في الفصل بين الشريعة والتشريع

عندما عالج ابن رشد العلاقة بين الحكمة والشريعة في مؤلّفه “فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال”، توصّل إلى فضّ علاقة التنافر بين العقل البشريّ والوحي بإقرار أنهما في علاقة اتصال لا انفصال، وذلك قصد فكّ النزاع القائم بين المنزع العقليّ والمنزع النصّيّ في اجتهاد الأوائل، الذي نتج عنه صراع مذهبيّ وسياسيّ حادّ.

وهي ذات الرسالة التي حملها كتاب ابن طفيل (حيّ ابن يقظان)، وتناولها عدد من المتكلمين لغاية الدفاع عن النص بالأدلة العقلية والمنطقية.

هذه المقاربة، اُعتبرت انتصارا للمنزع العقليّ الذي احتل بذلك مرتبة متقدّمة ومتماهية، من جهة تحديد المعرفة والحقيقة، والرسالة “المنزّلة”، والإقرار بأنّ الحقائق السماوية ليست في تعارض والحقائق التي يمكن أن يتوصّل إليها العقل.

أما من الناحية الأنطلوجية فقد ظلّ الوحي وفقا لهذه المقاربة الرشدية هو الأسبق.

من الناحية المعرفية، أسّست هذه المقاربة لعلاقة اتصال، وبذلك علاقة ترابط بين مستويين متناقضين انجرّ عنها عملية مزج ما بين الدنيويّ والسماويّ في مجال الحقيقة والمعرفة والوجود ما بين الأنشطة والحياة الاجتماعية للبشر والوحي “الربّاني”فيما يتعلّق بالتكاليف.

لكن إذا ما نقلنا هذه العلاقة إلى المجتمع وكيفية إقامة عقد ينظمه، فإنّ هذا الاتّصال والتداخل يرتدّ إلى حالة من التناقض وضعنا فيها ابن رشد عندما استعمل “الحكمة”، مقابل الفلسفة وبذلك التفكير الإنساني و”الشريعة”، مقابل الدّين القائم على نصّ رسالة “سماوية”، متجاوزا بذلك حقيقة أنّ الشريعة هي بدورها جزء من العقل البشريّ، ممّا ينفى البحث أصلا في اتصاله أو انفصاله عنها. كما أنّ الفلسفة والتفكير الإنسانيّ عموما لا يمكن حصره في”الحكمة” لأنّ النص ألقراني لا يمكن أن يكون منعدما من الحكمة، وبذلك فإنّ استعمال هذا المصطلح هو محاولة لتكريس البداهة منذ البداية. فإعادة صياغة التساؤل عن العلاقة، يمرّ عبر المقابلة بين العقل البشري بما فيه من “شريعة” والقران كنص ديني تأسيسي يمثّل التشريع.

وهو ما يعني أنّ “العقد الاجتماعيّ” الإسلاميّ في اتصال بالرسالة “السماوية” وليس في انفصال عنها، هذا الاتصال يجعله “عقدا اجتماعيّا” دينيّا منظّما وفقا لما بين الحكمة والقران من اتّصال، أي ما بين العقل والوحي.

وبذلك، فبدلا من أن يفضّ العلاقة بين الدنيوي والسماوي فإنّه نظمها وفقا للحجج العقلية والانسجام المنطقي.

ظلّت العلاقة بين العقل والوحي في حالة اتّصال دون تحديد طبيعة كلّ منهما ومميّزاته.

لكن يبدو أنّ أهمّ إشكال ظلّ غير مطروح -إلا من زوايا خارجة عن المنظومة ذاتها أي منظومة التفكير الديني – يكمن في طرح السؤال بطريقة أخرى، وهو ما يتعيّن علينا.

فالعلاقة بين العقل والوحي، هي أساسا بحث في كلّ منهما على حدة، ثم مقارنتهما لضبط نقاط التماس والتداخل والتناقض، أي السؤال عن العقل والوحي وليس عن الترابط بينها.

أمّا من جهة المقاربة الدينية، فإنّ الإسلام عبر عصور من المراكمة والتجربة الفكرية والسياسية والثقافية، بلور “منظومة عقد اجتماعيّ” دينيّ، هذه المنظومة متكوّنة من تشريعات مضبوطة وضابطة لمجالات التنظّم المجتمعي والفرديّ والجماعيّ، اقتصاديا وسياسيا وثقافيا وسلوكيا وشعائريا، تكوّنت من خلال أربعة مرتكزات أساسية :

1- النص القرآني : وهو النص التأسيسيّ والمرجعيّ والذي بدوره ورد وفقا لحيثيات متعاقبة.

2- شريعة السلف : وقد مثّلت الإطار المرجعيّ للشريعة ذاتها المرتكزة على الأحكام الشرعية، هذه الأحكام هي عبارة عن عملية معقدة متداخلة وحاملة لتجاذبات لعلّ أهمّها المنحى النصّي والمنحى ألمقاصدي من ناحية، ومختلف المذاهب من جهة، والسيرة النبوية التي تدخّلت في عملية تفكيك معاني النص الأصليّ، وإشارتها إلى عدّة حالات مجتمعية لضبط العلاقة بين الأفراد.

3- منظومة أحكام وقوانين السلف : وهو تصوّر واقعيّ وميدانيّ لحالات عينيّة في ظلّ كيانات سياسية وإدارية متعاقبة، نتج عنها تصوّر للقضاء والإدارة والتعليم والمعاملات والحكم ومنهجيته، وهذا العنصر من أهمّ عناصر العقد الاجتماعي أو المنظومة باعتباره شكّل من الناحية الواقعية حكما سياسيّا تعدّدت أشكاله واستفاد تاريخيا من منظومات متداخلة ومتناقضة، إضافة إلى الوقائع الاجتماعية والسياسية التاريخية التي مرّ بها.

4- اجتهادات حركة النهضة الثانية : هي حركة ناتجة عن صدمة التخلّف والانحطاط الذي ولّدَ سؤال النهضة الثانية، وتختلف هذه الحركة عن الحداثة مفهوما ومنطلقا ناهيك عن الأسئلة والمناهج والنتائج.

لكنّها تمكّنت من اتخاذ عدّة تعديلات ذات طابع حينيّ وفقا لمتطلّبات الواقع والوقائع في بعض ضوابطها، في حين أنّها حافظت على بنية المنظومة التشريعية، وبالتالي ظلّت ضمن محدّدات الشريعة وغاياتها العامّة.

هذه المنظومة الاجتماعية الحاملة لاسم الشريعة هي ذات كيان مستقل (autonomie)تمام الاستقلالية عن النص ألقراني رغم أنها تستند إليه، ولكن هذا الاستناد لا يمسّ من استقلالية منظومتها الداخلية والمادية، فهي ليست بالقرآن، ولا هي جزء منه، ولا يمثّل القرآن مرجعيتها الوحيدة، كما أنّها نتاج التجربة والعقل البشري بما فيه الاجتهاد الذي يمثل عملية بشرية، ممّا يعني أنّ استقلالية كيانها كمنظومة اجتماعية متأكدة.

على هذه القاعدة فإنّ التأويلات أو القراءات أو الاجتهاد النصّي أو المقاصدي، ليست إلا ضمن هذه المنظومة، فتصبح بذلك جزئية، والمعالجات التي تجعل من منهجية تناول النص ذات أولوية هي بدورها تصبح ثانوية.

نحن أمام مستويين : الأوّل منظومة اجتماعية وسياسية ودينية متجانسة وذات منطق داخليّ متجانس يحمل مفاهيم ومصطلحات خاصة به، ومستوى الدين كنص قرآني.

بعيدا عن التعبيرات السياسية المنظمة، أو المنظرة، نجد هذه الثنائية عند المسلم الذي يحمل في ذهنيته أجزاء من العقد ويكيّفه مع النص تكييفا ذاتيا، وليس العكس، لأنّ العكس يتطلّب الاطلاع على كامل النص، ومن ثمّة يلزمه جهاز معرفيّ وآليات لتفكيكه فهما واستنتاجا واستتباعا.

في حين أنّه يحمل من العقد أجزاء هامّة، رغم أنها غير متبلورة لأنّها جاهزة لا تستدعي التفكيك، مثل الذهنية العامة لديها أجوبة مباشرة على حالات فقهية واجتهادية وجزائية دون أن يكون لديها الاستناد القرآني لا معرفةً ولا حفظا، إنما من سبيل البداهة لدى العموم، وبطريقة المغالطة المستندة إلى الدغمائية لجهل المصدر.

إن الاعتقاد العامّ بأنّ تلك الأحكام قرآنية في حين أنها من تاريخية “العقد الاجتماعي”، يجعل الاجتهاد ذاته وعبر تجارب مختلفة ذيلا من ذيول الدّغمائية.

في الذهنية العامّة لدى عموم الناس لا توجد فروق بين هذين المستويين، بل هما مسألة واحدة، وبذلك فهي مقدّسة، وقدسيتها متأتّية على الأقل من ثلاثة اعتقادات أساسية :

الاعتقاد الأوّل : فهمها في إطار المنظومة الدينية، وبذلك فهي لصيقة وجزء أساسيّ من “القرآن المقدس”، هذه القداسة تعمّم على الاجتهاد مادامت في إشارتها تعتمد على صيغة تقريرية وبديهية من مثل، “وفقا للآية كذا من سورة كذا”، دون أية إشارة موضوعية مثل، “وفقا لتأويلي أو لفهمي للآية كذا من سورة كذا”.

الاعتقاد الثاني : أنّ هناك رابطا غير منفصل بين القران والسيرة النبوية وعموم الاجتهادات.

فالسيرة النبوية من ناحية مرتبطة “بنبيّ”، ومن ناحية بأنّه بشر، لكن في واقع التشريعات والعقد الاجتماعي الإسلامي نجد أنّ كلّ ما يتعلّق بالسيرة النبوية فُهم وضُبط على أنّه مُقدّس باعتبار أنّه يندرج ضمن “الأحكام القطعية”، فصفتا الكمال والقداسة تطالان إذن جزءا من العقد الاجتماعي المتّصل بتأويل القرآن وقراءته وفهمه، وجزءًا آخر من العقد متّصلا بالسيرة النبوية.

الاعتقاد الثالث : يتعلّق بالسلف الصالح، والذي وردت في أغلب مؤسسيه توصيفات ايجابية وثناء على مسلكيتهم وقدراتهم من قبل “النبيّ” ذاته، كما أنّ أغلبهم من الصحابة، فاتخذوا بهذا المعنى درجة متعالية على النقد، وعلى سائر الحكماء والعلماء والقضاة والمفكرين والفلاسفة والقانونيين والمبدعين، في مختلف المجالات الفكرية والسياسية والاجتماع.

من هذه الزاوية فإنّ محاولة الفصل بين النص الديني والعقد الاجتماعي الإسلامي يواجه بحدّة، فكلّما وُضع إصبع على الإشكال إلا وجده مشدودا بحلقات أخرى مرتبطة مباشرة بمجال المقدّس.

فيما يتّصل “بالعقد الاجتماعي “الإسلامي من الناحية الواقعية والتاريخية، هو مستقلّ تمام الاستقلال عن النص ألقرآني، على الأقلّ من حيث الوجود. فهو عبارة عن صيغ قانونية واجتماعية، وضبط لعلاقات، ودستور لنظام، ومحتوى لسياسة ومعاملات خاصة وعامة بين البشر، ومشروع للحكم فيه ما يُقدّم وما يُؤخر وفقا لطبيعة المعالجة الزّمنية، ولطبيعة الصراعات الاجتماعية والسياسية.

كما أنّه مستقلّ، من جهة المحتويات الاجتماعية والقانونية والسياسية وغيرها، والتي بدورها تغيّرت عبر الحكم الإسلامي وعبر التجربة السياسية للتنظيمات الإسلامية والمجتهدين.

من بين الأدلّة على هذه الاستقلالية أنّ بعض الأحكام ومضامينها يمكن أن تناقش وتطرح خارج النص والسنّة، بل وفقا لحيثيات داخلية للمنظومة ذاتها تحت عنوان “الاجتهاد في الأحكام الظنية والمستجدات الطارئة على الأمّة”، من مثل الاستناد إلى حكم فلان أو تأويل فلان لقضية ما، أو اعتمادا على الشروط التي حدّدها فلان للاجتهاد.

وفي هذه الحالة تعود مرجعية تلك الشروط والأحكام إلى العقل لا إلى الوحي، حتى لا نقول من العقل إلى النقل باعتبار أنّ النقل هو عملية يقوم بها العقل.

هذه المنظومة المستقلّة، خلفيتها القرآنية لا تُنقذها من الاستقلالية عن النص الأصلي للدين بمحتوياته ومضامينه، ممّا يرفع عنها القداسة ويضعها برمّتها موضع المنظومة الوضعية، كغيرها من منظومات التفكير والإنتاج البشري، وينزع عنها صفة المقدّس، وينزلها إلى منظومة مدنيّة مفتوحة على النقد والمراجعة والتعديل، كما يحرّرها من “أهل العقد والحلّ” والمجتهدين، من الشيوخ والأئمة ذوي المرتبة الدينية إلى المفكرين والسياسيين وعموم الراغبين في الاشتغال على قضايا المجتمع.

هذا المجال هو المجال الاجتماعي والسياسي لهذه المنظومة. في حين أن النص الديني يظل بدوره مستقلا عن المنظومة الاجتماعية كمشروع لعقد اجتماعي، فهو مستقلّ على الأقلّ على مستويين :

أوّلا : نص لا يمكن تعديله فهو قائم بهذه الصيغة.

ثانيا : قائم على عمودية العلاقة الفردية المستقلة، وهو ما يعطيه بصورة مستمرة صيغة “عقد ثنائي” عمودي، ليس من ذات طبيعة “العقد الاجتماعي” الأفقي.

وهو ما يؤكّد استقلالية كلّ عقد عن الآخر، فالعقد الأوّل مفصول عن الثاني من حيث طبيعة العلاقة ذاتها.

لا يُقصد بالفصل إحداث جدار بين المجالين، وإنما تبّين التشابك بينهما لفتح مجال أمام النقد وتعرية الدغمائية والبديهيات الوهمية.

أما الاستقلالية، فهي تبيان أنّ لكلّ مجال من المجالين عناصر وجوده التي تجعله يظل موجودا إذا ما انتفى عنه المجال الثاني، فالقرآن دون الشريعة يظلّ موجودا، والشريعة دون قرآن تظلّ موجودة، رغم أنّها متضمّنة للشعائر ذات الفرائض الفردية الروحية، الذاتية، وإنما مادّة موضوعية ذات تعاليم.

أما في ما يتعلق بعلاقة الفرد بهذه المنظومة فهي تختلف عن علاقته بالله، كذلك فإنّ علاقة القرآن بالفرد ليست ذات علاقة الفرد بالله.

إذا سلّمتُ “منظومة العقد الاجتماعي”الإسلامي لشخص ما، ليست لديه أيّة علاقة بالدين الإسلامي، وغير مطّلع على القرآن، وطلبتُ منه أن يصوغ حزمة من القوانين المؤسساتية، فإنّه سوف يتمكّن من ذلك دون الرجوع البتة إلى القرآن إذا كان متملّكا لمعارف التأليف. تماما مثلما أمدّه بالقران دون أن يكون مطّلعا عن منظومة الشريعة المجتمعية.

أعتبر أنّ هذا تدليل واقعيّ وعقلانيّ ومنطقيّ لاستقلالية المجالين عن بعضهما، ممّا يعني أننا حينما نتناول العلاقة بين العقل والوحي فإنّما نتناول بعدين منفصلين وليسا متّصلين.

في معنى من المعاني ينقُلُ هذا الفصل، الإشكالية من صراع بين النّصية والمقاصدية ومن الأحكام الظنية والقطعية والاختلاف بين المذاهب إلى مقاربة موضوعية تجعل عملية الفصل بين العلاقتين هما من جهة الأصل منفصلان، فيكون الوحي من جهة، وعملية صياغة العقد الاجتماعيّ ومراجعته ونقده وتعديله وتطويره من جهة أخرى، في هذا العقد المستقل يقع طرح منهجية البحث والقراءة والتأويل.

هذه المقاربة هي عملية فكّ الارتباط التاريخيّ الذي يريد أن يحصر الصراع بين أقطاب صلب المنظومة الدينية العامة وإخراج كافة الآخرين المتملكين لعقل ومعارف.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق