الاجتماعية) وبين القيادة. وقلما دامت الهيئات الطوعية هذه وقتاً تخطى الأسابيع. ولكن ظهورها، وقيامها بمهمات إدارة مستقلة، يدعوان الى السؤال عن احتمال الثورة المصرية وجهاً عامياً وبلدياً. ومثال «جمهورية زفتا المستقلة» من الأمثلة القليلة التي ذاع صيتها، وروى أحمد بهاء الدين خبرها. وفي ضوء الرواية، لا ريب في اضطلاع العصبيات البلدية بدور راجح في بلورة الهيئات هذه. وتقدم «عصاميون»، مولودون من شرائط الاقتصاد والثقافة والإدارة أي من هيئات نشأت في كنف الاستعمار ولا تقتصر على الوظيفة الاستعمارية، تَقَدم هؤلاء الجمهورَ، وأرسوا الدينامية الفلاحية على إيديولوجية وطنية جامعة، وأقروا الأطر الوفدية على الجسم البلدي. ودعا ذلك الموظفين الى فك تعاونهم مع المستشارين ودولة الحماية. واقتفى الضباط أثرهم.

وعلى شاكلة أوراق «توكيل» الوفد الى مفاوضة المحتل، وهي ابتكار سعد زغلول الذي تولى صوغها، عمدت الجماعات المتفرقة الى توكيل مندوبين عنها الى المؤتمرات الوطنية. فوكل الضباط 32 مندوباً الى مؤتمر الأزهر في 16 نيسان، وكلفوهم إعلان الولاء للوفد، والمطالبة بإلغاء الحماية ورفع الطوارئ. وانتدب الموظفون الإداريون والحرفيون والعلماء المعممون وعمال التنظيفات والبلديات والبريد. ولم يعدم الرمز دوراً: فالتقت سيدات مصريات، مسيحيات ومسلمات، بجامع السيدة زينب. ووسع المؤتمر الوطني إثبات قوته التمثيلية. فما ان استقالت الحكومة، في 12 نيسان، حتى دعت هيئة المؤتمر الى العودة عن الاضراب المفتوح في 23 منه.

والرواية، المسهبة بعض الشيء قياساً على العجالة، لا تلم بشطر ضئيل من مجرى الحوادث أو بمصائر الحركة الشعبية المصرية. وليس قصدها الإلمام المتواضع بالأمرين، بل التنبيه الى كثرة ما تغفله الروايات الاحتفالية من وجوه وجوانب، وغمطها التذكير ببعض ما يحمل الحكام اللاحقين، والمستولين على الحكم وقمم الدولة من طريق الانقلابات، وإعمال القوة، على السكوت عن الحوادث السياسية والاجتماعية التاريخية. وسوس «الناصرية»، وأقرانها وبعضهم ضحاياها، ثورة 1919 على النحو الذي ساستها عليه، يبقى غامضاً ما اقتصر «الاحتفال» على استعادة النسب الوطني والإسلامي و«العربي» والاجتماعي الطبقي، وعلى موازنة الوجوه هذه في شخصية وهوية، أو في صفة مرحلة والقياس على مثال.

[ جسد الأمة الممتلئ

وقد يبدو هذا كله، اليوم، خارج (بعض) مصر (اليساري؟)، وربما في مصر نفسها أو معظمها، طيفاً بعيداً لا يراود إلا مخيلة كتبية ومتحفية ضامرة. فبين «1919» وبيننا، بعد تسعين سنة، حاضر ماثل يتناول أهاليه أو أهلوه، وهؤلاء هم «نحن» الكثيرة كثرة لا نحيط بها، حوادثهم وقائعهم على مثالات نظر وعمل جديدة. ولعل صفة المثالات المشتركة هي إعمال التقطيع والفرق في ما حسبه من سبقونا، أو حسبه بعضنا في طور أول، متصلاً وآخذاً بعضه بأطراف بعض، وشابكاً يده بيده. فكان الاتصال، أو الإسناد الى حلقات، والرغبة في استئناف تقليد مضمر أو معلن وتجديده، كانت هذه أمارات أصالة وحقيقة لا تنكران. ولم يشأ أحد التخفف من شرائط الجمع بين أمارات الأصالة وبين قرائن الانتساب الى العصر والتأثير فيه. فإذا أرّخ أنور عبدالملك (المولود في 1927) للأفكار الناصرية حرص حرصاً تعليمياً، وتقدمياً وتنويرياً، على استيلادها (من) السلفية الإسلامية، على مثال «الشيخ» محمد عبده وربما حسن البنا، ومن الليبرالية السياسية والاجتماعية، على مثالٍ وفدي و«ماركسي» مختلط. ولم يحل حرص جمال عبدالناصر ورفاقه على تسويغ انقلابهم، واستيلائهم على السلطة بالقوة العسكرية، بينهم وبين إدراج حركتهم في زمن مصري مديد هو زمن استعادة أهل البلد حكم بلدهم من الأجانب والأجلاب المتمصرين والمتبلدين. وقد يكون إنكارهم الأول الانتساب الى ثورة 1919، مرده الى قيامهم على بعض وارثي سعد زغلول، المتربعين في سدتي الحكم والأطيان، من وجه، على قدر ما قد يكون السبب في الإنكار خلو وفاضهم في أوائل أمرهم وربما في أواخره، من «الشعب» المصري، ومن حركته العريضة والعميقة والمتنازعة والجامعة معاً، وحذرهم من نصب مثل هذه الحركة مثالاً ومعياراً ومحاسبتهم في ميزانها.

ولكن هزيمة 1967، على الأرجح، أحبطت هذا النهج في التأريخ والتقويم، وفي العمل، معاً. وهو كان شديد التعثر وبدا الانتسابُ الى حلقات تاريخ سابقة وأصيلة، وزعمُ التحدر منها، تطاولاً وافتئاتاً غير سائغين. وعلى نحو قريب من الانقلابات العسكرية التي خلفت 1948، وأرجعت عللها الى عجز حكام الوقت عن الاضطلاع بتبعات الحرب والقيادة، والدراية بهما، قامت حركات «شعبية» أو أهلية، محلية وطنية ومختلطة («عربية»)، على الأنظمة الخاسرة، وحملت القصور «التقني» والعسكري على خلل تاريخي يدين الأنظمة هذه، والأبنية السياسية والاجتماعية والثقافية التي تنهض عليها، بالفوات، على قول ياسين الحافظ. وقاست الفوات هذا على إنجازات «حرب الشعب»، ومثالها الفيتنامي الماثل يومها. وذهبت الى ان تحرير فلسطين من المركَّب الغربي والصهيوني هو المسألة العربية أو القومية المركزية، وهو الطريق الى التحرر السياسي والاجتماعي والقومي من الاستعمار الجديد والتخلف والتجزئة والبيروقراطية جميعاً. فوعدت الحركات هذه، وبؤرتُها الفلسطينية، «الجماهير العربية» بتعويض عيوب المثال التحرري على النهج الناصري الممتحن والمتصدع.

فالمعركة، هذه المرة، يخوضها ضحايا الهجمة الاستعمارية الأعنف والأشرس. فهم الصفوة و«الأئمة» والقادة، على مثال البروليتاريا التي لا تخسر في قيامها على النظام القديم إلا أصفادها وقيودها. وهم المستضعفون الموعودون، من بعد، بالإمامة والخلافة. وهؤلاء لا تلهيهم أعباء الدولة الوطنية والتزاماتها الإدارية والتقنية الداخلية، ولا الضوابط الخارجية، عن تعبئة الجماهير في حركة تجمع الى السعي في إطاحة التبعية، والسيطرة الاستعمارية (الاقتصادية)، إطاحة اشكال السيطرة الداخلية الجديدة، ومصالحها الضيقة، على معنيي «القطرية» والطبقية الاجتماعية المستحدثة («البيروقراطية»، على ما درج القول غداة 1966). ولما كانت البروليتاريا الفلسطينية مشردة في أقطار العرب وبلدانهم، وتكابد وطأة الدول والأجهزة، خلص من نصبوا أنفسهم ألسنتها ومقدميها وأصحاب خلاصها الى تجردها من المصلحة القطرية وغيرها منها، وإلى تقديم المصالح القومية على المحلية. (وعشية دخول اتفاقيات أوسلو طور الإنفاذ احتذى أحد دعاة الخلاص، إدوارد سعيد، على الرسم الاستدلالي نفسه، فذهب الى ان الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي عانوا من تعسف الشرطة وقمعها، فلا بد من أن يبرأوا معه من الحاجة الى الشرطة، أو إلى جهاز أمن، فكان أن تعاقب محمود دحلان وجبريل الرجوب وسعيد صيام على «الأمن» الوقائي فالداخلي إنجاز الوعد).

وجمعت الحركة الفلسطينية العربية ـ وهذه المرة كانت عربية ليس قياساً على الثورة العربية الأولى، أو الثانية بعد الحجازية، في جبل العرب الدرزي السوري في العشرينات، ولا حتى قياساً على «الثورة العربية الكبرى» الفلسطينية في 1936 ـ 1939، وهي جملة «الحركات» او الانتفاضات الفلسطينية عشية الحرب وغداة «الكتاب الأبيض» البريطاني وفتح باب الهجرة اليهودية من أوروبا تجتاحها النازية والفاشية الى فلسطين، بل في ضوء انتشار الشتات الفلسطيني وتوطنه في المشرق والخليج و«البوابة» المصرية، وتألب الفلسطينيين في مهاجرهم حول منظمات تنتسب إليهم ـ جمعت الحركةُ «النخب» القومية والتقدمية المناهضة للغرب الرأسمالي والليبرالي والديموقراطي وحلَّقتها حولها. وإلى هذه جمعت «نخب» المعارضات الاجتماعية، اليسارية والحزبية في معظمها. فغلب مزيج مدني، على معنى غير الإسلامي، ومناهض للغرب، على الجماعات التي أحاطت «الثورة الفلسطينية» وأيدتها. وغلف الميل السوفياتي الشيوعي الجماعات هذه، وصبغها بصبغته. فاستبعدت الجماعات الإسلامية المنظمة نفسها من دائرة النصرة الفاعلة، من غير ان يطرح الاستبعاد الطوعي الميل والتأييد الإسلاميين الأهليين، الفلسطينيين والعربيين.
فوسع «الثورة الفلسطينية» جمع روافد المعارضات الوطنية المتفرقة، وتشبيه دمجها في كل متماسك. فلا يبقى وجه من وجوه السياسة والحرب والاجتماع والثقافة والتاريخ لا يتربع مكانه ومكانته من الكل المفترض هذا، أو خارج الكل. وكان الافتراض هذا سند «الحركة الوطنية» والعروبية اللبنانية، ومعيار أحكامها وأفعالها، منذ 1972 ـ 1973، على خطى نظيرها الأردني السابق والسباق. وخوّلها السند، وهي ترجمته بعد بعض الوقت «قوات مشتركة» و«شعباً لبنانياً ـ فلسطينياً» واحداً، التصدي لوجوه «الإصلاح» كلها معاً: إصلاح الديموقراطية ومؤسسات الحكم، وإصلاح التفاوت الاجتماعي ونهج التنمية، وإصلاح الهوية الوطنية أو القومية أولاً وآخراً (من وجه لبنان العربي، الى لبنان العربي أو عروبته وجهاً وقلباً وعقلاً، على ما رأى مؤتمرو الطائف ولا يزال وليد جنبلاط يرى). وجمع وجوه السياسة والحرب والاجتماع والثقافة والتاريخ في كلّ يتولاه طرف أو فاعل («لاعب») واحد، يُفترض، ابتداء، واحداً، فلا يتطرق إليه الانقسام والخلاف من أمامه ولا من خلفه، ولا يحتاج تالياً الى التمثيل على انقساماته وخلافاته أو الى تمثيلها في سياسة وفي مؤسسات وهيئات، الجمع والافتراض هذان ينزعان الى إلغاء التراث التاريخي وتخصيصه الجماعات بخصائصها، حكماً. فيرمى التخصيص ودعاته وأصحابه بالشقاق الأهلي, وينفون تالية من الشعب والأمة. ويعالج التخصيص والشقاق بحرب الأهل على الأهل. ويتستر المحاربون الأهليون بجامع عام سياسي ومجرد، لواؤه تارة المواطن وحقوقه، و«ثورة 1789» (على قول بعض محمقي الثورة الوطنية اللبنانية في أوقاتها الأولى)، وتارة أخرى «الحقوق الاجتماعية» المشتركة بين منتجين استووا قوة عمل خالصة. وتكتمل «الثورة»، على نحو ما اكتملت في صيغتها الفلسطينية وقبلها في صيغتها المصرية الناصرية وبعدها في صيغتها الإسلامية، تكتمل في بلورة هوية الأمة. فتنفي الهوية هذه الأعلاق التاريخية والاجتماعية، وتنفي معها دَيْن الجماعات الوطنية السياسية الى ماضيها وحاضرها، وإلى إرادتها آتيها وغدها، باختباراتها وتجاربها وأحكامها وتطلعاتها. وهذا كله على خلاف «1919»، وعلى ضده ونقيضه.

فيعترض جسد الأمة الممتلئ، على نحو امتلاء جسد السلطان الخلدوني، نظر البشر الأحياء الى مواضيهم، وإلى حوادث المواضي ووقائعها، ويحجبها عن النظر والمسألة والتذكر والتأريخ. و«الأمم» التي تعاقبت على المجتمعات والبلدان والشعوب العربية في أثناء نصف القرن المنقضي، وكانت أمة عربية مصرية وناصرية مرة، ثم أمة عربية فلسطينية مرة أخرى، فأمة إسلامية تأتلف على جبهة قتال الاستكبار الصليبي واليهودي والعدو البعيد وتتفرق «شعوباً» وأعراقاً وفِرَقاً على المسائل الأخرى كلها، مرة ثالثة، هذه «الأمم» تشترك في ولادتها من عدم سابق، وفي جبّها ما قبلها ونفيها دَيْنها له أضعف الدَّيْن وأقله. فاحتار جمال عبدالناصر في حمل حركة ضباطه وانقلابهم على غير «روح» مصر و«عودة» هذه الروح، على قوله في مديح توفيق الحكيم و«حدّوته» المشهورة، وانبعاثها في عدد قليل من الضباط، وتعريف هؤلاء بالاكتواء بالأسلحة الفاسدة في حرب 1948، ومعاناتهم جمود الحراك والارتقاء الاجتماعيين، وغلبة خليط القصر والباشوات والاحتلال والمحافظة الخانقة على الاقتصاد والدولة والمجتمع.
وأما «الحركة الوطنية» المصرية، من عُرابي الى معاهدة 1936 ثم الى عشية 1952، وأما تاريخ الشعب المصري، «أقدم قومية في التاريخ» على زعم جاك بيرك، فلم يقع فيهم الضابط، فالزعيم «العربي» الذي ادعى انه أول مصري يحكم مصر منذ قرون، لم يقع على ما يسند إليه انقلابه على فاروق وعرشه وقصره وحاشيته. ولعل السبب في هذا هو رفض الضباط الأغرار (ما خلا محمد نجيب!) اقتسام السلطة مع وارثي الحركات السياسية والاجتماعية القريبة، شأن حركة 1919 وفصولها اللاحقة، وإدانتهم الوارثين كلهم، وما تحدروا عنه وصدروا، بالفساد والانحطاط. ولعل السبب كذلك، هو الرغبة في التخفف من القيود التي تقيد بها الحوادث السياسية والاجتماعية الكبيرة من يقبلون الصدور عنها. فالحوادث هذه، إذا لم تقتصر على علامات وصرخات (شعارات) حرب وثارات، وإذا تبلورت في حركات وسنن ومعان، أوجبت مناهج وسياسات قد تكره المستولين الجدد على الانضباط بها، وعلى «اقتسام» السلطة مع «المعاني» السابقة، وأهلها المعروفين والغفل. وربما لا يفهم المستولون أنهم يدينون الى غيرهم من الأموات والأحياء ما اجترحوه بأيديهم أو يحسبون انهم اجترحوه. فهم صنعوا انقلابهم واستيلاءهم على شاكلة صنع جمال عبدالناصر ضباطه و«حريته»، أو هم صنعوا حركة تحررهم على نحو صنيع ياسر عرفات حركة التحرر الفلسطيني («ف ت ح« مقلوبة أوائل الحروف) دليلاً دليلاً، وعملية عملية، وبياناً بياناً (على ما يروي يزيد الصايغ رواية مستفيضة في «تاريخ الكفاح المسلح الفلسطيني»)، فيما عامة الفلسطينيين سادرون في سباتهم وشتاتهم. أو هم نفخوا الروح والحياة في سلك زملائهم من المعممين على مثال روح الله خميني.

فجسد الأمة الممتلئ، على هذا، إنما هو معين سلطان مشروع لا حد له، ولا قيد عليه. وهو يدعو الى تلخيص الأمة في روح لا تتجزأ ولا تتبعّض، على خلاف التوكيل والاشتراط والسلطات الثلاث المستقلة والمتعاونة. ويحسن حمله على نسب «إلهي» (أو علوي طالبي، في حال صدام حسين المتواضع)، على خلاف النسب الانتخابي والشوروي «المشروطي» (الدستوري الإيراني) المنقسم والمتغير والمائل مع أهواء متضاربة وفاسدة. وهو يطلب التجسد أو الحلول في امرءٍ يكافئ وحدة جسد الأمة وامتلاءه، ويشار إليه بالبنان جواباً عمن يكون الإمام أو البطل أو «الريِّس» أو القائد. وهذه صفات أو مناقب لا تتوافر في المساند التاريخية غير الخرافية أو الأسطورية، ولو جرت الحوادث، حين حصولها أو وقوعها، على مثال تلابسه الخرافة والأسطورة، على ما مر في رواية ثورة 1919 سريعاً. فيحجب جسد الأمة العظيم والباهر، وهو حقيقةً روحُها وعبقريتها وأعلامها ومصائرها، عن أنظار جماعاتها وأفرادها ومجتمعاتها، وعن مقالاتهم وعقولهم ومشاعرهم، حوادثَ تاريخهم الكبيرة والصغيرة. ويحول بينهم وبين روايتها وتداولها، وتداول الرأي فيها وفي معانيها. فالحوادث المصرية، على سبيل التمثيل ليس إلا، إذا رويت على مقدار من البسط المادي والمعنوي، هذه الحوادث لا تتكشف عن مسير باطن مظفر يُخرج الى العالم شخصية مصر، أو يرسي مجتمعها على قيادة طبقاته الوطنية والشعبية ودولة هذه القيادة، أو يكسوها علمها الإسلامي، إلا لمن يتذرعون بالحوادث الى الولاية العامة والقاهرة على الناس.

فيُصْلي المتغلبون على جماعاتهم، أو على بلدانهم وأممهم، تواريخها الكثيرة والمتنازعة، حرب إبادة معنوية حقيقية. فهم يرغبون في قصر هذه التواريخ على ارتقائهم في معارج الولاية والسلطان، خارج الحكم وبالأحرى داخله وفيه. وهم يكذبون كذباً فادحاً ومغرضاً حين يرمون «الاستعمار» بكتابة تاريخهم (المفرد) عوضهم، وبالحؤول بينهم وبين رواية تاريخهم، ليتسنى له «صنعهم» على أنماط غير تاريخية وسالبة. وصنيع أعلام الحركة الفلسطينية ومثقفيها، وهم مصدر «نقد الاستعمار» هذا، في البلدان العربية التي استدخلوها، وفي الجماعات العروبية التي «شاركوها» السلاح والفتوح والغلبة، قرينة حادة على الكذب هذا. فالبلدان هذه، وشعوبها على وجه العموم وجماعاتها المتحفظة عن السيطرة الفلسطينية وعن حلولها محل دولها، ينقلب ماضيها الى تمهيد طويل ومتعثر لطلوع الصبح العروبي، الناصري (المصري) أو الفلسطيني أو السوري الخ. أو الإسلامي الخميني، على فوضاها واقتتالها وميولها الى الأجنبي وعدائها العروبة (على ما «يؤرخ» بشار الأسد للبنانيين من غير رعاياه، وللفلسطينيين من غير مريدي احمد جبريل وخالد مشعل وعبدالله رمضان شلح، ويتابعه على «تأريخه» متعلمون في المنفى والوطن»).
فشرائط «ذاكرة» المقاومة، أي استعادة فعل واحد فقير ومجرد من متعلقاته وملابساته وأوقاته وسياقاته، نفي الوقائع الوطنية والمحلية، وإعدام الهيئات «الفئوية»، وإغفال التظاهرات «اللغوية» والرمزية الخاصة، وإنكار البواعث الاجتماعية، والازراء بالمعاني الفردية. فعلى مثال النسب القبلي، والأصح القول: على مثال مثاله المجرد، لا حقيقة إلا لما يعلَّق على الأصل والمبتدأ والأول، ولما تسري فيه هذه من غير خليط ولا تهجين. ولا تزن الحوادث، مهما بلغت من الجسامة، شيئاً في ميزان الأصل والمبتدأ والأول. ولا تستحق حركة «المشروطة» الإيرانية، وقبلها حركة مقاطعة التبغ الأجنبي وبعدها حركة مصدق، شأن ثورة 1919 المصرية، والحركة الوطنية الجزائرية (مسالي الحاج)، وغيرها كثير، رواية محمد حسنين هيكل على «الجزيرة» ومسلسلاتها في «الخيانة». فـ«الشعر» السلطاني، التلفزيوني أو الإذاعي، إما تشبيب مقذع وإما هجاء رخيص.

عن جريدةة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق