في القرابة بين محور الشرّ ودار الحرب


 

بعد قطع نيكاراغوا علاقاتها مع إسرائيل احتجاجا على جريمة قرصنة أسطول الحريّة، بلغت مجموعة دول أمريكيا اللاتينية الخارجة عن "محور الخير"، بمحض إرادتها، أربعة أعضاء، فقد قطعت كوبا علاقاتها مع إسرائيل منذ سنة 1973، وقطعتها فنزويلا وبوليفيا سنة 2009 احتجاجا على جرائم إسرائيل في غزّة. أربع دول ضربت عرض الحائط بواجب الجيرة مع الولايات المتحدة الأمريكية. وهو سلوك يمكن أن تكون له انعكاسات سلبية على مصالح هذه الدول وخاصّة على أمنها، حسب منطق "محور الشرّ". و محور الشرّ، كمفهوم، لم ينقرض بانقراض صاحبه بوش، فهو ساري المفعول عمليا، فقد قامت القوات الأمريكية في أفغانستان خلال السنة الأولى لولاية أوباما بضربات أكثر عددا مما قامت به خلال ولايتي بوش الابن(1) وتمّ تسليط حزمة عقوبات جديدة على إيران أشدّ إيلاما ممّا سبق، كما ظلّ الحال على ما كان عليه في العراق وفلسطين وكوريا الشماليّة.

فما الذي يدفع بدول أمريكا اللاتينيّة إلى معاداة أمريكا والدخول في "محور الشرّ"، وهي الموضوعة أصلا في سلّة "دار الحرب" الإسلاميّة بحكم معتقدها؟

ثمّ لماذا تخاطر هذه الدول بأمنها من أجل قول ما تعتقد أنّه كلمة حقّ في شعوب لم تعرها يوما اهتماما يذكر ولا ساندتها في نضالاتها المتعدّدة والمستمرّة؟

هل يعقل مدّ يد العون من على بعد محيطين إلى شعوب ما زالت في أغلبها لا تمدّ يدها سوى لأقرباء الدم ثم القبيلة فالمذهب؟

لو حسبنا ما يفرّق بين العرب وبين شعوب أمريكا اللاتينية على أساس قاعدة القرب، لاستخلصنا منطقيا استحالة التلاقي.

فبقدر حرص العرب على رفع الآذان تحرص الشعوب اللاتينية على قرع أجراس الكنائس.

وتنطق شعوب هذه المنطقة بلغة لا تعدّ حتى لغة ثانية عندنا، بحيث يندر وجود قناة تلفزيونية ناطقة بالإسبانية أو بالبرتغاليّة  في باقة القنوات المفضّلة لدى العائلات العربية. ولم أر شخصيّا مجلّة ناطقة بهذه اللغة سوى في أكشاك النزل السياحيّة، وحتى مقرّر مادّة التاريخ لا يتضمّن شيئا إيجابيّا يذكر عن ثقافة الناطقين بالإسبانية،  فأطفالنا يتعلّمون أنّ الأسبان عاثوا في حملتهم على تونس بالعباد فسادا، وطردوا قبل ذلك المسلمين من الأندلس واضطهدوهم بوحشية، بحيث يمكن أن ترتبط صورة إسبانيا في أذهان أطفالنا بصورة إسرائيل.

وعلى حدّ متابعاتي فإنّ العرب، وباستثناء بعض المثقّفين والطلبة، لم يخرجوا إلى الشوارع للتنديد بالاغتيالات، وأشهرها اغتيال سلفادور أللندي الرئيس الوطني  للشيلي الذي تجرّأ على تأميم ثروات وطنه وحرم منها الشركات الأمريكية، ولا بتنكيل الدكتاتوريات لهذه الشعوب، وهي دكتاتوريات تنصّبها عادة الولايات المتحدة بالعنف،  أو بالتحرّشات المستمرّة لأمريكا بكوبا ونيكاراغوا التي تورّطت أمريكا من أجل إسقاط نظامها في قضيّة  "كونترا غيت" المشهورة بـ"إيران غيت". ما يعني أنّ ثقافة هذه المنطقة وتاريخها ومعاناتها كما علاماتها المضيئة، غائبة عن الوجدان العربي سوى بالنسبة لبعض المولعين بالأدب والشعر.

ولعلّ الرابط الوحيد بيننا يتمثل في جارتنا إسبانيا التي يتكلم سكان المنطقة لغتها. وصورة إسبانيا عندنا، كما أسلفنا القول، ليست نقيّة، رغم أنّ هذا البلد كان آخر الدول الأوربية الغربيّة التي اعترفت بإسرائيل. وقد حصل ذلك في الثمانينات، أي بعد اعتراف مصر ذاتها بإسرائيل، مع محافظة إسبانيا على مواقف نقديّة. ففي فيفري 2009 احتجّ السفير الإسرائيلي في مدريد من تهاطل رسائل الأطفال المندّدة بجرائم دولته ضدّ أطفال غزّة. فقد وصلته مئات الرسائل التي تقول  : "كم قتلتم اليوم من طفل في غزّة؟" و"توقّفوا عن القتل من أجل المال".

هذا الشعب الذي عارض بقوة تورّط بلاده في الحرب على العراق، والذي يعتبر أنّ إسرائيل تشكل تهديدا للسلام في العالم حسب سبر أوروبي للآراء، كافأناه في مارس 2004 بتفجير أجساد أبنائه البسطاء الكادحين الذين يستقلّون مترو مدريد باكرا من أجل تأمين لقمة العيش. وقد كان من المفروض أن تقوم إسرائيل بهذه الفعلة الشنيعة عقابا لهذا الشعب المتمرّد.

ولعلّ البعض ما زال يتذكّر صورة "زباتيرو" وهو يرتدي الكوفيّة الفلسطينيّة في مظاهرة ضدّ حرب إسرائيل على لبنان سنة 2006 ومقابلته لأعضاء من حزب الله اللبناني، وهو ما أدّى إلى تشنّج العلاقات بين إسبانيا وإسرائيل.

وكانت الطامة في جانفي 2009 حين قبلت محكمة إسبانية جنائية لها صلاحيات عالمية  النظر في شكوى تقدّم بها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، وانتهت القضيّة بوصف القصف الإسرائيلي على غزة بـ"جريمة ضدّ الإنسانية" ما دفع بـ"إيهود بارك" إلى وصف هذا الحكم القضائي بـ"الهذيان".

وحتى لا نذهب بعيدا في البحث عن أسباب الموقف الإيجابي لبلدان أمريكا اللاتينية من المنطقة العربيّة، نذكّر بأنّ الأمر ليس بغريب على شعوب هذه المنطقة المعروفة بتقاليدها العريقة في النضال ضدّ الاضطهاد بجميع أنواعه، الاستعماري والسياسي والثقافي والاقتصادي، حتى أنه يمكن القول أنّ المنطقة اللاتينية أصبحت تنافس جدّيا فرنسا، بلد الأنوار وحقوق الإنسان، في تراثها الإنساني، ثم إنّ مسألة التضامن ليست مسألة حبّ أو كره وإنّما هي مسألة مصالح. فأمريكا اللاتينية تعدّ من أكثر المناطق تعرّضا للتدخل الأمريكي السافر ولسطوه على خيراتها، فعدّونا هو عدّوهم، ولا يهم إن آمنّا بدين مختلف أو تكلمنا بلغة مختلفة، فالرابط الأساس هو الإنسان ومعاناته وحقوقه. وهو رابط لا يأخذه العرب كثيرا في الحسبان.

فلطالما سمعنا شبّانا عربا متحمّسين للمقاومة يقولون بأنّهم "تكفيهم الشهادة" بمعنى أنّهم لا يتحركون من أجل تحرير الأرض فقط، بل خاصّة من أجل كسب مزايا الاستشهاد والتمتّع الفوري بالجنّة وحور العين، وهو منطق الكسب الأناني السّريع. كما أنّ الجحافل التي تحتلّ الشوارع العربيّة للتعبير عن غبنها، تخرج في الغالب لأنها دعيت باسم الجهاد ضدّ اليهود والصليبيين لتحرير إحدى القبلتين، وليس باسم حقّ الشعوب في تقرير مصيرها ولمقاومة المستبدّين بقطع النظر عن ديانتهم، وهو ما يفسّر فشل الخطاب العلمانيّ لليسار العربي في تجييش هذه الشعوب خلال فترة السبعينات.

تحالف العرب كثيرا بالصمت والامتناع عن التحرك لمساندة شعوب حرقتها أمريكا بالنابلم، ولطالما تجاهلوا معاناة سود جنوب إفريقيا من استبداد نظام عنصري متماثل مع النظام الإسرائيلي، لا لشيء سوى بعدهم الجغرافي وربما بسبب لونهم المختلف وديانتهم وثقافتهم بصفة عامة. الشعوب العربية لا ترى ولا تسمع ولا تتكلّم سوى حين يتعلّق الأمر برابطة الدمّ والقبيلة فالمذهب. تهرع حينها فقط لمساندة شقيقها ظالما كان أو مظلوما.

 والخطاب السياسي السائد اليوم في الشارع كما في وسائل الإعلام العربية يدعّم هذا التوجه، وهو لا يختلف عن خطاب أسامة بن لادن الذي يتمحور حول واجب الجهاد ضدّ دار الحرب، ما يعني منطقيّا بأن بن لادن والمروّجين لمثل هذا الخطاب، يقحمون شعوب أمريكيا اللاتينية المسيحية، في زمرة الأعداء الواجب وضعهم في خانة "دار الحرب" وهو ما يكوّن تحالفا موضوعيّا مع أمريكا التي تضعهم في سلّة "محور الشرّ".

والحقيقة أنّ ثقافة دار الحرب لا تستحق أفضل من ثقافة محور الشرّ.

هامش:
1-. لمزيد من المعلومات حول سياسة أوباما مقارنة بسياسة سلفه بوش أنظر مقال:

    "" Le prix des assassinats ciblés

http://www.courrierinternational.com/article/2010/04/19/le-prix-des-assassinats-cibles

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق