في المتخيل الشيعي… قراءة في ملصق إعلاني إنتخابي عراقي

في ملصق اِنتخابي عراقي لقائمة ( النزاهة والبناء) رقم 376 وتسلسل 24 نقرأ المعلومات التالية:
انتخبوا من هو منكم وفيكم، السيّدة شذى رزاق نعمان السلطاني(أم سجاد)، زوجة أحمد الشيخ جاسم الكناني شقيق الشيخ مالك الكناني، كيان النزاهة والبناء (376)التسلسل 24.

وقد وضعت المرشّحة بدل صورتها صورة زوجها على الملصق مع اسمه واسم عشيرته واسم شقيقه أيضاً، ولذلك دلالات نأتي على ذكرها في سياق هذا المقال. يذكر أنّ قائمة “كيان النزاهة والبناء” مثّلت مع قائمة أخرى باسم “تيّار الأحرار المستقلّ” التيّار الصدري الشيعي الراديكالي في الاِنتخابات البلدية الأخيرة في العراق، التي جرت في نهاية شهر كانون الثاني من هذا العام. والتيّار الصدري هو حركة شيعية شعبية تشكّلت نواتها الأولى بعد 2002مدعومة من إيران ويقودها ” مقتدى الصدر” ابن المرجع الشيعي الراحل ” محمد صادق الصدر ” الذي أعدم على يد نظام صدام حسين عام 1999.ويملك التيار الصدري ميليشيا مسلحة باسم ” جيش المهدي ” تتكوّن عناصره من الفئات الشعبية الهامشية والمسحوقة، كما تضمّ في صفوفها عناصر من الأجهزة الأمنية السابقة التي تفكّكت بعد سقوط النظام عام2003.

قبل الحديث عن الملصق المذكور لا بدّ من ذكر أنّ أنظار قيادة الحركة الصدرية في الاِنتخابات الأخيرة، اتّجهت إلى التركيز على النساء (الناخبات منهن والمنتخبات)، وقال أحد قيادييها أثناء الحملة الاِنتخابية إنّ “القوائم التي دعّمها التيار الصدري منحت نسبة 33% للنساء في قوائمها المشاركة في الاِنتخابات المحلّية”، داعية في الوقت نفسه إلى “حماية حقوق النساء عبر نظام الكوتا الاِنتخابية”.

بالعودة إلى الملصق الاِنتخابي ورموزه ودلالاته، يُلاحَظ أنّه يحمل في طيّاته أسئلة كثيرة وجوهرية حول نساء العشيرة والطائفة، ودخولهنّ معترك العمل السياسي، وتمثيل الأدوار المرسومة لهنّ وفق المتخيّل الشيعي الذي يعتبر الجانب الأقوى في خطاب الأحزاب الإسلامية (الشيعية).

السؤال الأوّل هو ما هي أسباب إخفاء شكل المرشحة وراء صورة الزوج، ولماذا قدّمت ” شذى السلطاني ” نفسها من خلال زوجها مع الإشارة لشقيقه؟
ما هي دلالات الألوان والرموز المستخدمة في الملصق؟
لما الخوف من الإشارة إلى التيار الصدري بشكل مباشر؟
لماذا التركيز على عدد النساء في القوائم الاِنتخابية داخل تيّار ديني أصوليّ؟

نحن هنا أمام رؤيتين مختلفتين للإجابة على هذه الأسئلة وتناول محتويات هذا الملصق الاِنتخابي تالياً. الأولى براغماتية وتندرج ضمن المعطيات الواقع الاجتماعي والسياسي العراقي وذهنية الناخب العراقي، أما الثانية فهي مُتخيّلة وترتبط بالرموز الشيعية.

بدءًا من هذا السؤال الأخير، يمكن القول إنّ النساء يمثّلن النسبة الأكبر في المجتمع العراقي اليوم، ذاك أنّ الحروب ” المستتبّة ” التي مرّ بها العراقيون، كان الرجال وقودها الرئيسي، بالإضافة إلى هروب أعداد هائلة منهم إلى المنافي بدءًا من عام 1928 إلى الوقت الحالي . تالياً، إنّ عدد الناخبات يتجاوز عدد الناخبين، وكان التيار الصدري براغماتياً في دراسة هذه الظاهرة وإعطائه نسبة33% من المقاعد إلى النساء. ذاك أنّ المرشّحة قادرة على الدخول إلى المجتمع النسائي في البيوت والمدارس والأماكن الأخرى، بينما يقتصر عمل المرشح بين الحشود الرجالية.

ويمكن الإشارة في ذات السياق إلى سمة ” المستقل ” التي طالما أُلصقت بالقوائم الاِنتخابية ولم يصدقها الناخبون، إنما في حالة المرشحة النسوية يختلف الأمر وقد يُصدّق، لأنها ببساطة ليست سياسية ولا تظهر في المناسبات الدينية والحزبية والعسكرية. على هذا النحو يمكن وصفها بالمرشّحة المستقلّة أو ضمّها إلى قائمة “مستقلة”. تجدر الإشارة إلى أنّ الخوف من عدم الإشارة إلى هوية التيار السياسية (التيار الصدري) في الملصق تندرج ضمن الإشكالية نفسها، إذ التجأت فيها قيادة التيار إلى إخفاء أيّ رمز مباشر يرتبط بالدين والمذهب والعقيدة الطائفية للحركة. وذلك من أجل إظهار المرشّحات والمرشّحين في المعترك السياسي بدل الديني والطائفي. وراء هذا التخفّي أو هذه الباطنية إن صحّ التعبير، هناك سبب آخر غير “الاستقلالية المفترضة”، وهو دراسة ميدانية صدرت في شهر أكتوبر عام2008أشارت إلى تحوّل جرى في رأي الناخب العراقي من تأييد الأحزاب الدينية لصالح الأحزاب العلمانية، كما أظهرت الدراسة ذاتها، التي أصدرها مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية في مدينة كربلاء، خيبة أمل بأداء مجالس الاِنتخابات المحلية الحالية بشكل عامّ، فضلا عن بروز العامل الشخصي كمعيار مهمّ لاختيار عضو مجلس المحافظة. كما أظهرت تلك الدراسة الميدانية تزايد الوعي الاِنتخابي لدى الناخب العراقي من خلال تأييده لإجراء الاِنتخابات (وبنسب عالية) باعتبارها الوسيلة الوحيدة لإجراء عملية التغيير الايجابي.

لقد دفع مثل هذه الدراسات التي أخذت طريقها إلى الوعي السياسي العراقي متأخراً، أحزابا إسلامية كثيرة إلى تغيير شعاراتها وأساليبها في الاِنتخابات الأخيرة، وكان حزب ” المالكي ” (حزب الدعوة الإسلامي) من تلك الأحزاب التي لم تذكر رمزاً دينياً أو طائفياً في حملتها الاِنتخابية، بينما هو في الأصل حزب أصولي.

وللسبب ذاته، حاول التيار الصدري إخفاء صور مرشّحاته كي لا يظهرن متّشحات بالسواد ولا يرى الناخب من وجوههنّ سوى العيون والنصف الأعلى من الأنف. ففي حين استعانت ” شذى السلطاني” بصورة زوجها، التجأت مرشّحات أُخريات إلى إبقاء المساحة خالية، أو تعبئتها بحروف كبيرة في كتابة الأسماء وأرقام القوائم أو العلم العراقي (ليست هناك برامج سياسية واجتماعية بطبيعة الحال). ولا يمكن، في جميع الأحوال، استبعاد السمة المحافظة التي يتصف بها المجتمع الشيعي التقليدي إذ لا مكان فيه للمرأة الحرّة. أمّا هدف كتابة اسم الزوج في الملصق فهو الإشارة إلى عشيرة الزوج، أي الكناني، إحدى العشائر الكبيرة في العراق. ولو كانت الزوجة من ذات العشيرة لكتبت “شذى رزاق نعمان الكناني ” دون الحاجة إلى الهوامش في الأسماء والألقاب. وفيما خصّ اسم شقيق الزوج، فأُريد من خلاله ربط العشيرة بالطائفة، ذاك أنّ ” الشيخ مالك الكناني ” هو إمام مسجد في بغداد، وأحد ممثلي الشابّ الراديكالي ” مقتدى الصدر”.

الجانب الثاني من رموز الملصق ودلالاته هو ذلك الفضاء المتخيل الليّن الذي يحرّك الذاكرة الشعبية الشيعية. الرمز الأوّل هو اللون الأخضر حيث يظهر على شكل شريط بارز في أعلى الملصق ويطغي على لون الخلفية الكموني، كما تظهر خارطة العراق في الأسفل باللون الأخضر أيضاً. ويشير ذلك إلى عدّة أسباب في المتخيّل الشيعي وهي بمجملها كالتالي:

* اللون الأخضر هو اللون المُميّز للجنّة، ومنه تكون ثياب أهل الجنة وملابسهم
* أن الرسول والأئمة من أهل البيت كانوا يستخدمون اللون الأخضر، فقد أعطى النبيّ محمّد علياً في ليلة المبيت رداءه الأخضر الذي كان يرتديه لكي يستخدمه في تلك الليلة المباركة، وكثيراً ما يتردد في الأحاديث أنّ الأئمّة كانوا يلبسون الأخضر.
* إن الغالب في مشاهدات المؤمنين للرسول والمعصومين في الرؤيا هو أنهم شوهدوا بثياب خضراء، وعمائم خضراء.
* يظهر من الأحاديث أنّ لواء الحمد لونه أخضر، وتؤكّد الأحاديث المتواترة أنّ الرسول المصطفى يُعطي لواء الحمد هذا في يوم القيامة إلى الإمام أمير المؤمنين ليحمله، فيحمله عليّ وعليه ثياب خضر .
* إنّ اللون الأخضر هو رمز للسلالة الطاهرة وهو اللون الذي يرمز إلى الإسلام، وهو اللون المُحبَّب في الطبيعة، وقد اكتشف العلماء بعض خواصّ هذا اللون. كلّ هذه الأمور و غيرها من الأمور، تكفي لأن يكون اللون الأخضر هو اللون المميَّز لدى المؤمنين الشيعة، ويكون له نوع من القدسية والاحترام.


أما بخصوص الحصان الأبيض الذي وضع إلى جانب خارطة العراق في الأسفل أيضاً، فهو إشارة إلى أنَ الحسين بن علي يوم استشهد في كربلاء عام 680 للميلاد كان يمتطي صهوة جواد أبيض. وفي جميع الاحتفالات الدينية التي يقيمها المسلمون الشيعة سنوياً في المدن المقدّسة عندهم، كالنجف وكربلاء في جنوب العراق، تظهر مطيَة الإمام الحسين بن عليَ دائماً على هيئة حصان أبيض.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق