في الذكرى الـ 35 لاغتيال غسان كنفاني: معضلة حرف العطف، بين الكاتب والمناضل

في مطلع الستينيات من القرن المنصرم كانت شريحة واسعة من النُخَب الثقافية العربية، ذات التوجّه القومي عموماً، قد انخرطت فجأة في اكتشاف الفلسفة الوجودية الفرنسية وفكرة العبث، كما مثّلتها الترجمات العربية جان بول سارتر وألبير كامو الفلسفية والروائية والمسرحية. وفي القطب المقابل كان المثقفون الماركسيون يواصلون الدعوة إلى «الأدب الملتزم» بالقضايا الاجتماعية وتحرير الإنسان، ويبشّرون بالمدرسة الواقعية ضمن المعنى العريض للمصطلح، و بـ «الواقعية الاشتراكية» ضمن معانيها العديدة التي ظلت غامضة إجمالاً على صعيد المصطلح، ولكنها لم تفتقر إلى الأمثلة النموذجية في روايات مكسيم غوركي وميخائيل شولوخوف. وباستثناء تيارات محدودة واصلت البقاء في صفّ المدارس التقليدية، فإن النتاج الإبداعي العربي توزّع آنذاك في هذين التيارين.

وبطبيعة الحال، كانت القضية الفلسطينية قاسم إجماع مشترك يكمن في الخلفية البعيدة من الهموم القومية والوجودية للفريق الأول، والهموم الطبقية والاجتماعية للفريق الثاني. في الخلفية البعيدة فقط، إذْ أنّ الوعي العربي كان آنذاك أسير مزيج شبه صوفي من المفاهيم المطلقة التي تجرّد الصراع العربي ـ الإسرائيلي من محتواه التاريخي والقومي، وتختزله في تعبيرات رثائية من نوع «مأساة فلسطين» و«نكبة فلسطين». هذا التجريد بالذات تسبّب في ما يشبه «الإلحاق» غير المباشر للأدب الفلسطيني في التيارات الرئيسية للأدب العربي، وتسبّب بالتالي في تجميد الإبداع الفلسطيني عند المستويات التي يقف عندها الأدب العربي في تناوله لموضوعات النكبة، ومعاناة اللاجئين في المخيمات، والتناول التنميطي السطحي للدولة العبرية وللحركة الصهيونية إجمالاً.

لكنّ الأديب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني (1936ـ1972) كان، بحقّ، رائداً في كسر هذا الوضع العالق، من خلال محطتين فاصلتين اثنتين على الأقل:

المحطة الأولى هي روايته «رجال في الشمس» التي صدرت عام 1963 وشكّلت علامة فاصلة في الأدب الفلسطيني، وقفزة نوعية في الشكل والمحتوى، بحيث يمكن الحديث عن طور ما قبل «رجال في الشمس» وما بعدها ضمن المشهد العام للأدب الفلسطيني والعربي. وهذه الرواية جمعت، بمهارة رفيعة، بين الهمّ القومي الوجودي والهمّ الاجتماعي السياسي عند مجموعة تمثيلية منتقاة من الفلسطينيين «الفعليين»، أي البشر العاديين غير المؤَسْطَرين، أولئك الذين لا يقفون في الخلفية البعيدة فقط بل يحتلون صدر الحدث ويتحركون في قلبه، ويموتون خنقاً في بطن الصهريج الذي كان سينقلهم إلى الكويت، أرض الحلم الممنوع الذي تبيّن أنه حلم مستحيل أيضاً.

والفلسطينيون في هذه الرواية الفذّة ينتمون إلى فئة اجتماعية لم يجد كنفاني أي حرج في تسميتها بـ«البروليتاريا الرثة». إنهم فقراء، عاطلون عن العمل، مشردون عن وطنهم، حالمون بحياة أفضل، باحثون عن الخلاص الفردي بسبب من غياب أي مشروع بديل للخلاص الجماعي، أو بسبب عجزهم الذاتي عن تكوين وعي بضرورة الحل الجماعي. وفي سعيهم إلى الحل الفردي يسلمون مصائرهم إلى سائق صهريج لتهريبهم إلى الكويت، ثم يموتون خنقاً داخل خزان الصهريج المتوقف أمام النقطة الحدودية الكويتية. أسباب مقتلهم (مقتل القضية الفلسطينية؟) تتنوّع بقدر تنوّع هوية القتلة: شمس الصحراء الحارقة، سائق الصهريج (الفلسطيني الذي أحكم إغلاق الخزان فلم يترك لهم أي منفذ للتنفس، وحرس الحدود الكويتيون الذين ينخرطون في ثرثرة طويلة (جنسية المحتوى!) مع السائق، والضحايا أنفسهم لأنهم تشبثوا بالأمل الكاذب في عودة السائق في أية لحظة، فلم يقرعوا الخزان بقوّة تكفي لتنبيه الآخرين في الخارج إلى دورة الموت البطيء في الداخل.

هذه هي المرة الأولى التي يبدو فيها الفلسطيني مجرّداً من كامل التجريدات الرثائية والتراجيدية والرومانتيكية والميلودرامية. وكنفاني كشف عن براعة خاصة في نقل الفلسطيني من صورة البطل المبهم بلا ملامح، إلى صورة الشخصية الروائية التي تتحرك ضمن فضاء واضح من التاريخ الشخصي السياسي والاجتماعي والسيكولوجي، فضلاً عن التاريخ الجماعي الذي يتبدى في صيغة ذاكرة مركّبة حافلة أكثر من صيغة السجل التنميطي الذي اعتادت عليه معظم النصوص العربية في تصويرها للفلسطيني. أكثر من ذلك، لم يتردد غسان كنفاني في الذهاب بالمصير الختامي حتى حدوده القصوى، وذلك حين ينتهي حلم الفلسطينين إلى الاستعارة القاسية التالية: جثث هامدة ملقاة على أكوام القمامة، في ظاهر المدينة الكويتية، وغير بعيد عن آبار النفط.

وهي أيضاً صورة جديدة للفلسطيني الفعلي على صعيد أدب كنفاني نفسه. فقبل هذه الرواية كان قد أصدر «موت سرير رقم 12»، 1961، وهي مجموعة قصص قصيرة لا تخرج كثيراً عن الموضوعات الوجودية الرائجة آنذاك (العبث، الضياع، القلق الميتافيزيقي…). بعدها أصدر «أرض البرتقال الحزين»، 1962، وهذه بدورها مجموعة قصص قصيرة تكتفي بالتصوير التقليدي لشخصية الفلسطيني المشرد، وحياته في المخيم، وحنينه إلى وطنه وأرضه. وفي روايات مثل «ما تبقى لكم»، 1966، و«أم سعد»، 1969، مثلما في مجموعات القصص القصيرة والمسرحيات وقصص الأطفال، واصل كنفاني تطوير خطّ «رجال في الشمس»، وتقديم الفلسطيني الفعلي كما ينبغي لحيوّاته أن تنعكس في سرده لتاريخه وذاكرته وقضيته، ولكن كما يليق بها من صياغات فنية رفيعة لا تستبدل الحياة الفعلية بالتنميطات البطولية الجوفاء أو التخطيطات الإيديولوجية المجردة.

ولكن كنفاني، في روايته الهامة الثانية «عائد إلى حيفا»، 1969، وضع الفلسطيني في مواجهة أخلاقية وحقوقية مباشرة مع «الآخر» الإسرائيلي، وقارن بين تشريد الفلسطيني وتحويله إلى ضحية على يد الصهيونية، وتوطين اليهودي الأوروبي الذي كان ضحية النازية. أكثر من ذلك، تذهب هذه المواجهة إلى درجة عالية من التوتر العاطفي حين يكتشف الفلسطيني سعيد س. وزوجته صفية أن هذا الآخر الغريب (ممثلاً في أرملة يهودية مات زوجها في حرب 1956) لم يكتف بالاستيلاء على بيت الأسرة في حيفا، بل استولى أيضاً على ابنهما البكر الرضيع الذي اضطرا لتركه عام 1948 وهو في شهره الخامس. وهاهو الفتى يكمل قسوة اللقاء حين يدخل مشهد المواجهة بين أسرته الفلسطينية وأسرته اليهودية التي تبنّته… مرتدياً البزّة العسكرية الاسرائيلية، أيام حرب 1967!

«كان عليكم ألا تخرجوا من حيفا. وإذا لم يكن ذلك ممكناً فقد كان عليكم بأي ثمن ألا تتركوا طفلاً رضيعاً في السرير. وإذا كان هذا مستحيلاً فقد كان عليكم ألا تكّفوا عن محاولة العودة. أتقولون إن ذلك أيضاً كان مستحيلاً؟ لقد مضت عشرون سنة يا سيدي! عشرون سنة! ماذا فعلت خلالها لكي تستردّ ابنك؟» هكذا يهتف كنفاني على لسان الابن، موجهاً النقد القاسي إلى جيل لاجئي 1948، ومختصراً مواجهة الماضي والحاضر بهذه العبارة الوداعية الرهيبة التي يقولها سعيد س. إلى ابنه وإلى السيدة اليهودية: «تستطيعان البقاء في بيتنا مؤقتاً، فذلك شيء تحتاج تسويته إلى حرب».

المحطة الثانية الفاصلة في جهود كنفاني لكسر الوضع العالق للأدب الفلسطيني كانت دراساته في الأدب الفلسطيني: «أدب المقاومة في فلسطين المحتلة»، 1966، و«الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال»، 1968. هذان الكتابان قاما في حقل الدراسة الأدبية بما قامت به رواية «رجال في الشمس» في حقل التخييل الإبداعي، أي تعريف الشارع العربي العريض على أدب متميّز يكتبه فلسطينيون «عاديون» في أماكن مثل حيفا ويافا وعكا والجليل. ولقد لعب الكتابان، وما تضمّناه من نصوص كانت تُنشر للمرّة الأولى في العالم العربي، دور حلقة الوصل الذهبية بين الداخل الفلسطيني والعمق العربي من المحيط إلى الخليج. وقبل هذين الكتابين لم يكن القارىء العربي يعرف إلا القليل (أو لا يعرف أي شيء أحياناً) عن أسماء مثل محمود درويش وتوفيق زياد وسميح القاسم، وقبلهما لم يكن هؤلاء الأدباء أنفسهم يدركون على نحو واضح أيّ محتوى ديناميكي كبير يمكن لنتاجهم أن يلعبه في الاتصال مع العمق العربي.

هنا أيضاً لاح أنّ هذه النصوص تقدّم صورة عن الفلسطيني تختلف جوهرياً عن الصورة المعتادة، سواء في النصوص العربية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، أو في نصوص أدباء فلسطينيين صوّروا النكبة على نحو مأساوي أو تناولوا فكرة المقاومة على نحو حماسي محض، من أمثال عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) وعبد الرحيم محمود. وبين الكتابين أدرك كنفاني ضرورة الربط المقارن بين الأدب الفلسطيني وأدب الدولة العبرية، فأصدر كتابه الرائد «في الأدب الصهيوني» عام 1967، ولجأ فيه إلى نبرة نقدية رزينة لم تكن لها سوابق ملموسة في الدراسة العربية التقليدية للأدب الإسرائيلي، والتي كانت تسير عموماً وفق قاعدة «إعرف عدوّك».

في هذه الأعمال سوف تتكشف، بوضوح أكثر، الأسس الإيديولوجية لرجل بدأت تجربته الحياتية بالتشريد من مسقط رأسه عكا عام 1948 بعد قيام إسرائيل، والنزوح إلى لبنان، ثم التقلّب في أكثر من مهنة في دمشق والكويت وبيروت، وصولاً إلى الانخراط في صفوف المقاومة الفلسطينية عام 1960. وفي هذا اختار كنفاني «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، وهي منظمة تفرّعت عن حركة القوميين العرب ثم تبنّت الماركسية، وكانت تطمح إلى لعب دور الحزب السياسي بالمعنى اللينيني، إضافة إلى دورها كحركة مقاومة مسلّحة بالمعنى الماويّ للكلمة.

وكان طبيعياً أن يسفر امتزاج النشاط الأدبي بالنشاط السياسي والتنظيمي عن نشاط ثالث هو الصحافة، وبدا في أكثر من طور أن شخصية كنفاني تتوزّع على هذه الأنشطة الثلاثة بطريقة متساوية ومتكاملة. ولقد عمل محرراً أدبياً في صحيفة «الحرية»، ثم ترأس تحرير «المحرّر» عام 1963، وساهم في «الأنوار» و«الحوادث»، حتى عام 1969، حين أسّس أسبوعية «الهدف» وبقي رئيساً لتحريرها وناطقاً إعلامياً باسم «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» حتى اغتياله على يد الموساد في بيروت، صباح يوم السبت 8/7/1972، بعبوة ناسفة وضعت في سيارته (استثشهدت معه ابنة شقيقته، لميس حسين نجم، 17 سنة).

وفي تقديمه لأعمال غسان كنفاني الأدبية الكاملة، أشار محمود درويش إلى معضلة حرف العطف، «الواو»، الذي يفصل بين مفردتَيْ «الكاتب» و«المناضل» في تعريف كنفاني. لماذا لا يتماهى الكاتب في المناضل، فيقال «الكاتب المناضل» بدل «الكاتب والمناضل»؟ وهل تستعصي العلاقة بين رجل يكتب في سياق نضاله أو لأنه يناضل، ورجل يناضل في سياق كتابته أو لأنه يكتب؟ ولماذا لا يتمّ ذلك في حالة ساطعة صريحة مثل غسان كنفاني بالذات؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق