في الذكرى المائوية الثانية لولادته

تحتفل الأوساط الثقافية في العالم أجمع بالذكرى المائوية الثانية لولادة الأديب الروسيّ نقولاي غوغول (1809-1852) الذي غيّر بوصلة الأدب الروسيّ والعالميّ موجّهاً إيّاها نحو مواضيع أكثر حياتية وواقعية وصولاً إلى تأسيس ما سمّي لاحقاً بالواقعية النقدية، كما ساهم إلى حدّ كبير في إرساء البنية الأساسية للأدب الروسيّ كما قال عنه ألكسندر أستروفسكي : «إنّ أدبنا الروسيّ ما يزال فقيراً أو ناشئاً، هذه حقيقة، ولكن ابتداء من غوغول صار يقف على أرضية صلبة ويسير في طريق مستقيم.»1 وإذا كان غوغول قد أسهم بشكل كبير في تطوير القصة والرواية الروسيتين، فإنّ تأثيره الأكبر كان على صعيد التأليف والتطوير المسرحيّ.

{{البدايات المسرحية}}

أوّل اتّصال لغوغول مع المسرح يعود إلى أيّام طفولته المبكرة، فقد كان والده يصطحبه لحضور العروض المسرحية التي كانت تقدّم في مسرح صغير قريب من منزل العائلة، يملكه قريبهم الوزير المتقاعد تروشينسكي. وكان والد غوغول يشارك في تمثيل بعض هذه العروض ممّا حفز غوغول الطفل للمشاركة بالمسرحيات التي كان يكتبها والده باللّغتين الروسية والأوكرانية، وهذا زرع في نفسه حبّ المسرح والتعلّق بسحره ليتحوّل لاحقاً في سنوات الدراسة إلى مدير ومخرج للمسرح المدرسي. وفي ثلاثينات القرن التاسع عشر، طغت على المسارح الروسية موجة كبيرة من النصوص الأجنبية التي لا تحتوي أفكارا إنسانية، بل على العكس تماماً حيث احتوت مجموعة طروحات ساهمت في تشويه الحقائق الحياتية التي كان يعيشها المجتمع الروسي، ممّا دفع غوغول إلى إعلان الثورة ورفض هذا الاتجاه في المسرح، وحفزه للعمل على إيجاد أدب مسرحيّ جديد يقوم على ثلاث نقاط أساسية: الحقيقة الحياتية، الفكرة الجيّدة، تصوير الظواهر الواقعية على ضوء المبادئ الديمقراطية التقدمية.

منذ محاولاته الأولى في الكتابة المسرحية، اعتبر غوغول المسرح أداة فعّالة لتربية الجماهير، فالأدب المسرحيّ عنده ليس مجرّد دمعة يذرفها المتفرّجون عندما يشاهدون عملا تراجيديّا، أو ضحكة عريضة يطلقونها عند متابعة مشهد كوميديّ، إنّما على الكاتب المسرحيّ حسب اعتقاد غوغول أن يقوم بدور المعلّم والمرشد لأوسع شريحة ممكنة من الجماهير الروسية، كذلك فضّل غوغول الكتابة المسرحية الساخرة التي تثير الغصّة في فم المشاهد رغم الطابع الهزليّ لهذه الطريقة في الكتابة. هذه الفكرة نجدها في جميع الأعمال المسرحية التي كتبها غوغول للمسرح.

{{مسرح الحقيقة والكوميديا الفعالة}}

من أبزر آراء غوغول حول آلية الكتابة المسرحية معارضته الشديدة للعروض المسرحية التي تصوّر الواقع بشكل فوتوغرافيّ وستنسخ الحدث بطريقة فجّة ومباشرة لا تخلو من السذاجة، أمّا الشكل المسرحيّ الذي حاول ترسيخه فهو تصوير الواقع عاكساً أفكاره ومشاكله ومعاناة أفراده البسطاء وصراعهم من أجل البقاء، بهذا الأسلوب استطاع غوغول كتابة وتقديم مسرحيات كوميدية واقعة، مرسّخاً بذلك مفهوماً مسرحياً جديداً عكس عبر الكوميديا الاجتماعية الواقع الصادق بأسلوب فنّيّ جديد، وهنا يقول غوغول عن مسرحه: «إن كان يتوجّب على الكوميديا أن تكون صورة ومرآة لحياتنا الاجتماعية، فعليها أن تعكس هذه الحياة بكلّ ما فيها من صدق.»2

إذاً، أراد غوغول لمسرحه أن يكون (مسرح الحقيقة الحياتية) معتمداً على الكوميديا الاجتماعية الانتقادية الساخرة، هذا ما كان مرتبطاً أيضاً بعمله من أجل تكوين المسرح القومي الروسي، حيث ناهض كافّة أشكال الكوميديا الأجنبية الدخيلة على المجتمع الروسي والتي تعتمد الضحك المجّاني البعيد عن الأفكار الحيّة التي تلامس الواقع الروسيّ.

لقد فهم غوغول المسرح على أنه أداة ومدرسة لتربية المواطنين، بالإضافة إلى كونه فنّا جماهيريّا فعّالا ومرآة يمكنه أن يعكس عبرها كلّ مساوئ المجتمع القيصري الذي كان يعيشه المجتمع الروسي في ذلك الحين. من هذه المنطلق بدأ العمل والتأليف المسرحيين، ومن أهمّ العوامل التي حفزته على العمل المسرحيّ افتقار المسرح الروسيّ إلى نتاجات فكرية رصينة حتى ثلاثينات القرن التاسع عشر، أمّا العروض التي كانت تقدّم على خشبات المسارح حتى ذلك التاريخ فهي أعمال تافهة بالمجمل، بعيدة عن روح الإنسان الروسيّ المضطهد «أما الأعمال المسرحية للكتاب الكلاسيكيين الروس مثل فانفيزن، وكريلوف، وغربيويديف، فكانت تمنع من العرض وتوضع في طريقها العقبات من قبل السلطة والقائمين على الحركة المسرحية آنذاك، ممّا جعل غوغول يرفع صوته مطالباً بتحرير المسرح الروسيّ من التسلّط الأجنبيّ، وفسح المجال أمام المسرح لتصوير الحياة الروسية الحقيقية» 3.

{{ نتاجه المسرحي}}

في عام 1833 بدأ غوغول أولى محاولاته المسرحية، فكتب عدداً من المسرحيات لم يجد معظمها طريقه إلى النور؛ من أهمّها مسرحية لم يكملها تحت عنوان (وسام فلاديمير من الدرجة الثالثة)، وصوّر غوغول في هذه المسرحية الكوميدية الأوساط البيروقراطية والنفعيين والمخادعين والمرتشين من موظّفي الدولة القيصرية، فالهدف الأساسيّ لبطل المسرحية الموظّف بارسوكوف هو الحصول على وسام فلاديمير من الدرجة الثالثة، وعبر تحرّك هذا البطل الانتهازي لتحقيق هدفه يعرض غوغول واقع حياة هذا الإنسان ونفسيته، والوسط الذي ينتمي إليه هذا البطل بشكل ساخر وصريح. بعد مجموعة من المفارقات والمواقف الكوميدية الساخر تنتهي المسرحية بفقدان بارسوكوف لعقله وبقائه وحيدا أمام المرآة متخيّلاً أنّه حصل على الوسام أخيراً. لا يبتعد غوغول في فكرة مسرحيته هذه عن مجموعة قصصه التي كتبها عن مدينة بيتربورغ، أمّا سبب عدم إكماله لها فهو خوفه من منعها من قبل الرقابة والسلطات القيصرية.

في بداية عام 1835 بدأ غوغول بكتابة مسرحية (العرس) معتقداً أنه في مسرحيته هذه سيتمكّن من التحايل على الرقابة وتجاوز عقباتها، تدور مسرحية (العرس) حول صراع عدد من العرسان للزواج من فتاة غنيّة. في هذه المسرح تجلّت عبقرية غوغول وإبداعه في تصوير حياة ونفسيات الموظفين والتجار وغيرهم. تضمنت هذه المسرحية نقداً اجتماعياً عميقاً وكشفاً فاضحاً لانحطاط وتفاهة المجتمع الذي شقت علاقات الطبقة البرجوازية طريقها إليه، فالزواج في هذا المجتمع عبارة عن سلعة خاضعة للعرض والطلب. وقد نجح غوغول في تمزيق الأقنعة عن النفاق وقسوة العلاقات العائلية في المجتمع الروسي الخاضع لسيطرة الطبقة البرجوازية في ذالك الوقت.

أما أكثر مسرحيات غوغول شهرة فهي مسرحية (المفتش)، وقد شرع في كتابتها عام 1836، وتشير عديد المراجع التاريخية إلى أنّ فكرة مسرحية (المفتّش) تعود إلى الشاعر الروسي بوشكين الذي اقترح على غوغول كتابة مسرحية ناقدة تمتاز بالسخرية والتهكم على واقع روسيا القيصرية، لكنّ غوغول طوّر فكرة بوشكين وزاد عليها ليخرج على العالم بمسرحية رائعة كشفت عن كلّ تقيّحات ذلك النظام المستبدّ، حتى أنها أزعجت بصدقها وأسلوبها المغرق في السخرية القيصر نفسه.

تعتبر مسرحية (المفتش) جوهرة أعمال غوغول المسرحية، وذلك حسب تعبير عديد النقاد، لمحتواها الفكريّ وتكامل جوانبها الفنية والأدبية. لقد استطاع غوغول بمسرحيته هذه فضح الخصائص الأساسية للهرم الوظيفي في روسيا القيصرية بشكل حادّ، حيث القسوة والكذب والنفاق والرشوة والعلاقات غير الشريفة وغير العادلة، عند تلك الفئات التي كان يستند إليها حكم القنانة والإقطاع.

إنّ تحرّّكات بطل المسرحية خلستاكوف المضحكة تكشف جميع مظاهر الفساد وكامل طبيعة النظام المعادي للشعب. وعقدة المسرحية لا تكمن في التصادم بين شخوصها، بل في حقيقة النظام الاجتماعي الذي تكشف المسرحية عن جميع تناقضاته الأساسية مع الواقع، والصراع بين القوى الإقطاعية والبيروقراطية المتسلطة من جهة، وبين الناس البسطاء من جهة ثانية، وهذا هو العامل الذي يحدّد تطوّر أحداث هذه المسرحية الكوميدية.

كان لغوغول تأثير كبير على المسرح العالمي بشكل عامّ والمسرح الروسيّ بشكل خاصّ، حيث تأثّر بنتاجه المسرحيّ عديد الكتاب المسرحيين الروس مثل ألكسندر أستروفسكي، وتولستوي، وصولاً حتى تشيخوف، لما لعبه من دور كبير في تثبيت الأسس العملية للواقعية النقدية في الأدب والمسرح.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق