في الليبرالية السورية ومآلها

نبتت التنظيمات الليبرالية في سورية كالفطر، خلال السنوات الأولى من الألفية الثالثة، وخصوصا بعد سقوط النظام الدكتاتوري لصدام حسين في العراق وخروج القوات السورية من لبنان. وبدا كأن نوعا من السباق يأخذ مكانه بين الليبراليين السوريين لقطف قصب السبق في تشكيل أول حزب ليبرالي سوري. بيد أن هذه الفورة سرعان ما خمدت منذ النصف الثاني من عام 2005، وتحديدا بعد انعقاد المؤتمر العاشر لحزب البعث الحاكم في سورية.

هنالك مجموعة من الأسئلة تطرح نفسها بحثا عن إجابة. أولا، إلى أي حد يمكن اعتبار هذه التنظيمات والتجمعات الليبرالية ليبرالية فعلا؟ وثانيا لماذا حدثت تلك الفورة ولماذا خمدت؟ وثالثا أين أصبحت الحركة الليبرالية الآن في سورية؟

في الجانب السياسي، نرى أن كافة البرامج تؤكد على “إرساء ديمقراطية حقيقية وبلورة آليات عملها وإعادة تأهيل المجتمع السوري وتوأمته مع المعطيات والظروف الجديدة وربط الشروط الحقيقية للنهضة السورية بتعميق بنية المحتوى الديمقراطي بمؤسساته المدنية وإلقاء القوانين الاستثنائية التي شكلت عائقا موضوعيا وطارئا وكارثيا في حياة المجتمع السوري،” كما يقول البرنامج السياسي لأحد هذه التيارات.
وفي سبيل ذلك، ينبغي، كما تؤكد معظم البرامج، التأكيد على مساحة هامة للحوار الوطني بالشكل الذي يعزز من مسيرة الانفتاح والتطوير، ويدفع باتجاه خلق مناخ وطني ديمقراطي يؤسس لمبادرة وطنية جديدة تنهض بالواقع السياسي والاجتماعي بشكل حتمي وتصوغ إطاراً عملياً جديدا لقيام تحالف وطني ديمقراطي غير مشروط تتنافس فيه الاتجاهات الفكرية والتيارات السياسية لمصلحة الوطن والمواطن بما يضمن تحقيق تنمية شاملة للمجتمع.

ولا بد هنا من التأكيد، كما تذكر مجموعة من البرامج المطروحة، على” أهمية إطلاق الحريات العامة وحرية الصحافة والإعلام وإفساح المجال للإعلام السوري الخاص للعمل بحرية تامة سعياً لخلق رأي عام عالمي مؤازر لقضايانا، (خصوصا) وأن القطاع العام الإعلامي في سورية قد فشل تماماً في أداء هذا الدور شديد الأهمية للبلاد.”

ولا مندوحة من أن نلاحظ هنا أن معظم البرامج الليبرالية امتنعت عن تقديم تصور واضح حول مسألة الوصول إلى السلطة أوحتى طبيعة السلطة القادمة في سورية. فباستثناء تحالف الوطنيين الأحرار الذي رأى أن “النظام السياسي المنشود هوالقائم على مبدأ فصل السلطات التشريعية – القضائية – التنفيذية – إضافة إلى السلطة الرابعة وهي الإعلام الحر – إضافة إلى ضمان التداول السلمي للسلطة بما يعنيه الاعتراف بالتعددية المكونة للمجتمع السوري،” فإن كافة البرامج والرؤى البرنامجية الأخرى امتنعت عن الإدلاء بوجهة نظر واضحة في هذا المجال. بل إن أحد التنظيمات الأساسية، الحزب الديمقراطي السوري، يرى أن مهمته “جسر الهوة بين الحكومة والمعارضة الوطنية وذلك بالعمل على إعادة المفهوم الصحيح للمعارضة بوصفها ضمير السلطة.” ويزيد هذا التنظيم فوق ذلك بأن ينتدب لنفسه مهمة “بناء الثقة بين المعارضة والسلطة” ويسعى إلى التخلص من مفهوم المعارضة بوصفها “عداء للسلطة” وذلك لدى المعارضة والسلطة على السواء.”

أما التجمع الليبرالي الديمقراطي فيؤكد على مبدأ تداول السلطة، ويحصر مدة كل مجلس تمثيلي أوهيئة قضائية أومنصب سياسي بأربع سنوات غير قابلة للتجديد ولا التمديد مهما كانت المبررات، ويشترط أن يكون ثلث عدد الأعضاء من النساء حتماً.

ويكاد يكون استثناء أساسيا مشروع برنامج تقدمت به مجموعة صغيرة من الأفراد باسم الحزب الاجتماعي-الديمقراطي، الذي قدم تصورا تفصيلياعن شكل نظام الحكم الذي يسعى إليه وعلاقة السلطة التنفيذية بالسلطة التشريعية وبرئيس الدولة الذي ينبغي أن يكون منصبا شرفيا بينما يستقل البرلمان بسلطة التشريع ومراقبة الحكومة ومنحها الثقة أ وحجبها عنها؛ وتجتمع السلطة التنفيذية في مجلس الوزراء ورئيسه؛ وتستقل السلطة القضائية استقلالا تاما وتلعب المحكمة الدستورية العليا دور المجلس الأعلى للقضاء ويتمتع رئيسها بصلاحيات رئيس مجلس القضاء الأعلى.

ولو خرجنا من الحلقة السورية إلى العالم الأرحب، لفوجئنا مجددا بالاختلاف البين بين البرامج الليبرالية المطروحة. وتتراوح هذه الرؤى ما بين خطاب قومي تقليدي إلى موقف أكثر مرونة يتخذه حزب النهضة، ويفترض ” إفلاس المشروع القومي العربي لا يعني سقوط الرابطة العربية إذا ما أوجدنا معادل الصيغة القومية الجديدة بطابعها الخاص والمتمثل في بناء الظاهرة التضامنية والقائمة على معايير المصالح المتبادلة وغيرها من الأسس والشروط المادية والموضوعية الجديدة بين الدول العربية، لأن مثل هذا الطابع يعمق من مضمون الجامعة العربية الغير مؤسساتية من خلال إرساء بنى فكرية تستند إلى مفاهيم تختلف بسماتها عن مفهوم الدولة العربية الواحدة.” وبينما تتهرب محاولات نبيل فياض من ذكر أي موقف من المسألة القومية، ينفرد الوطنيون الأحرار بموقف أكثر بعدا عن تقليدية المواقف القومية حيث ينادون بضرورة التعاون المشترك مع الدول العربية كافة ومع دول الجوار خاصة بما يحقق المصالح المتبادلة للجميع ويعتمدون مبدأ النهج السلمي ومبادئ القانون الدولي كأساس للتعامل، ويشترطون مسبقا، في إضافة نوعية، الديمقراطية كشرط أساسي لأي مشروع وحدوي مهما كان شكله ومضمونه. ويشارك الحزب الاجتماعي-الديمقراطي السوري الوطنيين الأحرار هذه الرؤية، فيطالب بالعمل على إيجاد مجلس عربي يضم الدول الديمقراطية العربية فقط.

ويتكرر الاختلاف الكبير أيضا في مسألة الصراع العربي-الإسرائيلي، حيث ينطلق حزب النهضة من أن تحقيق السلام” الذي ننشده، وتنشده سورية مرهون بتحقيق معادلة الحق والأرض، فلا وطن لهذا السلام من دون إعادة جميع الأراضي المحتلة، ولا قانون مشروع يحكمه بدون إعادة كافة الحقوق المغتصبة، “ يختصر الوطنيون الأحرار موقفهم بعبارة كافية وافية تقول إن استعادة الجولان المحتل يبقى هدف جميع السوريين وخاصةً الوطنيين الأحرار. بينما يرى التجمع الليبرالي الديمقراطي أن “التاريخ لا يعود إلى الوراء وأنه علينا النظر نحو المستقبل، لكن استمرار الاحتلال والعدوان والقتل والتهجير شيء لا يمكننا القبول به، فنحن رغم تطلعنا للسلام لكننا لا نسقط حق الشعوب في الدفاع عن نفسها ضد العدوان.” أما الحزب الاجتماعي-الديمقراطي السوري فيتخلى عن وضع الخيار العسكري كواحد من خياراته لحل قضية الصراع العربي-الإسرائيلي، ويتبنى خيار العمل الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي لحل هذا الصراع.

أما عالميا، فتتفق الرؤى الليبرالية السورية حول أهمية بناء شبكة من العلاقات الدولية مع جميع الدول الغربية قوامها الاحترام والتفاعل الحضاري التيتعكس طبيعة الوجه الحضاري لسورية، وتدلل على أهمية العمق السوري في الخارطة العالمية ودورها الدولي الحاضر في كافة المحافل الإقليمية والدولية. ويضيف الوطنيون الأحرار إلى ذلك أنهم يلتزمون “بكافة العهود والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان ويعمل على تعديل كافة القوانين والأنظمة بما يتفق مع روح ونص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.”

ويطالب الحزب الاجتماعي-الديمقراطي السوري بضرورة انضمام سورية إلى ما يسميه “نادي الدول الديمقراطية في العالم.” ويطالب بتعميق علاقاته مع الدول الديمقراطية الآسيوية، وإعادة بناء الأمم المتحدة “لتلاقي روح العصر وتؤكد على مسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان.” ثم يضيف بندا مهما في برنامجه على المستوى العالمي، حين يقول أن على سورية أن تسهم مساهمة جدية ومسؤولة في مكافحة الإرهاب وأعمال المافيا الدولية وتبييض الأموال.

بيد أن النهج الليبرالي يبدو أكثر وضوحا في الجانب الاقتصادي من برامج الاتجاهات الليبرالية المطروحة. حيث تتفق معظم البرامج حول ضرورة الاختيار النهائي والحاسم لآلية اقتصاد السوق، وإعطاء القطاع الخاص الدور الريادي وحصر نشاط الدولة الاقتصادي بالحدود الدنيا وفقط في مجال استثمار الثروات الطبيعية الإستراتيجية وترك ماعدا ذلك للقطاع الخاص.

وبينما يصوغ حزب النهضة مطلبه الأساسي بضرورة “السماح للقطاع الخاص وبشكل شبه مطلق من إرساء البنية الاقتصادية الجديدة، لتمكينه من المشاركة في مختلف وجوه النشاط الاقتصادي، والسماح لنظام السوق الحر بتحديد اتجاه تلك الأنشطة الاقتصادية وآلياتها، يتقدم الحزب الديمقراطي السوري خطوة أبعد من ذلك بالمطالبة بإلغاء كافة القوانين والتشريعات والأنظمة والتعليمات التي صدرت سابقا وتشكل قيودا على ليبرالية الاقتصاد والتجارة وعدم الاكتفاء بتعديلها، “باعتبار أن القوانين السورية الأساسية هي بالأصل قائمة على أساس ليبرالي ثم جرى تقييدها.”

وبينما ينفرد الوطنيون الأحرار بمطلب إعادة النظر في القوانين التي صادرت أملاك المواطنين السوريين من خلال قوانين التأميم والإصلاح الزراعي والمصادرات الأخرى والتعويض العادل لهم، ينحو التجمع الليبرالي الديمقراطي منحى أكثر اعتدالا، إذ أنه يركز أكثر على جانب العدالة الاجتماعية، دون أن ينسى ضرورة “إلغاء كل القوانين الاقتصادية المعمول بها فيما يخص الصناعة والتجارة والزراعة والاستثمار وحركة رأس المال، والإيداع، ووضع نظام اقتصادي ليبرالي جديد، أساسه الحرية واقتصاد السوق والانتفاخ على الخارج، مستفيدين من تجارب الأمم الأخرى المتقدمة.”

على الصعيد الاجتماعي تتفق جميع البرامج على التأسيس لمفهوم المواطنة وإعطائه الأولية مع الابتعاد عن الانتماءات القبلية والطائفية والمذهبية والعشائرية. وتطالب كافة البرامج بنزاهة القضاء وإنهاء تسييسه وعدم السماح للقضاة بالانتساب إلى أي من الأحزاب السياسية وتعديل المناهج التربوية وتمكين المرأة والتأكيد على حقوق الأطفال والشباب وتعميق آلية الحوار واعتمادها بديلا عن الفرض والإلزام.

وإذ تتفق جميع البرامج حول مسألة حرية الاعتقاد، فإن معظمها تبتعد عن ذكر حرية عدم التدين والحريات الجنسية، باستثناء الحزب الاجتماعي-الديمقراطي السوري الذي يفرد بندا خاصا في برنامجه الاجتماعي لحرية الإلحاد وبندا آخر للحريات الجنسية. ويضيف الحزب التأكيد على مساواة المرأة مساواة مطلقة مع الرجل في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية، وضمان حقها في ضمان كافة المناصب العليا بما في ذلك رئاسة الدولة والحكومة والبرلمان والقضاء.

(2)
الجدال الحار الذي شهدته سورية في الأعوام من 2002 إلى 2005 خمدت حدته الآن، فما الذي أدى إلى ذلك الخمود؟

أعتقد أن الليبراليين السوريين استمدوا رؤاهم وحماستهم من حقيقة أن ما من نظام قادر على البقاء إلى الأبد، وقد جاء سقوط النظام الأكثر دموية وفاشية في العالم الحديث (صدام حسين) ليدعم هذه الفكرة ويعزز أحلام الليبراليين السوريين بإمكانية التوصل إلى نظام سياسي جديد، يقوم على أساس التعددية وحكم القانون وتداول السلطة وحرية التعبير. بيد أن المؤتمر العاشر لحزب البعث الذي انعقد في حزيران 2005 بدد كل وهم ليبرالي عند الأقلية الحالمة.

قبل انعقاد المؤتمر، وحتى إبان انعقاد جلساته، سارت شائعات عدة حول القرارات الإصلاحية الجذرية التي سوف تخرج عن المؤتمرين. من هذه الإصلاحات الموعودة إلغاء المادة الثامنة من الدستور التي تعطي البعث الحاكم حقا دستوريا في قيادة الدولة والمجتمع، وإلغاء أو تقييد حالة الطوارئ وإقرار قانون للأحزاب السياسية وإعطاء الأكراد حقوقا مدنية وسياسية مضمونة. غير أن نتائج المؤتمر كانت مخيبة لجميع الآمال، وقد جاءت لتؤكد أن لا تغيير كبيرا في سورية وأن جل ما قد يستجد هو جملة من الوعود التي أثبت مرور نحو عامين عليها أنها لن تتحقق.

أما العامل الثاني في تراجع فورة الليبراليين السوريين فيعود إلى أن البورجوازية السورية أدارت ظهرها لكافة القوى الليبرالية التي حاولت استمالتها، لتغدو هذه الطبقة الحامل لفكرة الليبرالية وتغدو الحركة الليبرالية التيار السياسي المعبر عنها. لقد آثرت البورجوازية السورية في الحقيقة التعايش مع الحكومة البعثية السورية وتقاسم الكعكة معها على الانخراط في مغامرة غير محسومة النتائج بالنسبة إليها. وبالتالي فإن الحركة الليبرالية بقيت مجرد مجموعة من الأفراد الذين ينحدر جلهم من خلفيات سياسية ماركسية، ارتدوا عنها وتبنوا الليبرالية، باعتبارها النظام السياسي الأمثل لسورية المستقبل.

والعامل الثالث الذي أدى إلى تراجع الحركة الليبرالية السورية هو عودة الأجهزة الأمنية السورية إلى إحكام قبضتها على جميع النشاطات السياسية والثقافية والاجتماعية السورية، وانكفائها على سيرتها الأولى في اعتقال الأصوات المعارضة التي بلغت ذروتها في اعتقالات مايو 2006 التي طالت عددا كبيرا من الموقعين على إعلان سياسي لتحسين العلاقات بين سورية ولبنان. ومن بين المعتقلين كان نخبة من قادة الرأي المعارض في سورية.

العامل الرابع وذو الدلالة هو حرب يونيو بين إسرائيل وحزب الله، وهي الحرب التي دمرت البنية التحتية للبنان وكبدته خسائر كبيرة في أرواح المدنيين وأرزاقهم. لقد كان من نتائج هذه الحرب مد قومي-إسلامي وازدياد في شعبية حزب الله وأمينه العام في مواجهة كافة الأفكار الأخرى. لقد تقوقع كثير من السوريين في خانة النحن والهم، والأسوأ أن النحن صار يعبر عنها حزب الله، أما الهُم فقد غدت تشمل كل العالم تقريبا، بما في ذلك أميركا وأوروبا والأمم المتحدة وحتى الدول العربية. ولا شك في أن المد السياسي الهائل الذي حصل عليه حزب الله وأمينه العام، وما تلى ذلك من تقرير صحفية عن حركة تشيع أو تشييع في سورية، كل ذلك قد ساهم في إضعاف الحركة الليبرالية السورية.

وإذن أين هي الحركة الليبرالية الآن؟

نستطيع أن نؤكد أن الحركة الليبرالية السورية الآن هي في حالة تراجع وجزر كبيرين. فحزب النهضة والحزب الديمقراطي السوري، وهما أكبر حزبين تبنيا الليبرالية صراحة، قد جمدا نشاطهما السياسي إلى حد ملحوظ. أما تحالف الوطنيين الأحرار الحلبي فقد تلاشى بعد أن انقسم على نفسه. ولم يفلح الحزب الديمقراطي-الاجتماعي في أن يمشي خطوة واحدة أكثر من طرح برنامجه للحوار. أما التجمع الديمقراطي الليبرالي الذي أسسه كمال لبواني فقد استولى عليه من حوّله إلى ظل يدور في فلك السلطة.

هل ذلك لأن الليبرالية نبتة خارجة عن المحيط السوري؟ يسأل الكثير من السوريين هذا السؤال. شخصيا أعتقد أن لا.

فالحركة الليبرالية الجديدة في سورية، إنما تحاول أن تكون، دون تجن، الوريث الشرعي لأحزاب، مارست، رغم الفترة القصيرة نسبيا التي أتيحت لها، عملا سياسيا مرموقا لا يمكن ببساطة تجاهله تحت أي ذريعة كانت، بل ينبغي، على النقيض، تبنيه كإرث سياسي سوري بامتياز. يقف في طليعة هذه الأحزاب حزب الشعب والحزب الوطني وهما حزبان ليبراليان أصيلان، كانت لهما إنجازاتهما كما كانت لهما أخطاؤهما، في اللعبة السياسية السورية. ولا يقلل من أهمية ذلك أن أجيالا تربت على الفكر العقائدي القومي والاشتراكي الذي بثته السلطة السورية من خلال مؤسسات الحزب الحاكم ومنظمات الشبيبة والطلبة والطلائع، ولكن أيضا من خلال المناهج التربوية والثقافية والاجتماعية التي كانت جميعها تركز على العقيدة أكثر مما تركز على المصلحة؛ وتركز على الجماعة والانضباط والطاعة أكثر مما تركز على الفرد والمبادأة والحريات الفردية الأساسية. ونتج عن ذلك نقص كبير في الخبرة في النظريات السياسية المغايرة للنظرية السياسية السائدة عند كل من السلطة والمعارضة.

ولئن فشلت الحركة الليبرالية السورية في تأسيس تيار سياسي متماسك ومستقل، فإنها نجحت على الأقل في تأسيس مفاهيم جديدة في السياسة تتركز في قضايا صندوق الانتخاب وتداول السلطة واستقلال القضاء وحرية التعبير والتفكير والسياسي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This