في بؤس “الوعي النقدي” التبسيطي الاختزالي: سماح إدريس مثالا… خالد سليمان- بدرخان علي

غالبية المثقفين العرب القوميين تبسيطيون، تحريضيون، وتقاس الثقافة في أحكامهم وفقاً للمقايضة والمبايعة. الضجر والغضب، هما الفعلان الأوضح والأكثر حضوراً للوعي بالأشياء ومبايعة التبسيطية لديهم. فكما انبنت الدولة القومية الألمانية على تبسيط العنصرية وجعلها منطقاً غلبوياً في صناعة المجتمع الكاره لغيره، تقارع النخب العربية الثقافية أية مظاهر تقرّب المشتركات بين المختلفين.

ثمة وقائع في الكتابة اليومية وإعلان المواقف، وسجالات عقيمة وركيكة لغة وخطاباً وسياقاً، تُمرجع ذاتها بأخطار متمثلة غالباً بعدوانية الأقليات والصهيونية والإمبريالية. وهي في حدودها المسترشدة بالدوائر الكالحة التي طالما أصبحت فعلاً للإستبراز، أخطار تراكمية، “أو”، كمونية وتناظرية الأبعاد تقاسم العدوان على الأُمة العربية.

إن أي إرباك للوعي الاستبدادي العربي والأنظمة القومية التي تأسست بمقتضاه في العالم العربي يقودنا إلى دور حيوي للأقليات أو الأغلبيات الممنوعة من الصرف السياسي والهوياتي، وإلى الإنفتاح على الخارج بطبيعة الحال. فأي دور للأقليات في العالم العربي والإسلامي، مؤشر لزعزعة مركزية الدولة أو تفتيت الدولة ومؤسساتها وهيبتها وفقاً للمصطلح السائدة في الثقافة السياسية .

من هنا يأتي دور الأغلبيات الممنوعة من الصرف السياسي والهوياتي في العراق (الشيعة والكُرد نموذجاً )، مربكاً ليس للكيان السياسي العراقي الجديد فحسب، بل للثقافة السياسية العربية ونخبها ورموزها. ولا تخفي الأوساط الثقافية العربية مساندتها للديكتاتوريات القومية والعائلية كرادع “وطني” ضد محاولات تفكيك المركزية أو ” اللامركزة ” إن صح التعبير. وما كتبه سماح إدريس و تركي علي الربيعو ومحمد سيد رصاص ومنذر الموصللي و عبد الباري عطوان وفيصل القاسم ومصطفى بكري وآخرون ، هو في الجوهر ضد القوى السياسية “الجديدة” (والكورد تخصيصاً)، ودورها في احتلال موقع لائق في الخارطة العراقية وإعادة رسم السياسة فيها، بعد تهميش طال عقوداً من الزمن، قبل أن يكون ضد “الإمبريالية والصهيونية” .

تالياً، كان صدام حسين مستبداً وطنياً ولو على خارطة جميع مقابره الجماعية وسياسة التنكيل التي طالما أصبحت ركيزة قوته في صناعة عراق أراده كمزرعة بلا أغصان وألوان. أما مبدأ حقوق الإنسان وقتل النساء بالفأس أمام حشود البعث المغلقة لتنظيف بغداد من ” لدعارة ” وتزويج الكرديات والشيعيات لضباط الأمن والمخابرات قسراً، فكان وسيلة للحفاظ على “وحدة العراق”.

الحديث هنا ، عن كلام سماح إدريس حصراً إذ كلف “خاطره ” وكتب عن حقوق الإنسان وجرائم الشرف في كردستان بعدما أصبح تقرير “سيمور هيرش ” مرجعه للحديث عن العلاقة بين الكُرد والإسرائيليين . وحول هذه النقطة الثانية، إذ تبدو فيها فكرة صَهيَنَة الكُرد أقوى من إنسانية الكاتب المتمثلة بحقوق الإنسان، افتراضا وادعاء، يُلاحظ بأن هناك فكراً تحريضياً يدفع الكاتب لجلب الآخر نحو تخوم صراع للرمز فيه دور أكبر من الواقع العربي. فالصراع العربي – الإسرائيلي بمعناه التاريخي لم يعد سوى أيقونة رمزية ترتسم الذات العربية بمقتضاها ، ولذلك يُختبر أي طرف آخر يرى ذاته خارج العلاقة ذاتها بمقاسات التخوين وحسب.

ليس غريباً البتة ما يثيره صاحب مجلة الآداب البيروتية في عددها الجديد(أنظر نص الافتتاحية) بخصوص انعقاد مهرجان المدى الثقافي الخامس في مدينة أربيل (كردستان العراق) إذ كتب بأعصاب مشدودة عن الاعتدال العربي بعدما جعله جسراً للعبور إلى ضفة “الشقيق الكردي” المعتدل المُستهدف الأول والأخير. لقد عجز صاحب الآداب، كاتب الافتتاحيات السياسية القومية ضيقة الأفق، وأحادية الرؤية والنظر، عن قراءة الواقع كما هو،ذاك أنه كرر ما قاله غيره بحق الكُرد. ولا يخرج ما قدمه في “نقد الوعي”النقدي”:كردستان العراق نموذجاً” عن سياق الصورة المنمطّة التي رسمها الإعلام العربي الغارق في أصوليته القومية البدائية كالصحيفة التي التقطت المقال-الافتتاحية وأعادت نشرها واختارت من فحوى المقال –بأمانة- عنواناً تفوح منه رائحة الحقد والكراهية والضغينة ” كردستان الحرة: موساد وجرائم شرف وتطهير عرقي للعرب و التركمان” ووضع موقع الكتروني آخر عنواناً فرعياً للمقال نفسه أكثر هولاً “كردستان الحرة أرض الجريمة”!

لنتذكر، ها هنا،أن سجالاً مشابهاً تماماً دار بين مثقفين عرب قبل خمس سنوات عشية انعقاد مهرجان المدى الأول، حينها لم يكن تقرير سيمور هيرش قد صدر بعد ولا “كان الطالباني قد وقع وثيقة الاستسلام” ولا قام الأكراد بحملات تطهير عرقية للعرب(والتركمان كما يضيف صاحب “القدس العربي”.ولاندري لماذا تجاهل ضحايا الأكراد الآخرين الآشوريين والصابئة والمندائيون والشيعة وو؟) ولا الحديث المبالغ،نعم المبالغ،عن انتهاكات حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحرية التعبير في كردستان العراق الدي درج على ألسنة كتاب من الأشقاء العرب حريصين جداً على واقع ومستقبل المواطنين هناك. هنيئاً لبني الكورد هذه الالتفاتة الكريمة من أشقائهم العرب ودفاعهم المستميت عن حقوق الكورد المهضومة في كردستانهم المحررة!(ولكن هل يحق لمن سكت دهراً عن الإبادة الجماعية للكورد ،أن يعتبر نفسه اليوم داعية لحقوق الإنسان في كردستان؟)

إذن، ليس ما يكتبه السيد إدريس، أو ما يظهر للسطح السياسي-الإعلامي، جهلاً أو تجاهلاً بل هو ميراث استعلاء وإنكار ومكابرة نظّر له خطاب عروبي ساهم في نسج مفرداته لا سياسيون وإعلام حكومي ورسمي فحسب،بل كتاب وأدباء كبار وصغار أيضاً.ولنتكلم قليلاً عن الكبار وحدهم هنا، كمحمد الماغوط الذي اتهم سليم بركات بالشعوبية ومعادة العرب وبأن في كتاباته حقدا على العرب لمجرد أنه أتى بشخوص رواياته وأجوائها من الوسط الكردي،زكريا تامر الذي أباح قتل أطفال “حلبجة” بالأسلحة الكيمياوية دفاعاً عن هيبة الأُمة،إدوارد سعيد المثقف الكوني الكبير الذي وضع نفسه في موقع لا يحسد عليه أبداً بنفيه استخدام نظام صدام حسين الغازات السامة في حلبجة والأنفال ، المفكر المغربي المعروف محمد عابد الجابري في موقفه التبريري لصهر القوميات غير العربية في بوتقة الأمة العربية… لكن صهراً حضارياً بالطبع،على طريقة ميشيل عفلق.

كان الأجدر بالسيد إدريس أن يستنتج من ملف الآداب عن “العروبة بعيون كردية” قبل بضع سنوات مدى حساسية العلاقات العربية –الكردية واضطرابها ومسؤولية المثقف العربي الكبيرة إزاء تلك العلاقة،لكن تناوله لواقع كردستان جاء سطحياً وتعبوياً وبدا تأثير “الشعبانية” المصرية واضحاً في مجمل ما كتبه في مقاله- تقريره المذكور إذ يقفز فيه من الحديث عن الوعي النقدي العربي إلى الهجوم على –الاعتدال- وبعض من اللبنانيين الذين لا يلتقون مع خطاب “الآداب” ومن ثم إلى كردستان، وعنها، تلك الكلمات المقدّسة التي نشرها سيمور هيرش في نييوركر الأميركية عام 2004 (وهو التقرير المحتفى به عربياً و الذي لا يرقى إليه الشك ولا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه، خلافاً لما تذهب إليه المدرسة القومية نفسها بدحض أي تقرير أميركي وإسرائيلي)، وفيها انتهاك حقوق الإنسان وجرائم الشرف(هل اختفت تلك الجرائم نهائياً في ديار المسلمين والشرق كلها، ولم تبق إلا في كردستان وحدها؟)، إنما الهدف الأساس فيما ذكر هو صناعة صورة إسرائيلية للكُرد . وهاجس “الأسرلة” والأمركة ما انفك يبرحبالقوميين العرب بمشاربهم المختلفة، منذ إشهار الكرد كرديتهم –دون رتوش-على الملأ و”تملصهم وتحللهم” من أي انتماء –عضوي- للعروبة، لا سيما بعد أن “فضل” الكورد الحماية الدولية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية على الإبادة الجماعية من لدن قائد عربي كان يعرف ماذا يفعل لمواجهة إسرائيل لولا المؤامرات الداخلية والخارجية على مشروعه “القومي”.يا لخبث الأكراد ودهائهم وكرههم وخيانتهم للعرب!

لا تختلف رؤية النخبة في جعل “التخوينية” مرآةً للذات عن الثقافة الشعبية الرثة التي طالما تقاسمت البطولة والكراهية مع المغني الشعبي “شعبان عبدالرحيم”. فإذا جعل هذه الأخير “شعارات” الحشود المنفعلة فناً مبتذلاً وصنع لنفسه من خلالها النجومية، ترسم غالبية النخب العربية الثقافية لنفسها بورتريه كالح تختلط فيه الأصولية القومية والدينية واليسارية الطفولية، إنما في إطار ظاهرة المغني الشعبي ذاته.

لسنا بصدد الدفاع عن قيادات كردية بعينها وجرائم الشرف في كردستان ولا انتهاكات حقوق الإنسان، التي يصورها السيد إدريس وكأنه في أي بلد عربي آخر، لكننا نرى في تناولها على طريقة تعليقات قرّاء المنتديات الأنترنتية المليئة بعناصر “التحريض الشعبي” شيئاً من الإهانة للثقافة والوعي النقدي طالما وضعهما الكاتب عنصرين رئيسيين في مقاله. وهو يجهل بطبيعة الحال السجالات التي تدور في الأوساط الثقافية الكردية حول المسائل الاجتماعية والسياسية والمدنية في كردستان، ذاك أنه يعي الواقع هناك من خلال تلك الصور القاتمة التي ترسمها له المخيلة القومية العربية. بيد أن النيل من التجربة الكردية الوليدة، من قناة الأحزاب الكردية، وهي نتاج نضال متواصل يضرب بجذوره عميقاً في التاريخ الكردي وخلاصة كفاح مرير خاضه شعب بأكمله، وهي لها ما لها وعليها ما عليها مع إدراكنا الكامل للخطايا والأخطاء الكبيرة والصغيرة لتجربة الأكراد في الإدارة الذاتية وما يشوبها من نواقص، على هذه الصورة الاستفزازية التحريضية والتحاملية غير النقدية، دون إبداء موقف تضامني حقيقي مع قضية شعب بأكمله لا قضية أحزاب وشخصيات فحسب، يهدف في النهاية إلى نفي أهلية الكورد لإدارة إقليمهم وربما “الحاجة إلى ديكتاتور” أيضاً.

ليس ما نريد قوله هو أن الثقافة العربية بمجملها صمّاء وعصيّة على الانفتاح والتسامح فهذا حكم غير صحيح وغير منطقي، ومن الخطأ الكبير اختزال ثقافة واسعة وبالغة التنوع والمنابت لتلك الرؤى وحدها إذ مقابل تلك الأصوات نتذكر أسماء لامعة في عالم الثقافة والفكر العربيين،فضلاً أن مثقفي العراق عموماً، بخلاف المثقفين العرب غير العراقيين، كانوا الأكثر تفهماً للقضية الكردية، على ذمة المفكر الراحل هادي العلوي. لكن المشكلة، هنا، أن هذه النخب لم تنتج تياراً ثقافياً تنويرياً يعتد به في مواجهة التصورات الشعبوية ذات النبرة الخطابية العالية التي سرعان ما تأسر جماهير تعاني من جرح نرجسي عميق، وانكسارات أحلام بناء إمبراطورية “قوية” بقيادة مستبد عادل أو غير عادل.

ليس كل الأكراد ملائكة،ولا كل العرب مستبدين،ولا العكس بالصحيح.ومن السذاجة أصلاً الحديث عن شعب ما، ككتلة ثابتة موحدة،بمواجهة شعب آخر،بمعزل عن الشروط السياسية وخيارات النخب السياسية والثقافية.

إن ترسيخ القيم الإنسانية العليا في الثقافة السائدة لشعوب المنطقة،بمجملها، بات مهمة ملحة إلا فالانزلاق نحو مستنقع العنصرية والاقتتال وحرب الكل ضد الكل.
هنا تحديداً نحن بحاجة لمثقفين حقيقيين،عرب وكورد….

أو ليس انعقاد مهرجان ثقافي للاحتفاء بشاعر عربي كبير كالجواهري في قلب كردستان العراق خطوة جديرة بالتشجيع لإرساء ثقافة إنسانية مشتركة بين شعوب المنطقة وإصلاح ما هدمته الديكتاتورية والشوفينية، بصورها المتعددة،من قيم التسامح والمحبة والتعايش التاريخي المشترك بينها؟…

-* كاتبان كرديّان

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق