في النقد الثقافي

يحاول الناقد السعوديّ المعروف الدكتور عبد الله الغذامي منذ صدور كتابه( النقد الثقافي، قراءة في الأنساق الثقافية العربية)، التبشير بموت النقد الأدبي وحلول النقد الثقافي مكانه. ويقيم الدكتور عبد الله الغذامي دعواه على أن العلم متى وصل حدّ النضج فإنه يصبح مهدداً بالتقاعد، إن لم نقل الموت.ذلك أن العلوم مثل البشر تتقاعد ولكنّ الفارق أنّ العلم يحتاج إلى من يحيله إلى التقاعد. والنقد الأدبي بمناهجه الحالية وصل إلى طريق مسدود لم يعد قادراً على أداء الوظيفة المنوطة به، وخصوصاً في إطار الثقافة العربية التي احتضنت فيها البلاغة العربية النقد الأدبي. ذلك أن البلاغة العربية لم تعد قادرة على الكشف عن مواطن الجمال في النصوص الأدبية، ولاسيما أننا ندرس في جامعاتنا وأقسامنا العلمية كل ما هو نقيض لها، ومتجاوز لها. فقد أصبحت طرق البحث عن الجماليّ من خلال علوم البلاغة قديمة بالية، ولم يعد من الممكن أن تعود إلى الحياة من جديد، بعد أن نضجت حتى احترقت كما ذهب إلى ذلك أمين الخولي منذ فترة طويلة.

نشأ النقد الأدبي في حضن الفلسفة، منذ أن جمع بينهما أرسطو إلى اليوم. ومعنى هذا أن التنظير المعرفي الفكري لا البلاغي الجمالي هو ما يجمع بين النقد والفلسفة.
ولكن المشكل في الثقافة العربية أن النقد صار جزءاً من البلاغة العربية، لأسباب متعددة، ربما كان من أهمها أن دخول النقد إلى حيز الثقافة ارتبط بالبلاغة التي كانت أقرب العلوم إليه، لما بينهما من تشابه شديد هو التعامل مع النصوص الأدبية، كما أنّ هناك عاملاً آخر هو عدم وجود تنظير فلسفي ينضوي تحته النقد، مع ما يعرف عن العرب من كره موروث للفلسفة وللمشتغلين بها. هكذا صار النقد جزءاً من البلاغة وابتعد عن الفلسفة والتنظير.

ورغم أنّ الأدوات النقدية قد تطوّرت عبر الزمن، فإنّ الغاية القصوى للنقد ظلت البحث عن جمالية الخطاب وعيوبه الفنية والعروضية واللغوية. فتوارت وغابت الأسئلة التي تربط بين الجميل وثقافة الجماعة ومثلها.
ولن يكون النقد الثقافي إلغاء منهجياً للنقد الأدبي، لأنه سيعتمد على المنجز المنهجي الإجرائي للنقد الأدبي، ولا يتأتى هذا إلا من خلال توظيف الأداة النقدية توظيفاً يحولها من الكون الأدبي إلى الكون الثقافي. فتتحول المصطلحات لتكون قادرة على أداء الوظيفة المنوطة بها في مجالها الجديد، إذ يتوسع مفهوم المجاز ومفهوم التورية، فيصبح المجاز الكلي بديلاً من المجاز البلاغي، والتورية الثقافية بديلاً من التورية البلاغية. ويضاف إلى هذين المصطلحين مجموعة مصطلحات أخرى، هي: العنصر السابع، والدلالة النسقية، والجملة الثقافية، والنسق المضمر، والمؤلف المزدوج. وخلاصة ما يذهب إليه الغذامي من استعمال هذه المصطلحات أنّ العلامات اللغوية لم تعد كافية لكشف ما تخبئه اللغة من مخزون دلالي، وأننا بحاجة إلى الكشف عن مجازات اللغة الكبرى. ففي كل خطاب لغوي هناك مضمر نسقي يتوسل بالمجازية ليؤسس قيمة دلالية غير واضحة المعالم، يحتاج كشفها إلى حفر في أعماق التكوين النسقي للغة.

وتبدو دعوة الغذامي إلى النقد الثقافي صدى لما يحصل في العالم الغربي، الذي تتجه فيه الدراسات الأدبية أكثر فأكثر نحو الدراسات الثقافيةcultural studies التي جاءت نتيجة للتداخل الشديد الحاصل بين النقد والفلسفة. فقد كسرت هذه الدراسات مركزية النص، ولم تعد تنظر إلى الأثر الاجتماعي الذي يُظن أنه من إنتاجه، بل أصبحت تنظر إلى ما يحمله النص من علامات ثقافية.
وينبغي أن نعترف بأن هذا التحوّل في الخطاب النقدي جاء صدى للتحول الذي أصاب الأدب نفسه، فلم يعد الأدب ذلك الكلام الجميل الذي يقرؤه المرء لمجرد المتعة، فهذه الوظيفة التي كان يؤدّيها الأدب انقرضت، أو هي في سبيلها إلى الاندثار، مثلها في ذلك مثل القارئ التقليدي الذي يقرأ أبا تمام والمتنبي وغيرهما. فهذا القارئ أصبح من الماضي بعد أن أعطت وسائل الاتصال المعاصرة الإنسان قدرة على التمدد لم تتوافر له من قبل، وزادت من قدرته على الرؤية والوصول. ولذلك فإن آليات التفسير القديمة صارت قاصرة عن ملاحقة التغير الضخم الذي أصاب الأدب، حينما انفتح على العلوم الإنسانية والفنون، مما أوجد أشكالاً جديدة من التعبير اللفظي والبصري، حققت انتشاراً واسعاً بفضل تطور وسائل الاتصالات .

وإذن فإن دعوة الغذامي إلى ترك النقد الأدبي، أو إنّ إعلان الغذامي موت النقد الأدبي، يعني أيضاً وفاة الأدب أوعلى الأقل احتضاره، وهذا ما يشير إليه الغذامي في حديثه عن انقراض القارئ التقليدي الذي يرى الأدب متعة جمالية فحسب، ولكن الغذامي لا يجرؤ على مدّ رؤيته حتى منتهاها ليعلن موت الأدب أيضاً. فهذه دعوة لا يصل إليها الغذامي، رغم أنّه يلمّح إليها في أكثر من موضع، ولاسيما حين يحاول أن يعطي بعض أساليب التعبيرية الأخرى القدرة على التأثير والأحقية بالدراسة أكثر من الأدب نفسه، ذلك أن التحول من دراسة شعر “ملتون” إلى دراسة “مادونا”، بل إلى دراسة الأبراج وما تقوله النجوم في صفحات الترفيه والتسلية، يشير إلى أن النص الأدبي التقليدي لم يعد هاجس النقاد أو الخيار الوحيد أمامهم.

وإذا عدنا إلى مقاربة المصطلحات التي يجعلها الغذامي علامة على النقد الثقافي، فإننا نجد أهمّها على الإطلاق ما يسميه الغذامي بالعنصر السابع الذي يضيفه إلى عناصر الرسالة كما هي عند “ياكبسون”، وهي: المرسل والمرسل إليه والرسالة وأداة الاتصال والسياق والشفرة. ومعلوم أن تركيز الرسالة على نفسها هو ما يمنحها صفة الأدبية. ولهذا العنصر السابع أو العنصر النسقي وظيفة لا نجدها لدى عناصر اللغة الستة، فهو الذي تقوم عليه منظومة المصطلحات الأخرى. ولاسيما الدلالة النسقية التي تعدّ حجر الزاوية في النقد الثقافي، إذ لم تعد الدلالات اللغوية كافية لكشف ما تخبئه اللغة من مخزون دلالي. فإذا كان الخطاب التداولي اللغوي يقوم على الدلالة الصريحة، والخطاب الأدبي يقوم على الدلالة الضمنية، فإنّ مهمّة النقد الثقافي تتجلّى في الكشف عن الدلالة المضمرة مادام النقد الأدبي عاجزاً عن الوصول إليها، منذ أن جعل همّه البحث عن الجمالي والبلاغي في النص الأدبي.

وانطلاقاً من هذا فإننا سنجد أنفسنا أمام جملة ثقافية تضاف إلى الجملة النحوية والجملة البلاغية اللتين يقف عندهما النقد الأدبي. فالجملة النحوية هي الجملة المتعارف عليها في علم النحو، والتي تحمل دلالة تواصلية نفعية،وكل نص لغوي يحمل جملاً نحوية يعتمد عليها إذا أراد أن يكون مفهوماً. أما الدلالة البلاغية أو الجمالية فإنها خاصة بالنصوص الأدبية التي تمتلك وظائف جمالية تضاف إلى ما لها من وظائف نفعية مباشرة. أما الجملة الثقافية فتشير إلى المخزون الفكري الذي يحمله النص، أياً كان هذا النص، وهذا المخزون لا يتعلق بإرادة المؤلف أو المرسل، ذلك أن هناك مؤلفاً مضمراً يختبئ في لا شعوره، يملي عليه القواعد الأساسية للنسق الفكري المضمر.

والحقيقة أن الغذامي يوظف أكثر من منهج في سبيل البحث عن الأنساق المضمرة في الخطاب، فعلم النفس بتمييزه بين الشعور واللاشعور، ومفهوم اللاوعي الجمعي الذي جاء به “يونغ” يبدو حاضراً عند حديث الغذامي عن مشكلة الفحولة المضمرة داخل النسق الشعري العربي منذ امرئ القيس حتى نزار قباني .
إذن، يتحول النص الشعري أو الأدبي عامة إلى خطاب فكري، يمتلك وظائف أكثر، من بينها الوظيفة الجمالية التي يقف عندها الناقد الأدبي، أما الناقد الثقافي فإنه يتجه إلى بيان الأسس الفكرية التي ينهض عليها هذا النص، وجلاء عيوب هذه الأسس، تماماً كما يفعل الناقد الأدبي في بحثه عن مواطن الجمال في النصوص الأدبية، والعيوب التي تنشأ في هذه النصوص. والناقد الثقافي في هذه الحالة أقرب إلى مؤرّخ الفكر، أو هو شبيه بفيلسوف الحضارة الذي يعني بالسمات المشتركة التي تميز حضارة من الحضارات عن غيرها. ويحق للباحث أن يسأل إذا كان النقد الثقافي جاء رداً على الدراسات البنيوية التي جعلت النص والنص وحده منطلقها ومنتهاها، وعزلت النص عن كل المؤثرات الاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها. قد يكون هذا صحيحاً، أو أحد أسباب هذا التحول إلى النقد الثقافي ،ولكن السبب المهمّ في رأينا هو تلك القدرة التي تمتلكها وسائل الإعلام المعاصرة على نقل المعلومات وتسهيل الحصول عليها، بحيث باتت الأشكال المعرفية القديمة أو المناهج النقدية القديمة غير قادرة على تفسير الظاهرة المدروسة.

لم يعد النقد، والحالة هذه، محصوراً ضمن دائرة النصوص الأدبية، ولكنه يتجه إلى أي ظاهرة بالدرس والتحليل ،محاولاً اكتشاف الخطاب الفكري المضمر تحت الوسائل الجمالية التي يستعين بها الخطاب لبثّ أفكاره. ومن الضروري أن يتجه النقد الثقافي إلى ما هو شائع عامّ متداول بين أفراد المجتمع، وخصوصاً العامة منهم، وأن يبتعد عن النخبويّ، لأن هذا الأخير يبقى محصوراً في فئة ضيقة، ومن ثم فهو لا يمتلك القدرة على التأثير، التي يحوزها الخطاب الجماهيري. كما أن النقد الثقافي يبقى مشروطاً بالظاهرة الجمالية وحدها، لأن النسق المضمر يستعين بالوسائل الجمالية لتمرير عيوبه وأديولوجيته تحت الغطاء الجمالي .
ولكي نوضح آلية عمل النقد الثقافي، نقف أمام المثال الذي جاء به الغذامي نفسه، وهو الجامع الأمويّ الذي يتحول إلى نص قابل للتحليل والقراءة، إذ يمكن قراءة هذا النص أو تحليله وفق المستويات الآتية:
1 ـ القيمة النحوية: وهي تقابل الجمل النحوية ذات الدلالية النفعية في علم النحو. والجامع الأموي من هذه الناحية، أعني وظائفه النفعية، مكان للعبادة، وقراءة القرآن، وتلقي الدروس، والاسترخاء والتقاء الناس. وكل هذه الوظائف نفعية، وقد وجد الجامع ليؤدي هذه الوظيفة، ولذلك فإن أيّ خلل في أداء هذه الوظيفة سيظهر على أنه لحن أو خلل في النص، كأن يُمنع الناس من الدخول إليه، أو ينقطع الماء فلا يتوضأ المصلون ولا يصلون .
2 ـ الدلالة الجمالية: فالجامع الأموي مبنى جميل، فيه الكثير من النقوش والرسومات الهندسية الأخاذة التي تبهر الناظر إليها، وهو من هذه الناحية مشابه للنص الأدبي الذي يحمل دلالات جميلة. ويشترك الجميع في تلقي هذه الوظيفة سواء أكانوا من المنتفعين بقيمته النحوية أم لا. ولكن النقد الأدبي يقف عند هذه الوظيفة مذ كان همّه البحث عن الجمالي، والكشف عن العيوب التي تضرّ بالوظيفة الجمالية للنص.

3 ـ الجملة الثقافية: يتحول الجامع الأموي في هذه القراءة إلى جملة ثقافية تحمل أو تكشف إشكالاً ثقافياً، أو علامة ثقافية. وأهم هذه العلامات نسبة المكان إلى الحقبة الأموية التي تمثل حقبة عربية إسلامية، وتدل على خطاب يمثل حالة تحول جذري في تكوين الأمة. فهو مسجد ينسب إلى عشيرة، تحتل موقعاً جدلياً في نفوس المسلمين، وعلامة على تحول الخلافة إلى ملك .
ومن الضروري التساؤل عن سبب بقاء هذا المكان من الحقبة الأموية، رغم زوال القصور والعمارات التي اتخذها خلفاء بني أمية.
يرى الغذامي أن النسق المضمر في الجامع الأموي نسق مضادّ للسلطة والتاريخ، فالمكان لا يحتفظ من الحقبة الأموية إلا باسمه، أما ما سوى ذلك فإنه لا يمتّ إلى هذه الحقبة بصلة، بل إنه يشكل نسقاً مضاداً لنسق السلطة. فالقبر الذي فيه هو قبر لنبيّ ليس له ديانة معروفة، وليس له أتباع، ومن ثم فهو لكل الناس ما دام غير محصور بفئة أو دين أو طائفة، كما أنّ في المسجد قبراً للحسين بن علي، وهو الرجل الذي قام بالثورة على خلفاء بني أمية .وإذن فإن كل ما في المسجد ليس أموياً باستثناء الاسم .
وهكذا يكشف الجامع الأموي عن جملة من الثنائيات المتعارضة:
الجماعي الفردي
الرمزي الحقيقي
الشعبي السلطوي
المطلق التاريخي
تلك كانت أبرز سمات النقد الثقافي وآلية اشتغاله على النصوص. ويبدو من السياق الذي يوظف فيه الغذامي منهجه أنه معنيّ بتفكيك آليات الخطاب وبيان عيوبه والمسكوت عنه داخله. ويظهر أن محاولة الغذامي هي إعادة الحياة إلى النقد الذي أغرق نفسه داخل النص، ولم يعد ينظر إلى خارجه، كما أنها محاولة ترمي إلى إعادة النقد إلى رحاب الفلسفة، بعد أن ابتعد عنها نتيجة لطغيان الدراسات الأسلوبية واللغوية في العقود الأخيرة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق