في الوعي الفلسفي بالحداثة

بين انطلاق مخاض الحداثة الغربية والوعي بها مسافة زمنية كبيرة جدا· فقد انطلقت ديناميتها هذه بالتدريج مع أحداث تاريخية (اكتشاف العالم الجديد من طرف كريستوفر كولومبوس سنة 1492، وسقوط بيزنطة سنة 1453 وعلمية (اكتشاف الطباعة مع غوتنبرغ 1440، فلكيات كوبرنيك 1526 واكتشاف الدورة الدموية…) وفكرية (النهضة الفنية في إيطاليا، وأطروحات لوثر الاحتجاجية 1517… وظهور كتاب “مقال في المنهج” لديكارت سنة 1637…)· هذه الأحداث يأخذ بعضها برقاب بعض ضمن دينامية كلية لم تتوقف إلى الآن· فالأحداث المشار إليها إنما كانت إيدانا بانطلاقة أو علامة عليها، أو إذنا بإنطلاق المباراة التي لم تنته أشواطها إلي الآن بل لا يبدو أنها ستنتهي قريبا· فالحداثة ما تزال تشكل الأفق المنظور للعالم الحديث·
هذه الأحداث والوقائع المتنوعة والمشتتة في المكان والزمان، والتي أدرجها المؤرخون باكرا ضمن عهد تاريخي جديد هو العصور الحديثة، هي في الظاهر أحداث لارابط بينها باستثناء عملية إدراجها ونظمها داخل تصنيف زمني للعصور·
أول مفكر وعي بشكل واضح الروابط العميقة بين هذه الأحداث واستشعز جدتها الكلية بالقياس إلى ما سبقها، بل فطن إلى الدلالات الفلسفية المشتركة بين هذه الأحداث المتناثرة، هو الفيلسوف الألماني هيجل·

لكن هذا الحكم ليس محط إجماع من طرف المشتغلين بفلسفة الحداثة وتاريخها الفكري· فالبعض يتحدث عن ديكارت باعتباره أب الفلسفة الحديثة، فهو رائد المنهج الذي هو الخطوة الأولى في العلم عامة وفي العلم الطبيعي خاصة، وهو أول من استشعر أهمية الذات الفردية والوعي الفردي وجعله أساس الفلسفة كما تعبر عن ذلك مقولة “الكوجيتو” الشهيرة لكن الألمان ينكرون ذلك· وهذا في الحقيقة نزاع حدود بين الألمان والفرنسيين فالأوائل يمجدون هيجل، وقبله كنط، ويعترفون لديكارت في أحسن الأحوال بفضل الافتتاح لا غير، مثلما نلمس ذلك في كتابات فيلسوفين ألمانيين كبيرين هما هوسرل وهيدغر حيث يجتهد هذا الأخير في نزع الكثير من صلاحيات ديكارت ليسبغها على ليبنتز مثلما يجتهد هوسرل في التقليل من الأهمية الفلسفية لديكارت· في حين يميل الفرنسيون إلى اعتبار ديكارت بمثابة العلامة الفارقة المميزة للفكر الحديث بل الواضعة للأسس الفكرية الأولى للحداثة·

لكن بغض النظر عن موقع ومكانة ديكارت في فلسفة الحداثة فإن هناك نزاعا آخر بين كنط وهيجل· فالكنطيون الجدد في كل من ألمانيا وفرنسا يعتبرون كنط هو فيلسوف الحداثة، لا فقط من خلال وعيه بمعنى وطبيعة عصر الأنوار، بل من خلال فلسفته ذاتها· فهي الفلسفة التي وضعت أساس كل الفكر الحديث بالتمييز بين أنشطة معرفية متباينة : العلم ـ الأخلاق ـ الفن؛ ومن ثمة التمييز بين نقد العقل النظري، ونقد العقل العلمي، ونقد الحكم الفني· وكنط بهذا التمييز قد افتتح مسيرة استقلال المعرفة عن الدين، وشرع في نفس الوقت للعلم الطبيعي من حيث هو استجابة للقدرات المعرفية الطبيعية للإنسان، مثلما حمى الدين من هجومات العقل النقدي مميزا بين مجالات العقل ومجالات الإيمان، مضفيا بالتالي المشروعية على كل واحدة منهما على حدة·

والطريف في الأمر أن بعض الفرنسيين ينصبون أنفسهم مدافعين عن أهمية وأولوية كنط، وأنه هو “مفكر الحداثة” بامتياز، وذلك من حيث أنه يدعو إلى التفكير في السياسة والحق والأخلاق خارج الاعتبارات الميتافيزيقية، مثلما أنه يضفي النسبية على المطلق باعتباره شرط إمكان الأخلاق الإنسانية ذاتها وفكرة من أفكار العقل؛ أو كما يقول ميشيل فوكو في مقاله الشهير “ماهي الأنوار؟”، الذي يتناول فيه بالتحليل مقالة كنط بنفس العنوان، فإن هذا النص هو “نقطة انطلاق، وخطاطة أولية لما يمكن أن نسميه بموقف الحدثة”·

أما هابرماس فهو أيضا ـ على الرغم من تأكيده بأن هيجل هو أول فيلسوف طور بوضوح مفهوم الحداثة، كما ورد في الفصل الأول من “الخطاب الفلسفي للحداثة” ـ يرى أن المبدأ الأساسي للحداثة، الذي هو مبدأ الذاتية المتجسد في الدولة والمجتمع، والعلم والأخلاق والفن، يجد تعبيره المجرد في الفلسفة حيث يتجلى كذاتية مجردة في الكوجيتو الديكارتي، وفي الوعي الذاتي المطلق لدى كنط· بل إن هيجل لا يغمط ديكارت وكنط حقهما في استصداء الحداثة حيث يشير إلى أن ديكارت هو أول فيلسوف اكتشف اليابسة أي الذاتية كأرض صلبة للحداثة· كما يذكر هابرماس أن هيجل يرى أن جوهر العالم الحديث يتركز في الفلسفة الكنطية، ويعبر عن نفسه من خلالها·

يرجع الفضل لهيجل في أنه أول مفكر انتبه إلى ما خلف مصطلح “الازمنة الحديثة” المتداول عند المؤرخين، مبينا أن العصور الحديثة هي شيء جديد تماما إذ أنها مختلفة نوعيا عما سبقها· كما كان له الفضل في نظم الأحداث الكبرى المؤسسة للعصور الحديثة (اكتشاف العالم الجديد، النهضة، الاصلاح الديني) في خيط واحد موجدا الجامع المشترك بينها· لقد تبين هيجل أن هناك شيئا جديدا كليا، جديدا جدة مطلقة مع إهلال الأزمنة الحديثة، واستشعر قبل غيره هذه الجدة وسلكها ضمن وحدة في الرؤية حيث يقول في مقدمة كتابه الأساسي “ظاهريات الروح” : “ليس صعبا أن نرى أن زمننا هذا هو زمن ميلاد وانتقال إلى حقبة جديدة· لقد انفصل الروح عما كان يعتبر إلى حد الآن عالما له وجوده وتمثله، إنه على وشك ابتلاع كل ذلك… إن اللامبالاة والقنوط اللذين يجتاحان كل ما تبقى، وكذا الاستشعار الغامض لمجهول قادم هما بمثابة علامات تبشر بأن شيئا جديدا مختلفا أخذ يتهيأ· هذا التفتت… يخطط لبناء عالم جديد”·

حاضر هيجل، أي الحاضر المتمثل في فلسفة الأنوار، والثورة الفرنسية يندرج ضمن أفق هذه التحولات التي تعود إلى مفصل سنة 1500م والتي تؤثثها أحداث كبرى كالنهضة والاصلاح والاكتشافات الجغرافية· إن كل هذه الأحداث تمثل إلى حد كبير “البزوغ الرائع للشمس”، وتمثل “المرحلة الأخيرة للتاريخ”.

إن استشعار هيجل للحداثة، ونظمه لوقائعها ضمن مبدأ واحد، وتبينه لجدتها الكاملة بالقياس إلى ما سبقها من عصور جعله يعتبر الحاضر الذي تولده الحداثة هو الموضوع الأثير للفلسفة، بل هو المشكلة الفلسفية الأساسية· وذلك من حيث أن الاضطرابات التى ولدتها الحداثة تدفع الفلسفة إلى البحث عن التوازنات المفقودة مثلما تُحدثُ اضطربا فكريا وروحيا وقلقا يكون “مصدر الحاجة إلى التفلسف”·

ويعود الفضل لهيجل كذلك في تشخيص الماهية الفلسفية للحداثة التي هي برأيه “حرية الذاتية الإنسانية”· إن “ما يجعل عصرنا هذا عصرا عظيما هو الاعتراف بالحرية وبملكية الفكر”· يقوم هابرماس بتفكيك عناصر مبدأ الذاتية كالتالي : النزعة الفردية، والحق في النقد واستقلالية الفعل البشري والفلسفة المثالية التي هي حسب هيجل نتاج للأزمنة الحديثة وتعبير عنها·

لكن اعتبار “المثالية الفلسفية” علامة على الحداثة وأثرا من آثارها يثير العديد من القضايا الشائكة· فمبدئيا تبدو المثالية نزعة فلسفية مضادة ـ بحكم مثاليتها ذاتها ـ للحداثة، ويبدو أن صروحا فلسفية أخرى هي أقرب إلى منطوق الحداثة وروحها كالبراغماتية، والوضعية، والوجودية، والماركسية والتجريبية·

فالنزعة التجريبية هي الاحتكام إلى الحس والخبرة والتجربة في المعرفة والتقييم، وبالتالي فهي رفض لأية سلطة خارجية باستثناء سلطة التجربة والملموس والمشاهد· وبالتالي فهي الفلسفية الحديثة والحداثية حقا· أما الوضعية فهي فلسفة الفصل بين الذات والموضوع فصلا مطلقا، وبين أحكام الواقع وأحكام القيمة أي الأحكام الوصفية عن الأحكام الذاتية، وبالتالي فهي فلسفة أقرب إلى روح الحداثة·
أما الفلسفة البراغماتية فهي الفلسفة التي تعطي الأولوية للفعل وللسيرورة بدل الغايات، معيارها النجاعة والفائدة· وبالتالي فليس هناك حاجة إلى إقامة الأحكام والمواقف على مرتكزات ثابتة أو على أسس وغايات قصوى· أما الوجودية فهي فلسفة تقوم على أن الأحكام والحقائق لا تقوم على أساس موضوعي بل على اختيار شخص وحميمي، ومن ثمة طابعها الجائز واللامبرر· والماركسية فلسفة تاريخيا نية ترجع كل الوقائع والأفكار إلى محدداتها الاجتماعية والاقتصادية رافضة أية فكرة قبلية وأية غائية موجهة للتاريخ وهي فلسفة الحداثة بامتياز·

غير أن التشخيص الفلسفي للحداثة كحركة تاريخية فكرية قوامها الذاتية كحرية وعقل، والتاريخانية ستتشكل حولها “ايديولوجيا” للحداثة ستسميها الاتجاهات التي تقول بأن الحداثة استنفذت نفسها واننا بطور الانتقال إلى ما بعد الحداثة، ستسميها أساطير الحداثة وهي الإرادية والفردانية والعقلانية،والتقدم، والتحرر والوحدة·

بل إن ما بعد الحداثة توجه للحداثة نقدا من عدة زوايا فما بعد الحداثة ترفض النظريات والانساق التفسيرية الكبرى كالماركسية والتحليل النفسي… وغيرها من النظريات التي تقدم تفسيرا لكل الظواهر وتوجه الممارسة الانسانية نحو تحقيق المزيد من التحرر والتقدم· ما بعد الحداثة تقول نهاية الاعتقاد في التقدم، وفي المستقبل الأحسن وفي القدرة الكلية للعلم· كما تنفي العقلانية لانها تعتبر العقل شاشة تنعكس عليها الرغبات وإرادات القوة، كما تنفي الأسس الفلسفية للعقلانية والمتمثلة في الذات مقابل الموضوع وفكرة الأصل والمباشرة· إذا كانت الحداثة تهتم بالواحد والذات والوعي والعقل والتقدم فإن ما بعد الحداثة تركز على المتعدد والضدي والهامشي واللاسوي والمختلف والجسد والذوق والمنسي والمكبوت والمسكوت عنه…إلخ·

تتشكل ما بعد الحداثة فلسفيا من جينيالوجيا نيتشه التي تمثل الجذر الفلسفي لكل اتجاهات ما بعد الحداثة وذلك عبر خطوطها الثلاث الكبرى: خط نظرية السلطة (فوكو وباتاي) وخط الاختلاف والمحايثة عند دولوز وغاتاري، وخط التقويض الذي يمثله هيدغر وديريدا ومن سار في دربهما·

غير أن هناك نوعا من التداخل والخلط بين مقومات أو ديناميات الحداثة (فاعلية الانسان ـ فاعلية العقل ـ النظرة اللاغائية للطبيعة والتاريخ) وبين مستلزماتها ولصائقها المباشرة (التقدم ـ التحرر ـ التسامح··) فالنقد ما بعد الحداثي لا يطال “محركات” الحداثة بقدر ما يطال هالتها الإيديولوجية المتمتلة في الثقة في التفاؤل والتقدم والتحرر وغير ذلك من الصور الوردية التي رافقت الحداثة الظافرة، لأن التاريخ الحديث الملئ بالمآسي والتعثرات والنكوصات قد برهن على عدم صحة وعلى عدم دقة الأحلام والآمال التي عقدت على الإنسان والعقل والتاريخ، وعلى أن لهذه الصورة الوردية ظلالا سوداء كثيرة·

إن فلسفة ما بعد الحداثة مراجعة نقدية جذرية للبنية الإيديولوجية للحداثة مما يعني أنه على الرغم مما تعنيه كلمة ما بعد التي توحى بالتجاوز والزمنية والتخطى والتنكر فإن ما بعد الحداثة هي تعميق وتجذير لمنطق الحداثة وتخليص لها من شوائيها اليوطوبية أكثر مما هي تخطٍّ لها على الرغم من كل رقصات الموضات الفكرية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق