في الموروث العربي: نقد نقليّ أم نقد عقليّ ؟

“تنطلق هذه الرّابطة[رابطة العقلانيّين العرب] من معطيات قريبة أنجزها “النّهضويّون العرب” ولو بشكل مجزوء، ومن موروث عربيّ سالفٍ له إسهاماته العقلانيّة المتعدّدة، كما أنّها تستند إلى معطيات الحضارة الإنسانيّة التي أعطت المجتمع الإنسانيّ المعاصر إنجازاته المنيرة في الحقول جميعا”( بيان رابطة العقلانيّين العرب )

أحبّ أن أقف في هذا المقال، ولو وقفة عجلى، على ناحية في موروثنا النّقدي؛ وتحديدا الصّفات التي يسبغها عليه بعضنا[من العقلانيّين] من موقع”إيديولوجيّ”على ما أرجّح.  

أحبّ أن أقف في هذا المقال، ولو وقفة عجلى، على ناحية في موروثنا النّقدي، وتحديدا الصّفات التي يسبغها عليه بعضنا[من العقلانيّين] من موقع”إيديولوجيّ”على ما أرجّح.وقد اخترت نصّا لأستاذ أجلّه كثيرا، هو الدكتور جابر عصفور، من  كتاب له لعلّه غير متداول مثل كتبه الأخرى التي لا غنى عنها لأيّ باحث في الموروث النّقدي/البلاغي عند العرب، هو” قراءة التّراث النّقدي”، مؤسّسة عيبال للدّراسات والنّشر ط1 /1991.
يقرّر الأستاذ في هذا النصّ أنّ “التّجاوب والتّداخل بين المستوى الفكريّ والإبداعيّ من الحداثة أدّى إلى تأسيس ما يمكن أن نسمّيه “النّقد المحدث” في مقابل “النّقد القديم”. وإذا كان اللّغويّون والنّقليّون من أهل السّنّة يمثّلون النّقد القديم فإنّ المعتزلة والفلاسفة هم الذين صاغوا أصول النّقد الحديث”(نفسه ص.127).وأقدّرـ بصرف النّظر عن استخدامه المصطلح”حداثة” الوافد حديثا على ثقافتناـ أنّ هذه”قسمة ضيزى” تشطر الموروث النّقدي، وتجعله نصفين غير متعادلين. ولا إخالها ـ والحال هذه ـ ترضي أيّا منّا. ذلك أنّ النقد العربيّ القديم جلّه، إن لم أقل كلّه، يبدأ وينتهي بالقياس على الماضي، وهو نقد نقليّ عقليّ في آن، وإن على تفاوت بين ناقد وآخر. وحجّتنا لذلك أنّ قياس الغائب على الشّاهد يعتمد على العلّة عند كثير أو قليل من هؤلاء الأسلاف، مثلما يعتمد على الأمارة. ولعلّ هذا ما يجعل صفة     “النّقليّ” أمسّ به، فالأمارة يثبت عندها الحكم ولا يثبت بها. وبالتّالي ينتفي مبدأ السّببيّة، وبانتفائها ينتفي العلم الموضوعيّ أو موضوعيّة العلم. ولم يكن أنصار المحدث الشّعري مثل الصّولي وأضرابه من الذين ذكرهم الأستاذ، يصدرون عن نسق معرفيّ مضادّ للنّسق الذي كان يصدر عنه الآمدي أوالقاضي(نفسه ص.79) ، حتّى يجوز لنا أن نسم “النقد المحدث” ب “العقليّ” و”النّقد القديم” بـ “النقليّ” كما فعل الأستاذ، ونستنتج من مجرّد الوصف والتّسمية أنّ النّقليّ “يخلع القيمة على المتشابه مع الماضي، ويسلبها من المخالف له…”(نفسه ص127 وما بعدها).
وفي الأمثلة التي ساقها هؤلاء القدامى، وأكثرها”أبيات مشكلة” من شعر المحدثين، ما يبيّن دون لبس، أنّه لا الصّولي ولا الآمدي ولا أيّ من هؤلاء النقّاد البلاغيّين، كان يبحث عن جوهر الشّعر في ذاته. إنّما كانوا ينشدون معنى دقيقا ومعمّى من الكلام عدا طوره الذي يليق به عند بعضهم، فلم يتحصّل منه إمتاع ولا فائدة، فعيب وأنكر، وكان على حدّ القديم أو هو بحذائه عند آخرين، ومنهم الصّولي والآمدي. وقد احتكموا جميعا إلى ذات المعايير، واستأنسوا بالشّواهد ذاتها. بل أنّ الأدوات المعرفيّة والمفاهيم النظريّة التي صدروا عنها هي نفسها أو تكاد، لسبب لا نخاله يخفى هو أنّ الماضي الذي قايسوا به المحدث لم يكن زمنا ولّى أو اندثر؛ وإنّما كان ماضيا معاصرا يحفّهم في كثير من مسالك العيش ومظاهر الحياة سواء كان يغنيها ويؤصّلها أو يعاسرها ويقيّدها. ولا ينبغي أن ننسى أنّ هذا الماضي هو الذي استلهمه العرب في وضع علوم اللّغة والنّحو والبلاغة والعروض وفي تفسير القرآن نفسه.فالماضي في نظرنا هو غيره في نظر أسلافنا، ولم يكن هؤلاء الأسلاف نتاج أنفسهم على قدر ما كانوا نتاج الماضي. وليس أدلّ على ذلك من شبكة الآثار التي نسجبها عصر التّدوين خلال القرون الثّلاثة الأولى للهجرة بخيوط الماضي نسج اللّحمة والسّدى، وبخاصة في علوم أمس بالشّعر ونقده مثل علوم اللّغة التي لم يعمل القدامى على تحيين شواهدها باعتبارها قلائد الشّعر المحفوظة التي لا تنسى لنفاستها،فتحوّلت إلى أبدال وموضوعات يقاس عليها وموازين تردّ لديهم من شطط المحدث، وتحدّ من “خلطه” و”خبطه”.
إنّ تشبيه الحاضر بالماضي أو رؤية هذا في ذاك أو من خلاله، ليس ظاهرة تنتظم هذه القراءات جميعها فحسب، على اختلاف موقفها من المحدث، وإنّما هو صورة كبرى لعلاقة المشابهة من حيث هي عندهم، ركن لا غنى عنه في بناء الصّورة بشتّى أنواعها؛بل لمفهوم”القرب” ـ على ما نرجّح ـ من حيث ارتباطه ب”السّورة/الصّورة” القرآنيّة”قاب قوسين أو أدنى”،وتعبيره عن نوع من العودة إلى”الوحدة الأزليّة” تواؤما مع المنظور الإسلامي.
ومن هذا الجانب فإنّ القضيّة المطروحة في قراءة المحدث الشعري عند العرب، قضيّة بلاغيّة في الظاهر؛ولكنّ خلفيّتها دينيّة عميقة الغور.وقد يتسنّى لنا أن نلمّ بها إن نحن جرّدناها من مشكلاتهم الخاصّة، وأحكمنا الفصل بين شكل القضيّة ومحتواها، على نحو ما نفصل في الرّياضيّات بين قالب المعادلة ومكوّناتها. وهذا منحى تقوم في وجهه عوائق، من أظهرها أنّ هذه القراءات التي نحن بها، ما كانت لتنهض إلاّ على أساس من السّجال بين النّموذجين: القديم والمحدث ومواجهة هذا بذاك، أو البحث عن تماثل بينهما، وما أفضى إليه ذلك عند بعضهم، من تصوّر الشّعر بعقل أعدّ للماضي، والعودة به إلى “نقائه الأوّل” وإلى مرحلة ما قبل “ظهور الخلاف” بين أنصار القديم وأنصار المحدث أي مرحلة ما قبل ظهور التّفكير البلاغي الذي أرسى ركائزه متكلّمو المعتزلة وغيرهم من علماء العرب وفلاسفتهم؛ وجعل زمن الشّعر، بسبب من ذلك، “يتحرّك” في ثوابت ودواثر هي بمثابة قواعد وأحكام وسمات مستدمية. وكأنّ الأمر يتعلّق بدائرة تشدّ إلى وسطها مختلف الأشعّة المنبعثة منها،دون أن تبرح محيطها، أو بمصباح يشدّ إلى مركزه جميع تموّجات الضّوء المندفعة نحو مختلف الاتّجاهات. فكان أن اعتبروا الشّعر واحدا جاء على بناء الجمع، وسمتا تنتهي إليه كلّ القصائد أو ينبغي أن تنتهي إليه، وليس جمعا لا واحد له، على ما نرجّحه ويؤكّده تاريخ الشّعر، حيث الأشكال تولّد أشكالا مضادّة وتؤدّي إلى تركيب جديد قد يكون أشدّ تعقيدا أو تجريدا، على نحو ما نجد عند أبي نواس أو أبي تمّام أو ابن الرّومي في الصّيغ والتّراكيب المستلهمة من النّموذج، وقد صرفوها عن وجهها وحوّلوها عن حالتها وحمّلوها ثقيلا، لم تكن لهم به طاقة ولا هم كانوا منه على أنس وإيلاف. غير أنّه يظلّ بالإمكان تجريد القضيّة البلاغيّة المطروحة من مشكلات القدامى الخاصّة وأحكامهم المعياريّة، وما وقر لدى بعضهم من أنّ المحدث انقلب بالشّعر من درجة أعلى إلى درجة أدنى، وتذليل الصّعوبات التي تعوق عن هذا التّجريد، ما أدركنا أنّ قراءاتهم، على “اختلافها”، تدين كلها لمنظومة الإحداثيّات وأساليب التّفكير وقواعد التّحليل التي تشكّلت خلال عصر التّدوين، وحدّدت علاقتهم بالنّصّ الأنموذج من حيث هو مصدر من مصادر المعرفة لا غنى عنه ولا بديل. ولم يكن هذا النّصّ قضيّة محتاجة إلى برهان لإثبات صحّتها، فقد نفى الظّنّة عنه، اعتقادهم في أنّ أهله “جدّوا بالتّقدّم” و”أنّهم القدوة والأعلام والحجّة” بالرّغم من أنّ القارئ يجد “كثيرا من أشعارهم معيبة مسترذلة، ومردودة منفيّة، لكن هذا الظّنّ الجميل والاعتقاد الحسن ستر عليهم…. فذهبت الخواطر في الذّبّ عنهم كل مذهب، وقامت في الاحتجاج لهم كل مقام”.(القاضي الجرجاني،الوساطة ص4) فهل القاضي الجرجاني صاحب هذا الرّأي “ناقد نقليّ يعتمد على ما ينقل من أحكام، أو يحيطه من انطباعات”؟وهل هو “يخلع القيمة على المتشابه مع الماضي، ويسلبها من المخالف له”بعبارة الدكتور جابر (قراءة التّراث النّقدي ص 127/128)،وقد فطن إلى أنّ القيمة نسبيّة مرتهنة بالنّصّ الذي نحن فيه من جهة، وبأوضاع اللّغة من أخرى؟
يقول القاضي : “فلما ضرب الإسلام بجرانه، واتّسعت ممالك العرب، وكثرت الحواضر ونزعت البوادي إلى القرى… اختار النّاس من الكلام ألينه وأسهله، وعمدوا إلى كلّ شيء ذي أسماء كثيرة اختاروا أحسنها سمعا وألطفها من القلب موقعا…وتجاوزوا الحدّ في طلب التّسهيل، حتّى تسمّحوا ببعض اللّحن ، وحتّى خاطتهم الرّكاكة والعجمة، وأعانهم على ذلك لين الحضارة وسهولة طباع الأخلاق، فانتقلت العادة، وتغيّر الرّسم، وانتسخت هذه السّنّة، واحتذوا بشعرهم هذا المثال، وترقّقوا ما أمكن، وكسوا معانيهم ألطف ما سنح من الألفاظ، فصارت إذا قيست بذلك الكلام الأوّل يتبيّن فيها اللّين فيظنّ ضعفا، فإذا افرد عاد ذلك اللّين صفاء ورونقا، وصار ما تخيّلته ضعفا رشاقة ولطفا…”(الوساطة ص 18/19).
فهذا أحد واضعي نظريّة العمود، ينحو منحى “الناّقد العقليّ” ـ إذا نحن أخذنا بتصنيف الأستاذ جابر عصفور ـ فهو يعتمد على ما يعقل من خواصّ القديم والمحدث كليهما، وما يستنبط من معايير “بغضّ النّظر عن التّعصّب القبليّ لزمن القائل أو شخصه”( قراءة التّراث النّقدي ص 128) ،ولا هو يعلي من القديم لمجرّد القدم، أو يستخفّ بالمحدث لمجرّد الحداثة ؛ بل هو يشير إلى التّفاوت في شعر المحدثين، ويبيّن أنّه درجات ومراتب، حتى ليبدو من كلامه أنّه أشبه بدرج يتخطّى فيه القارئ من الأدنى إلى الأعلى أو من الأعلى إلى الأدنى.والمحدث في قراءة القدامى ليس محدثا كلّه، وإنّما “جنس” منه، بعبارة القاضي، رام فيه صاحبه “الإغراب والاقتداء بمن مضى من القدماء” فأعوزه وذهب عنه و”لم يتمكّن من بعض ما يرومه إلاّ بأشدّ تكلّف، وأتمّ تصنّع؛ ومع التّكلّف المقت…وربّما كان ذلك سببا لطمس المحاسن،كالذي نجده كثيرا في شعر أبي تماّم…” ولا يفوت القاضي أن ينبّه قارئه إلى أنّه قال ما قال لا “غضّا من أبي تمّام ولا تهجينا لشعره، ولا عصبيّة عليه لغيره”، وينكر أن يصدر منه مثل هذا : “فكيف وأنا أدين بتفضيله وتقديمه، وانتحل موالاته وتعظيمه، وأراه قبلة أصحاب المعاني وقدوة أهل البديع”؟ بل هو يعجب من أمر أبي تمّام كيف يقرن إلى “الغرر” من شعره “الكلام الغثّ، أو الفاسد الرديء الذي لا خير فيه، ويتساءل: ” وما عليه لو حذف نصف شعره، فقطع ألسن العيب عنه،ولم يشرع للعدو بابا في ذمّه “؟ (الوساطة ص.18 وما بعدها) وما كان القاضي ليتساءل لو لم يلحظ اجتماع الضّدّين في هذا الشعر،وتفاوته في الفضل والمزيّة، فهو مأنوس من جهة، وحشيّ من أخرى. ومن هنا مأتي “البطانة الوجدانيّة” التي تلفّ خطاب “الخصوم” النّقديّ، وتجعل منه خطابا “نقليا” “عقليا” في آن، تقوده ثقافة السّلطة والنّقل والحفظ والذاّكرة، مثلما تقوده ثقافة العين والنّظر والعقل والكتابة، وما يمكن أن يعتوره، بسب ذلك، من توتّر أومن حذف وتجزيء حينا وإظهار وتضخيم حينا. فقد كانوا من المحدث، ما بين إقبال وإدبار،ولم يكن بميسورهم أن يرتضوا المأنوس منه إلاّ بالإعراض عن الوحشيّ أو “البديع” فيه. ولم يكن هذا الإعراض ليتسنّى لأنّ البديع من جوهر هذا المحدث، وهو الذي يكاد يحف القصيدة في كل بيت، ويداخلها في كلّ صورة.
ومع أنّنا لسنا بصدد تحليل نفسيّة القاضي ولا ندّعي ذلك ولا قدرة لنا عليه، ولكنّنا لا نملك إلاّ أن نلاحظ أنّ مثل هذا الخطاب يبدو محكوما بنوع من ” التّجاذب الوجدانيّ ” Ambivalence أو التّناقض الوجدانيّ حيث تمتزج في ذات النّاقد مشاعر الحبّ والكراهيّة إزاء الموضوع نفسه.( انظر فيما يخصّ هذا المصطلح، جان لابلانش وج.ب. برنتاليس، معجم مصطلحات التّحليل النّفسي، ت.مصطفى حجازي، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعيّة 1985 ص156)
أمّا وقد انبنت قراءتهم على سجال بين النّموذجين: القديم والمحدث، ومواجهة هذا بذاك، أو قياس الحاضر على الماضي- وما ذاك إلاّ لأنّ طريق القياس والتّشبيه هو من أسهل الطّرق وأيسرها إلى ما لا ينفذ إليه في المحدث معنى وصورة ـ فقد حجب مسلكهم هذا على ما يسمّيه المعاصرون تأثير “الرّقابة اللاّشعوريةّ ” وفسح المجال وسيعا لـ “عودة المكبوت” retour du refoulé الأمر الذي وسم قراءتهم وجعلها تفصح في جوانب منها غير يسيرة، عن رؤية ذاتيّة أكثر منها عن حقيقة المحدث الموضوعيّة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This