في تأويل صورة” المتّشحات بالسواد”: أنا أُرَى إذن أنا موجود

في فصل لافت من كتاب الباحث الميديولوجيّ العادل خضر (في الصورة والوجه والكلمة، دار مسكلياني، تونس ) تعليق معمّق طريف على الصورة المصاحبة لهذا المقال، صورة نسميها “المتشحات بالسواد”. وقد ربط العادل خضر، عموما وجوهريّا، بين لباس النسوة الخمس والانسحاب من سياسة المدينة.

وربّما كانت هذه الصورة أو نظائرها مألوفة في مدن كثيرة، عربيّة وإسلاميّة أو غيرهما: لفيف من النسوة المتشحات بسواد العباءة (نقاب أو حجاب أو تشادور . . . ومشتقاتها) لا يرى منهنّ شيء عدا القليل من العيون، ينزلن من درج إحدى البنايات (لعلّها إحدى المؤسسات العموميّة) في مدينة ما. وفي أعلى الصورة، على اليمين، رجل أمن بزيّه الرسميّ. صورة تجمع المرأة “المسلمة” (على مذهب من المذاهب ليس من المهم تحديده) والشرطيّ “حارس المدينة” وبينهما حاجز أحمر.

ولم يلحّ العادل خضر في تأويله لهذه الصورة على مسألة الحجاب أو النقاب وإنّما على تفاصيل أخرى تتصل بانقلاب الوجه، بموجب الحجب، إلى لا وجه بما أنّ الوجه يرتبط بالرؤية واللّقاء، وباستحالة الشخص، بموجب التشابه بين الحجاب والكفن شمولا للتغطية والستر، إلى لا شخص بما أنّ الشخص يقتضى الشخوص والظهور. والتوليفة السحريّة الواقعيّة إنتاج أشباح تَرَى ولا تُرَى من جهة، وفسخ لعَقد المدينة (المدنيّة) الذي يستوجب صيغا “للعيش معا” وصورا ممكنة للوجود مع الآخر من جهة أخرى. ومن مقتضيات هذه المواجهة (من الوجه) المؤسِّسَة للمدينة أن يكون الشخص رائيا ومرئيّا، ناظرا ومنظورا إليه. فكيف يمكن أن نتعايش، على نحو سويّ، مع الأشباح التي ترانا ولا نراها؟ وكيف يمكن أن نوجد معا وبعضنا بلا وجه نراه لنتواصل معه؟ “فأن نكون هو أن نُرَى” على حدّ عبارة الفيلسوف بركلاي.
من هنا كان التدمير الذاتي للوجه والشخص تقنية للإفراغ البصريّ وبناء للاّمكان أو للاَمكانٍ مُقتطعٍ من فضاء المدينة. وأفضل ما يعبّر عن هذا اللاّمكان هو الرهبانيّة، أو ضرب منها، باعتبارها قطعا للرابط الاجتماعيّ. فتتعطّل بذلك وظائف الوجه والشخص والعلاقة الاجتماعيّة.

من هذه الخيوط الرهيفة نسج العادل خضر الصلات بين نفي الوجه ورفض المدينة على سبيل الانسحاب من العالم.
ولكن المشكلة أن هذه الصورة الثابتة، وهي ككل الصور تلتقط الحركة لتجمّدها في لحظة تخرجها من سياقها بالضرورة، تحتاج إلى أن نعيد إليها الحركة:الحركة في فضاء المدينة والحركة في الفضاء الاجتماعي. والمشكلة، أيضا، أنّ لهذه المعاني التي وجدها المؤوّل في صورة ” المتّشحات بالسواد” مقاما لانعرفه بدقّة فهو مفتوح، رغم ثبات الصورة، على احتمالات شتّى في التّأويل والتنزيل. ومعنى هذا أنّنا نحتاج، للفهم والتفهّم، إلى البحث عن تداوليّة هذه العباءة (نقاب، حجاب، تشادور . . . إلخ). فمثل هذا اللّباس يتعدّد بتعدّد الأمكنة والمدن وما لها من خلفيّات ثقافيّة ومحمولات رمزيّة. فهذه الصورة في أرض الوهّابيّين تحمل دلالة تختلف عنها في مدينة الضباب. فنحن أمام حُجُب مختلفة وإن كانت واحدة في شكلها.

فلو نزّلنا الصورة في أرض الحجاز بدت معبّرة عن واقع التقسيم الصارم للفضاء العموميّ الذي تفرضه مؤسّسات الإسلام الوهّابي بحثا عن طهرانيّة وهميّة أي عن تخييل يحدّد سياسة الجسد وتقنيات محاصرته وإقصائه حتّى عند حضوره في المدينة البادية. وعلى كلّ حال فلسنا هنا أمام “عودة للحجاب” لأنّه لم ينقطع، على حدّ علمنا، وإنّما تواصل بدلالاته الرمزيّة والاجتماعيّة والجنسانيّة حتّى بعد أن صُبّت البادية في قالب المدينة دون أن تستجيب لمقتضياتها الرمزيّة. فلا مكان للجسد السافر الذي يُرى منه الوجه، على الأقلّ، ولا مكان للصورة على بطاقة الهوّيّة. وهنا يترابط فعلا حجب الوجه ونفي الشخص وشطبه من فضاء المدينة. ولا وجه للسؤال بعد هذا عن حقّ المرأة في أن تَنتخِب وتُنتخَب مثلا ولا حتّى عن حقّها في قيادة السيّارة أو أن ينقذها رجل إذا كانت المدرسة تحترق. ففتنة الجسد أشدّ من الموت حرقا. إنّه حكم الشرع كما تمثّلته عقول مأزومة تشطب وجود المرأة والحال أنّها تسعى إلى أن تخفي أزمتها الحادّة وتفتّت هوّيتها المنسجمة وهما مع أصل موهوم في عالم متحوّل لم يترك لها ركنا مكينا تستند إليه غير تخييلاتها وبؤس أساطيرها.

حينها، وحينها فقط، سيكون “حارس المدينة” حارسا لهذا الوهم وحاميا للمدينة من فساد الوجوه السافرة. ولحارس هذه “المدينة البادية” أعضاء أهليّون وأعوان من قبيل جحافل “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” الذين ينكرون المدينة أصلا.

ولكن ماذا لو نزّلنا الصورة، صورة “المتّشحات بالسواد”، في بلاد مجلّة الأحوال الشخصيّة التي عمد فيها “المجاهد الأكبر”، الحبيب بورقيبة اللاّئكي عند البعض والمصلح الوفيّ لمقاصد الإسلام عند آخرين، إلى أن ينزع بيده في الشارع، وعلى مرأى من الناس، عن بعض النساء “السفساري”( الزيّ التقليدي للمرأة التونسيّة) والخامة (غطاء تضعه على الوجه). وتشهد الصور التي التقطت حينها، في بداية الستينات، على هذه “الفضيحة الخلاّقة” التي فتحت للمرأة المسلمة في تونس أفقا للخلاص . . . والحيرة أيضا.

هنا، في هذا الفضاء، يصحّ الحديث عن عودة الحجاب ومشتقّاته. بل قل هو مقدّمة لخطر اجتماعي داهم ذي شكل سيميولوجيّ يتصل باللّباس ولكنّه ذو بعد سياسيّ أعمق يمثل احتجاجا على سياسة المدينة الحديثة وتيّاراتها التحديثيّة وأزماتها (أليست الحداثة في جوهرها أزمة متواصلة ؟) ويعبّر عن احتجاج صارخ على رصيد رمزيّ للدولة والمجتمع التونسيين في محيط عربي إسلاميّ ضاغط. لذلك فإن تسمية هذا الحجاب بلغة الدولة التونسيّة بـ”الزيّ الطائفيّ”، على ما فيه من تشنيع واتهام بالخروج عن الملّة، ليس من باب التعبير المجازيّ بل هو من باب دفاع الدولة عن هويّتها وتمثّلاتها الممأسسة في مواجهة مسعى إنشاء دولة داخل الدولة وبناء مجتمع داخل المجتمع وإعادة توزيع الفضاء العموميّ والاجتماعيّ بحسب تصوّرات يعتقد حاملوها من الإسلاميين والإسلامويين والمحافظين عامة أنّها تمثل الأصل والهوّيّة والمقدّس المفقود أو المهدّد بالتلاشي.

إنّه فعلا، بوجه من الوجوه، زيّ يعبّر عن “طائفة”، سياسيّة في جزء منها واجتماعيّة محافظة في جزئها الأغلب، تعمل، أو تتوهّم ذلك، على أن تعيد “المجتمع الجاهليّ” الجديد إلى نقائه الإسلاميّ الأول. ويتكفّل اليوم تحالف الإسلام الوهّابي وفضائيّات الدخول إلى الجنّة بإتمام الدعوة حتّى أصبحنا نرى في تونس جميع ألوان الحجب بالأسود والأبيض. . . وبالألوان أيضا.

ولا نظنّ الشرطيّ في أعلى الصورة إلاّ حارسا لقيم الدولة التي على أساسها سعت إلى تشكيل وعي مواطنيها، أو رعاياها سيّان، وتشييد فضاء عموميّ يقوم على الوجه والشخص والمواجهة دون اعتبار للجنس حتّى وإن كانت شروط المدينة غير مكتملة وحتّى إن أفرط الحارس في استعمال العصا، أحيانا، لحماية الحمي. والحاجز الأحمر الفاصل بين المتشحات بالسواد والشرطيّ يكتسب هنا دلالة قويّة حقّا.

إنّه حكم الدولة “حامية الحمى والدين”، على حدّ العبارة التي يلوكها الخطاب الرسمي في تونس، وراعيته الوحيدة. الدّولة التي تحتكر، بحكم تعريفها، العنف وتريد أن تحتكر الدين في مواجهة صراع التآويل والمصالح المغلّفة بالدين، وأن تحتكر الحداثة أيضا بحكم أنّها تعرف، أو تعتقد أنّها تعرف، ما ينبغي أن تكون عليه المدينة.

والمفارقة هنا، وربّما قلنا الأزمة كذلك، أنّ المخاض عسير عسير: فلا حبل المشيمة المقطوع مع ماضي المرأة قد انصرم نهائيّا ولا هو قادر على أنّ يمدّ الجنين الذي بلغ النصف قرن تقريبا بغير الغذاء الفاسد في محيط عربي إسلاميّ يعاني من الازدواجيّة، يحسد المرأة التونسيّة على ما حقّقته في دنياها ويراها ضحيّة اختيارات سياسيّة أفقدتها دينها. . كما يتخيّلونه طبعا؟

قد نكون حرّكنا الصورة الثابتة بين حدّين أقصيين ولكن علينا، من حيث التنزيل السياقيّ، أن نجعلها تتحرّك في محيط متعدّد الأديان والطوائف (لبنان مثلا). فأيّ معنى للتحليلين السابقين حينئذ والأصل أن يكون الشرطيّ حاميا للتعدّد والاختلاف والتنوّع والتعايش وإن كان اختلافا وحشيّا مبنيّا على توازن هشّ والحال أيضا أن يكون الزيّ المخفي للوجه في المدينة حاملا لدلالة الاحتماء بالطائفة لتثبيت الهوّيّة مادامت المواطنة المدينيّة تستوجب ذكر الطائفة على بطاقة الهوية نفسها؟فأيّ تحليل ينطبق على مثل هذا المجتمع المأزوم جوهريّا بطائفيّة تلبس زيّ المواطنة ومواطنة تعبّر عنها، ويا للمفارقة، الأزياء الطائفيّة المختلفة؟

لا نريد تحريك الصورة أكثر بأن ندرجها مثلا في مجتمع قائم فعلا على مفهوم المواطنة ولكنّه لا يترك للغرباء، مع حقوقهم في المواطنة، إلاّ فرصة الانصهار التامّ إلى حدّ الانسلاخ أو الاحتماء بالعرق أو الطائفة أو الدين أو أبناء بلد المنشإ والتعبير عن هذا الانتماء بأشكال مختلفة. لنتصوّر للحظة عابرة هذه الصورة وقد التقطت في نيويورك أو لندن حيث الخليط من الأعراق والأديان والأقوام . أيكون هذا الزيّ أمارة انسحاب من المدينة أم علامة على رغبة عارمة في الاحتماء بالهوّيّة ولو رمزيّا داخل المدينة دون فقدان الوجه . . أو بالأحرى ماء الوجه؟

تتشابه الأزياء، تتشابه اللاّوجوه، ويتناسل حرّاس المدينة. ولكنّ في التكرار فروقا وفي تماثل الوظائف تنوّعا لسبب يبدو بسيطا على قدر تعقّده: إنّ تمثّلاتنا ليست مطلقة بل هي أسلوبنا، السليم أو الخاطئ، في أن نعبّر عن وجودنا . . أو انسحابنا من الوجود طالما لم نجد لنا واقعا، نفسيّا أو تاريخيّا أو اجتماعيّا، مضيافا يتيح لنا أن نكون حين نُرَى. وقد نكون نضيع فرصا كثيرة لكي نكون ولكن هل لنا دليل واحد على أنّ الإنسانيّة لم تبن نفسها عبر التاريخ، وربّما أساسا، بإضاعة الفرص وإطالة أمد الأوهام والتخيّلات المدمّرة للذات وللآخر؟هل لنا دليل واحد على أنّنا بعقلانيّتنا وتراكم ثمارها الزكيّة قد طردنا الأشباح وأوقفنا الموتى، كلّ الموتى، عن أن يحكمونا من وراء قبورهم؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق