في الواقعية المسرحية السورية

"الشك دليل جيب للسائحين في الواقع"

علني أدرك الآن السر وراء تلك القدرة الوضاءة للشك، فلو كانت المسلمة نواة لكان الشك هالتها وما من منجز أو محصلة إلا وكان الشك سابقاً لها، والسبب في أن هذا المفهوم يبدو موسوساً وبشكل قهري بحب الاستطلاع وبإجبار الطبيعة على أن تغير من شكلها ووضعيتها دوماً، وكلما اقترب عبر المحصلات والنتائج من التحول إلى مسلمة يعود مستدركاً خصائصه وحقيقته ولهذا نرى أن كل نتيجة تقوم على الشك تحمل معها مبررات نقضها ابتداءً من الدين وانتهاءً بالفن.

ليس من العابر إذاً أن يكون للأدب والفن كل هذا الخصب وهذه القدرة على التوالد يومياً، فدائماً يوجد هنالك شيء نشكك بصحته أو بحقيقته وثباته، وعلى الرغم من أن هذه الجدلية التي تجمع الواقع بالفن تبدو بسيطة وضمن مدى المنال إلا أنها تنطوي على تعقيدات جزئية شديدة التشعب تبقي كلا الطرفين ملزماً باعتباراته الخاصة والذاتية أحياناً، ومن هنا قد ينحرف مسار هذه الجدلية، ومتى انحرف عندها سينتفي الشك بالواقع بالنسبة للفن ويصبح الواقع محصناً ضد الفن، وليس من علاقة واضحة تعيد الجمع بينهما إلا لأن الواقع يعتبر بمثابة المادة الأولية لإتمام المشروع الفني.

والحديث جار هنا عن الواقع الإنساني بكليته وعن الفن بالمعنى العالمي، وهذا بالضبط مايثير حفيظة المهتمين من مسرحيين وغيرهم وبالذات حول خصوصية الواقع وشمولية الفن، حتى بعد التسليم بأنه "الفن" وسيلة مثالية في تجاوز العوامل الجغرافية والديموغرافية على حد سواء.

ولكن يبقى الواقع السوري (مثلاً) محاصراً داخل طوق من المشاكل والتحديات الثابتة، وعليه ستبقى تلك الجمهرة الاجتماعية المكونة لذاك الواقع مرهونة لحساسيات جمالية وانفعالية خاصة تتبدل وفقاً لاتساع أو ضيق ذلك الطوق، أما الإجابة على هذا الحصر الاجتماعي فتقوم على اعتبار أن الشخصية المسرحية على الصعيد النفسي والإنساني بصرف النظر عن جنسيتها مشروع مؤثر في الفرد وفي أي مكان من العالم، وللحظة قد يبدو لنا هذا هو سر الفن العظيم بكونه نبوءة حية وأصيلة حول الرغبة في تطوير أشكال الاتصال البشري بين الأمم، وتعميم هذا النوع من التطهير والمعرفة الإنسانية المشوقة، والملهمة لعدد لابأس به من البشر، على امتداد الزمان والمكان.

بل وأكثر من ذلك، فالمبادرات العولمية التي يحملها الأدب والفن المسرحي تتجلى بوضوح في ترسيخه لصورة ثقافية ثابتة عن المجتمع والآخر عبر نموذج الشخصية المسرحية؛ شخصيات كـ" شايلوك" اليهودي، صورة لليهودي القابض على سلطة المال والحاكم بقوته، حالة الدمار الإنساني التي لحقت بأوروبا عقب الحرب العالمية الثانية وأثارت عند إنسان أووربا قناعات جديدة حول معنى الوجود، واعتقاداً بلا معقوليته وعبثه، كان التجسيد الأبلغ لها عبر شخصيات مثل " كلوف، هام، استراغون" البيكيتين ، "تربليف وأكاكي فيتش" ونمذجة تشيكوف لواقع التحول الاشتراكي في السوفييت.

لكن، وبالرغم من أسبقية المسرح بين وسائل الاتصال البشري، تبقى عناصره الأكثر بروزاً كالمحاكاة والإسقاط ذات شأن يهتم بتصوير ومعالجة القضية الاجتماعية الداخلية وضمن نطاق مغلق، وعلى أساس هذين المفهومين تدور عجلة الموسم المسرحي السوري في أغلب عروضها، على اعتبار أنهما يحققان بديلاً حيوياً يستعاض به عن أزمة التأليف للمسرح ذي الجنس السوري. وأعود إلى ثالوث الشك، المسرح، الواقع فمن الجوهري أن نرصد مؤشر العرض المسرحي نحو الواقعة المعاشة أو السالفة كي ندرك حجم المصداقية التي تربط المسرحي السوري "مخرج، ممثل، دراماتورغ" بواقعه أو بماذا يشكك كي يدعونا بهذه الحماسة إلى "عرضه"؟ هل من الممكن أن يعود بنا عرض مبني على الشك ونقض المسلمة إلى مبتدأ العلاقة العذراء التي تربط المسرح بالمجتمع ليوقظ فينا السؤال النائم أبداً..؟

إلى متى سيظل حديث الناس عن المسرح يحمل شغف الحديث عن الجنيات و"سعاله" الماء بعيداً عنهم، بعد الخرافة عن الواقع رغم خروجها من أفواههم؟؟ أو متى ستأتي المرحلة التي يبلغ المسرح فيها الوعي بالواقع، خاصة إن استطردنا في ملاحظة زخم المرحلة السابقة، إذ من الجائر شملها بما سبقها من مواسم هي بالمحصلة تشكل عمر المسرح السوري، فمن الملاحظ أن المرحلة القريبة قد سجلت للمسرح جموحاً خاصاً نحو إيجاد مسميات جديدة تضبط نشاط هواته ومحترفيه فهل كانت هذه القفزة نحو الواقع أم نحو نفسه (المسرح)؟؟

يشكل اختيار النص"أجنبي أو محلي" خطوة إستراتيجية أولى نحو الواقع، وإن استطعنا أن نميز جيداً بين الاستقصاء الاجتماعي الذي يود "المخرج" خوضه عبر نصه نحو الواقع وكل الجماليات الموازية التي يشتمل عليها فن المسرح، سنتبين الهوية التي كان أو سيكون عليها العرض إن كانت هويته جمالية تحاول إثارة الإبهار والإبصار خلال ساعتين من المتعة أم هي جدلية لايمكن الخروج بعدها بموقف مسبق أو نتيجة جلية يمكن الاعتماد عليها، ولا يحصل المشاهد بعد خروجه إلا على شعور مضنٍٍ بالضيق والتساؤل وأحياناً بالحرج، وليس السبب في ضرورة التمييز أن نقتصر على عنونة العروض أو أن نلصق بها التسمية كيفما اتفق، هذا جدلي وذاك جمالي، إذ ليس بالأمر الغريب أن يكون الجدلي جميلاً إن لم تكن تلك حقيقة، أو أن يستطيع الجمالي خلق جدل يبدو أنه لن ينتهي، بل في إدراك أن البحث الجمالي للمسرحية المنتقاة ينفصل منطقياً ووظيفياً عن البحث الاستقصائي المتجه نحو القضية الاجتماعية أو المسلمة المراد نقضها انطلاقاً من الشك بها، لا بل ويبدو كلاحقة لها.

لكن..! وبينما يزداد النص المسرحي توغلاً داخل الواقع المحلي الخاص كي يلائم شروط عرضه في هذا الواقع لابد وأن يختلط بمقتضيات عرضه جمالياً عند نقطة التنفيذ، وقتذاك سيتبدى هذا العرض عن جمال خاص ونوعي، والسبب هوأن هذا الجمال قد جاء من مكان الصراع الحقيقي وامتد داخل الفضاءات القريبة والمعاشة للقضية الاجتماعية، ولأنه واقعي "العرض" يركب جملته المشهدية من كل ماهو فادح وعقيم في هذا الواقع، لذا سيظهر الواقع المفترض "المسرحي" تطرفاً مشبعاً بالتفاصيل نحو الواقع الأصلي الى الحد الذي يتلاشى فيه الحاجز الذي يفصل بين العالمين، ليصبح شرط الفن قائماً على شرط الواقع ومن الصعب على غير الاختصاصي التمييز بينهما، وهي علامة تسجل لصالح علاقة الجمهور بالمسرح ضد حقيقة نخبوية المسرح السوري، إذ لاتزال معايير الاستحسان التي يبديها الجمهور السوري تجاه المسرحية مقترنة بمدى المصداقية التي تحققها.

( هذه المسرحية كأنها حقيقية ، لم يكن يمثل كان طبيعياً كما في الواقع) ومن المعلوم أن الكثير من مخرجي المسرح السوري في المرحلة السابقة نحو باتجاه المسرحية الواقعية شكلاًومضموناً، فهل لانتهاج الواقعية كأسلوب من انعكاس على الواقع السوري؟ خاصة وأن محاكاة الواقع المحلي عبر واقع مستورد يعتمد على إعادة بناء المنظومة الانفعالية واللغوية لتقريبها من المجال العاطفي والذهني للمتلقي المحلي، وإن قادت هذه المقدمات إلى نتائجها أم لم تقد لكنها ستفيدنا للتمييز بين نوعين من الفنانين المسرحيين السوريين في ضوء تجربة من تجاربهم وليس كلها؛ فالنوع الاول يبدو مستلباً لغواية النوع المسرحي مدفوعاً بهذه الغواية نحو إنجاز عرض لا تلحظ فيه صورة الواقع المحلي الموجه إليه، بمعنى العلاقة التي تجمع النص المستورد بالقضية الاجتماعية الحية، ولايمكن الربط بينهما بعبارة "هذا العرض وواقعنا"، بل شملهما معاً تحت مسمى "المسرح وشموليته الإنسانية"، لهذا لم يكن انتحال الواقع (الأميركي) على خشبة سورية في "عربة اسمها الرغبة، لتينسي ويليامز" للفنان غسان مسعود سبباً في استنفار وعينا تجاه تحولات المجتمع السوري بين اشتراكية راحلة ورأسمالية بدأت بإضفاء نكهتها الخاصة على مجمل يومياتنا "ولعلها المقاربة المراد رصدها" لأن تبيان انهيار النظام الإقطاعي في أميريكا وفرد السيطرة الرأسمالية عليه عبر الشخصية المسرحية " بلانش" لم يحمل معه أي صورة مألوفة لربطها بالواقع الخاص، على الرغم من أن العرض انطوى على ممثلين جيدين "وسينوغرافيا" مدروسة وأخاذة؛ ونجح في بث مناخ نوعي ثقيل ثقل النص الأدبي لكنه ظل رهن الواقع الأمريكي. وأكد هذا على دخول المخرج في امتحان ابتداعي مع المدرسة التي ينتمي إليها النص، وليس مع المسبب الاجتماعي الخاص من وراء هذا الإختيار، إذ تعالت الأصوات الناقدة مرحبة باقترابه الاكاديمي من مدرسة الواقعية الأمريكية واستحق اسمه بجدارة كعرض من الواقعية الاميركية دون أن يكون ذا معنى للواقع السوري.

وفي ذات المسار بدا عرض "الشوكة" لمخرجه "منصور السلطي" عن نص فرنسي لـ" فرانسوا ساغان" كأنه ترجمة مصورة للنص ودون أدنى موقف اجتماعي، وحتى الموقف الإنساني الذي يحمله كان قاصراً عن التأثير والتعميم لارتباط المشكلة الإنسانية بمهنة وبالتالي لاتولد هذه المشكلة ذات الشعور بالألم والخذلان والضياع لدى الجميع في حال فقدانها، ورغم الجهد الذي بذل في ممارسة الواقع المفترض فوق الخشبة بواقعية مفرطة عبر أفعال الممثلين وأغراض المكان لكنه ظل محرماً على التفاعل بسب أن الاختيار يفتقر إلى دوافع اجتماعية حقيقية أو شك مسائِل، لذا عجز عن خلق فهم بشيء عن أي شيء وظل العرض معنياً بواقعه المفترض مثل فيلم بدون ترجمة.

ولئن كان هناك تضليل في العلاقة بين المسرح والواقع فهو أمر يقع على عاتق الفنان نفسه، ففي كل مرة يتم تطبيق المحاكاة لصالح رغبات ونزعات فنية ذاتية، دائماً ما تعجزنا عن فهم الدافع من اختيار هذا النص فضلاً عن ذاك، ولا ندري سبباً لعرضه هنا وفي هذا الوقت، ولايبقى من تبرير لوجوده سوى انفتاحه على احتمالات المتعة والطقسية التي يثيرها هذا الفن المعتّق، وضرباً بالحائط لأثره الاجتماعي، وعليه يبقى الاغتراب قرين تلك العلاقة وشبحها ولايختلف بالهوية عن هوية أي عرض زائر إلا بفارق الإتقان. ولعل إشكالية مفهوم المحاكاة تكمن في بساطته، وإذا حاولنا العودة به الى معناه المجرد عن أي تأويل سنجد أن إعادة إنتاج تجربة ذات معنى ومواءمتها وتقريبها تحقق منه الجوهر، والبقاء في هذا المسار يوجه العملية الفنية نحو الواقع دون موقف شكلاني مسبق أو هيئة جمالية تتعلق بموضوع المسرحية دون أن يكون لها علاقة بالقضية الإجتماعية بمعناها الخاص "المحلي".

وتتطلب المسرحية الواقعية بوصفها فناً، ولتكون ذات مصداقية عند المشاهد، أن تلتقي بالواقع عند محور الأزمة الإجتماعية المراد تحريرها عبر المسرح، ولاينتج عن هذا اللقاء إلا الانغماس أكثر فأكثر في جماليات تفاصيل الواقع الحي، مثلما تجد جمالاً في التهام زهرة استوائية متوحشة لعصفور ملون.

إن الفن القائم على هذا الفهم الجدلي وعلى التحرر من سطوة جماليات المسرح الثابتة والمتعلقة بالنوع المسرحي من ِشأنه أن يمنح الفنان قوة لاستقطاب الجمال من واقعه؛ جمال معنوي قد يدير ظهره حتى لخشبة المسرح ويدفع بصاحبه كي يقدم عرضه الواقعي في أي مكان،" نفق، حافلة مهجورة، معتقل، منجم"، أو ملجأ كما جرى في عرض المهاجران إذ لم يكن اختيار المكان مجرد محاولة في بحث التجريب المسرحي بل شجاعة تؤكد على فهم نزيه لمتطلبات النص الواقعي المترجم تجاه الواقع المحلي وتشكيك بالسائد في قضية الهجرة والهروب من المكان الى المفهوم أو من الموت الى الحياة والعودة إليه بقبول ورضى، شخصيات بلا أسماء ولا حتى مستعارة لكنها كانت شخصيات سورية من لحم ودم .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق