في الوضعيّات النكوصيّة وفي أنّ الجنون افتراق المصير عن الحاضر نقد مقال الكاتبة رجاء بن سلامة “في الوضعيّات النّكوصيّة وفي أنّ سبب الجنون هو توحّد الأصل بالمصير “

يندر أن نجد علاقة توازن بين إنسان الحاضر والحاضر المفروض عليه، حيث تكتنف حياته جملة شروط تجعله غير قادر على التوحد مع الحاضر، فينزوي أو يندمج أو يتجه نحو الماضي عزما منه على مواجهة الحاجات المنقوصة في حاضره الذي لفظه. هذه العودة والاتجاه قد تصل بالفرد أو الجماعة الأصولية إلى الجنون أو الجهاد أو الانتحار والاستشهاد.

توصيف الكاتبة للوضعية النكوصيّة للأصوليّة صحيح بعد اكتمال تشكلها كظاهرة محدّدة بمواصفات معيّنة ولكنّها ليست بسبب رفض الأصوليّ لحاضره أو لأنّه يتبنّى ” إيديولوجية سياسيّة فحواها رفض الحاضر والرغبة في التطابق مع الأصل ” بل إنّ الحاضر هو الذي يرفض تلبية حاجات المواطنين ويمنع عنهم تكيّفا مناسبا، وهو الذي يلفظ المواطنين ويتكرر اللّفظ في غياب الحلّ، حلّ المشكلات المعقّدة للبنية الاجتماعيّة، لا سيما ما يخص المشكلات الاستعمارية أو طرق ديمومة البرجوازيات التابعة والمخصيّة عن الثورة الحداثية.هذه المشكلات تتطلّب الحلّ والخلاص وهي الأصل في المشكلة الأصوليّة. وباعتبار أنّ ثقة الناس في الإيديولوجيات الحداثيّة (ماركسية وقومية وليبرالية وديمقراطية) مزعزعة ولا تشكل رافعة للحلم بالتغيير بعد التجارب الكارثية، فإنّ الوحيد الذي يؤمّن الرحمة والحماية والسكينة والصفاء والهويّة هو الماضي، والعودة للتوحّد به. وبذلك تتحقّق للأصوليّ حالة وهميّة تخييليّة من التوازن والانسجام وهو ما يظهر في الجنون أو القتل أو دمار الذات. وأحياناً بأشكال أخرى متعدّدة فكرية وسياسيّة واجتماعية.

ما قلناه يعني أن الأصوليّة ظاهرة سياسيّة ونتاج أزمات طبقات البرجوازية التابعة والممسوخة. فالأصولية ليست مسألة ذاتية ولكنها -وإن كانت صفة لجماعة محددة وتخص”الموضوع المحرم أو “أصل الجماعة” -فإنها مشكلة موضوعية تجد تفسيرها سياسياً في عدم انخراط المجتمع في السياسة العامة وعدم التدرب على العمل العام والانزواء في الخاص وعدم التعبير عن الذات أمام الآخر، واجتماعياً في عدم وجود وعي حداثيّ وعلاقات اجتماعية مستقلة وانعدام فرص العمل، واقتصاديّا في عيش تناقضات لا يستوعبها العقل وليس من المسموح به التعبير عنها.. ونتيجة لذلك أرى أنّه لا يصحّ القول أنّه” يحرّك وقائع السياسيّ أو الحروب نشدان الصفاء والهوية ” لأنّ هذه الصفات جزئية وبسيطة في مشروع الاقتتال الأهلي ذي الطبيعة الأصوليّة ولكنّها أساسية في الأيديولوجيا السياسية وفي الأصولية والطائفية. وإذا افترضنا وجودها كصفات فإن التأكيد عليها متأت من هامشية مشروع الحداثة الذي لم يشكّل مشروع صفاء وهوية جديدة.

الجنون له أسباب عديدة، وعالمنا يحتوي اللامعقول بمسافات أوسع من المعقول ولكن بغضّ النظر عن ذلك فإنّ المجنون أو القاتل أصبح له مكان يُقيد به وهو المصحّة أو السجن أو المعاهد التأهيليّة. المفارقة أن الحاضر الماثل في سيطرة الدولة لم يعد يهتم بأمر العاقلين والمجانين معاً. وهذا ما يدفع هؤلاء إلى أشكال متعددة من الرفض لهذا الحاضر. إنّ الأصولي الجهادي، إذن، متوحّد بجنون مع ماضيه المتخيل أو مع الأصل الذي يَرغب فيه ويُدفع إليه. ولو أمعنّا في ما تتمّ استعادته فإنّنا نلاحظ أن الأصل المستعاد يتناسب مع حاضر الأصوليّ المفتقد. وبالتالي ليس من أصل واحد كما أن الحاضر ليس واحدا، ولكن الأصولية جزء من حاضر ينتجها وهي بدورها تستعيد جزءا من الماضي يتناسب معها. فيكون لها سنداً في وجه المشتبهين والرافضين وتكون له سنداً شرعياً وفتاوى تدعمه.وهي في هذا توحد مصيرها بأصل يتناسب معها وهو ما يساوي الجنون والدمار وهذه حالة الجهادية المتأسلمة.

إنّ منهجية التحليل النفسي الفرويدية ليست صالحة لوحدها لتحليل الظاهرة الأصوليّة حيث تُشخصن الظاهرة وإن كانت جزءا من عدة مناهج تسمح لنا بتفسير هذه الظاهرة بكل ارتباطاتها واشتراطاتها ومآلاتها. وإذا كان مُمكناً تفسير الحب العذري أو سلوك بعض ممثليه عبر مفهوم “متعة المنع وتنظيم المنع” وكذلك “عدم فاعلية الإخصاء الرمزي” فإنّ هذه الظاهرة تتطلّب تحديدها بكونها ظاهرة سياسية بالدرجة الأولى، وهي نتيجة تعثر مشروع الحداثة في إطار السياسة بصفة خاصة وكذلك في الثقافة والوعي والاقتصاد .وهذا ما أدى إلى ظهور ظاهرة الأصولية التي لم تعد محصورة ومحددة بمجموعة جهادية بل أصبحت جزءا من منظومة وعي وسلوك وثقافة وانفصال عن بقية الشعب أو بقية المجموعات الدينية المختلفة. ونقصد أن الأصولية تتمدّد ثقافياً وسياسياً واجتماعياً لا بسبب قوة حضور الماضي بل بسبب هشاشة حضور مشروع الحداثة أو حتّى وجوده وهيمنة الدولة على كل مفاصل الحياة بما هي سلطة استبدادية. الهشاشة هنا لا تعني ضعف وجود الأفراد أوالمرتكزات الأولية أو التراكمات التاريخية بل تعني ضعف ترابطها وفوضوية تنظيمها وغيابه بالأحرى وكثرة مشاريعها المختلطة وطغيان المصالح الشخصية وغياب الرؤية الجامعة والتباس مفاهيمها الخ..

ما وصفت به الكاتبةُ الأصوليّةَ كظاهرة صحيح حيث أصبحت”منشدّة إلى الأصل “وفي”وضعيّة عجز عن الانفصال عن الأصل”و”بالتالي تبقى منغمسة في عالمها الخاص لاهثة وراء حلم مستحيل”و”هذا ما يؤدي بها إلى الرغبة في الموت بصيغة مختلفة”.

نعم. إنّ الجنون والجهادية والأصولية لم يعد لها حلّ في الشرط العالمي الأمريكي لأنه هو سبب مشكلات العالم بصورة عامة وكبديهية مركزية وكفاعلية منتجة، وبالتالي تعيش الأصولية من أجل الموت ودمار الذات ودمار الآخر ودمار العالم وتخليصه من هذا الشرط وهنا تتعقد المسألة لوجود ارتباط بين القاعدة والدولة الأمريكية وجزء من أنظمة العرب كما صار معروفا وبالتالي الحاضر مفتاح تفسيرها بما أن فيه تفسير الخلل النفسي لتبنيها كمشروع.

إن الأصولية إبنة ” العصر الحديث ” وهي ما يؤشر على هشاشة هذا العصر الذي يفتك بالملايين ويفقرهم، بأشكال متعددة. ولو قرأنا قليلاً من تقارير الصحة والمرض والموت والفقر والاستبداد والحروب الأهلية أو الاستعمار في فلسطين والعراق لتبين لنا حجم مآسي هذا الحاضر.إنه يرفض البشر ورفضه هذه المرة لا تملؤه البشرية بمشاريع تحتفظ بحقل الحداثة وتتجاوز أزمات العالم الرأسمالي وعالم الاشتراكية السابق بل في العودة إلى[القومية، العشيرة] أوالدين كهوية صفاء وتوازن وتأصيله وتسييسه كفاعلية في”تدمير السياسيّ والحروب الأهلية”.

أخيراً إن الرفض الإسلامي المدعوم بصدام الحضارات وتهويمات بوش”المقدسة”يكون بالجنون القاتل وبالدمار الكبير وبالعيش في وضعية نكوصية لا تصالح فيها مع الحاضر ولا مع المستقبل. وبالتالي الأصولية الجهادية ظاهرة سياسية ورد فعلٍ على عالمٍ موحدٍ بعنف لا محدود، وتمارسه هي بفاعليةٍ نشطةٍ وبجنونٍ كاملٍ وبحلمٍ تملؤه مكوّنات جنات الله اللاّمحدودة؟!..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق