في الشعر الجاهلي،

{{من المقدمة}} {{[*صانعو الحرية في عصر النهضة*]}} تنطوي المعركة التي فجرها صدور كتاب طه حسين «في الشعر الجاهلي» عام 1926 على مفارقة كبيرة. فمن ينسبون أنفسهم إلى أهل القلم، وممن كان يفترض بهم بالتالي أن يكونوا هم المدافعين عن حرية هذا القلم، هم الذين تعالى صراخهم للمطالبة بمصادرة هذا الكتاب، وهم الذين انبروا يكتبون مئات المقالات ونحواً من ثلاثة عشر كتاباً في الرد على مؤلفه. وبالمقابل، إن رجلاً من رجال القضاء، الذي أرادوا استنفار آلته ضد من سيُعرف لاحقاً بعميد الأدب العربي، هو مَن تولى تفنيد دعاواهم، وهو مَن ضرب مثالاً غير مسبوق على الانتصار لمبدأ الحرية في البحث العلمي والتاريخي، وهو من برّأ ذمة وصفحة طه حسين من كل ما نسبوه إليه من تعدٍّ على الدين وحرمة التراث الإسلامي. لم يكتف محمد نور، رئيس نيابة مصر الناظر في قضية الشكاوى المقدمة على طه حسين مؤلف كتاب «في الشعر الجاهلي»، بما جاء به المشتكون وبالاقتباسات المطولة التي أخذوها من الكتاب وضمنوها شكاويهم، بل وجد لزاما عليه، وكيما يحقق العدالة شكلا ومضمونا، العودة لقراءة كامل الكتاب موضوع الدعوى. وكان الشيخ خليل حسنين، الطالب بالقسم العالي بالأزهر، تقدم في 30 أيار/مايو سنة 1926، أي بعد صدور الكتاب بحوالي ثلاثة أشهر، ببلاغ إلى النائب العمومي يتهم فيه طه حسين أنه يعرض في كتابه طَعْناً صريحاً بالقرآن؛ وبتاريخ 5 حزيران/يونيو من نفس العام أرسل شيخ الجامع الأزهر للنائب العمومي تقريرا رفعه علماء الجامع الأزهر عن الكتاب، يتهمون مؤلفه بأنه كذّب فيه القرآن صراحة، وطعن فيه على النبي وعلى نسبه الشريف، فأهاج بذلك ثائرة المتدينين، وأتى فيه بما يخل بالنُّظِم العامة ويدعو الناس للفوضى؛ وبتاريخ 14 أيلول/سبتمبر من نفس العام أيضا تقدم عبد الحميد البنان، عضو مجلس النواب، ببلاغ آخر يتهم فيه طه حسين بأنه طعن وتعدى على الدين الإسلامي – وهو دين الدولة – بعبارات صريحة واردة في كتابه. يعود محمد نور، رئيس النيابة، إلى الكتاب لأنه يرى أنه «لا يجوز انتزاع تلك العبارات من موضعها والنظر إليها منفصلة، وإنما الواجب توصلا إلى تقديرها تقديرا صحيحا بحثها حيث هي في موضعها من الكتاب، ومناقشتها في السياق الذي وردت فيه. وبذلك يمكن الوقوف على قصد المؤلف منها وتقدير مسؤوليته تقديراً صحيحاً». هذا المنهج في تقويم النصوص نفتقده الآن ليس في مؤسساتنا القضائية فقط، بل عند العديد من المثقفين أيضاً. وهو ما دلل محمد نور على طول باعٍ فيه، مع أنه كان رجل قضاء لا رجل ثقافة. هكذا وجدنا رئيس النيابة يعتمد منهجية علمية بحتة في قراءته للكتاب المجرَّم؛ فهو إذ رأى أن طه حسين يبني بعض آرائه واستنتاجاته على كتب ودراسات أخرى، فقد وجد لزاماً عليه أن يعود إليها جميعها متعقبا المؤلف؛ بل أن يعود أيضا إلى المراجع التي استند إليها أصحاب الشكاوى. وفي 30 آذار/مارس سنة 1927م يصدر رئيس النيابة قراره: «وحيث أنه من ذلك يكون القصد الجنائي غير متوفر؛ فلذلك، تحفظ الأوراق إداريا…». ختم بهذه العبارة نص قراره الذي توصل إليه والذي دوّنه في نص مطول عرض فيه مناقشة مستفيضة لموضوع الشكوى، وتناول فيه التهم الموجهة إلى طه حسين والعبارات التي استند إليها الشاكون، مظهرا ثقافة وبراعة عاليتين في مناقشة الموضوع. حيث لاحق المؤلف في كل اتجاه وفند ما رآه خطأ في استنتاجاته وقارعه الحجة بالحجة، غير هياب من قامة طه حسين الأدبية والفكرية، وغير مبال ولا منصاع لضغط الجمهور وللزلزال الذي ولّده الكتاب في جميع الأوساط: في مجلس النواب وفي الأزهر وفي رئاسة الوزراء وفي المجلات. وكأنه أراد أن يقول لطه حسين: أنا مثلك وفيّ لعصر نهضتنا، وأنا مثلك صانع فيه؛ وأنا الآن في موقع يمكّنني من تكريس ما ناضلت من أجله أنت وأمثالك لإعلاء الحرية: حرية الاعتقاد وحرية الرأي، وسيادة القانون واستقلال مؤسسته. وعلى الرغم من أن رئيس النيابة لم يوافق على ما جاء به المؤلف في كتابه في ما يتعلق بالنقاط موضوع الشكاوى، بل لم يجده بريئا من بعض التهم الموجهة إليه؛ لكنه أقر له بحرية البحث العلمي وحق الخطأ في مسعاه طالما أنه لم تكن لديه نيّة التعدي على الآخرين. ويعود الفضل في اكتشاف قرار النيابة المصرية إلى الأديب خيري شلبي الذي قال عنه في تقديمه له: «إنه نص أدبي بكل معنى الكلمة، ولكن من وجهة نظر قانونية»، و«هو بحث علمي أيضا». لا يقل نص محمد نور عن نص طه حسين مساهمة في صناعة عصر النهضة. لهذا لم نشأ أن ننشره ملحقا لكتابنا هذا، بل نشرناه كنص رئيسي لتقديرنا أنه في صلب الأثر الذي ولّده الكتاب ومتمما للدور الذي لعبه. *** وجدت الأوساط الدينية في كتاب «في الشعر الجاهلي» تحديا قويا من طه حسين الذي تقصد دخول هذه المعركة بوجه المحافظين. لهذا ثارت ثائرة رجال الدين فلم يتركوا مجالا لمهاجمة طه حسين إلا باشروه، ولم يوفروا تهمة إلا وجّهوها له. ويكشف لنا عبد ربه مفتاح، أحد علماء الأزهر، بعضاً من وجوه هذه الحملة الشرسة في مقالته التالية: {{العلماء يطاردون الإلحاد}} أهمَّ علماءَ الأزهر الشريف طلائعُ تلك الحملة المدبرة ضد الأديان السماوية التي في مقدمتها كتاب «في الشعر الجاهلي» تأليف طه حسين، فرأوا بعد أن جودل بالحجة والبرهان، فلم يخضع لسلطانها وأظهر عناداً وإصراراً على الخروج والإلحاد، أن يرفعوا الأمر إلى جلالة الملك وحكومته المسؤولة عن حماية دينها الرسمي، قياماً بما يقضي به واجبهم نحو الدين الذي هم ممثلوه ودعاته. فاجتمع منهم زهاء مائتي عالم بسكرتارية المعاهد الدينية، ومن هناك يمموا «قصر عابدين» يتقدمهم فضيلة أستاذهم الأكبر شيخ الجامع الأزهر وهيئة كبار العلماء، حيث قابلوا صاحب الدولة توفيق باشا نسيم وبسطوا له شيئاً من المطاعن التي وردت في ذلك الكتاب، فأبدى عظيم استيائه لهذا التبجح. وأعلن دولته تضامنه مع العلماء في حفظ بيضة الدين والذود عن حياضه، فخرجوا شاكرين لدولته هذه الروح العالية والنزعة النبيلة. وقصدوا تواً إلى صاحب الدولة زيور باشا رئيس الوزراء بوزارة الخارجية، وهناك اجتمعوا بدولته وصاحبي المعالي وزيري الخارجية والمعارف مجتمعين، فشرحوا لدولته ومعاليهما كذلك بعض ما في هذا المؤلَّف من كفر وإلحاد، فعظم عليهم الأمر وأكبروه جد إكبار من شخص مسلم من أبوين مسلمين في أمة متمدينة يُطعَم ويُكسَى من أموالها ويحسب في عداد أبنائها، وهو أقبح أثراً وأكبر إجراماً من أعدائها. وأعلنوا مجتمعين اتخاذ الوسائل الحاسمة في القريب العاجل. فحمد العلماء لهم هذه الهمة العالية والعناية الجليلة التي ستعقد لسان الأديان السماوية وجميع معتنقيها على حمدهم والثناء عليهم، ويستوجبون بها عند الله عظيم المثوبة وجزيل الأجر «إن تَنُصرُوا الله يَنصُرُكُمْ وَيُثَبِتْ أقدَامكُم». ولقد عاد العلماء من هذا التطواف ممتلئين ثقة وإيماناً بأن حضرة صاحب الجلالة نصير الدين والعلم، وحكومته الرشيدة، سيضعان الحد الفاصل والسد المنيع والعلاج الناجح لهذه الأوباء الفتاكة التي هي أَولى بالمطاردة والإفناء من الجراثيم المعدية. حفظ الله دينه ورعى بعنايته جلالة مليكنا المعظم وولي عهده المحبوب، إنه سميع الدعاء.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق