في ترتيب العلاقة بالنصّ (القرآن المفهرس)

يقرأ النّاس عادة،من “رسالة الغفران” قسم الرّحلة، ويغفل أكثرهم قسمها الثّاني”الردّ على ابن القارح”، وهو ليس بأقلّ متعة من سابقه. بل لعلّه أغنى وأجرأ.
من هذا القسم اخترت النصّ الآتي:”أليس الصّحابة ـ عليهم رضوان الله ـ كلّهم كانوا على ضلال، ثمّ تداركهم المقتدر ذو الجلال؟وفي بعض الرّوايات أنّ عمر بن الخطّاب خرج من بيته يريد مجمعا كانوا يجتمعون فيه للقمار، فلم يجد فيه أحدا فقال:لأذهبنّ إلى الخمّار، لعلّي أجد عنده خمرا.فلم يجد عنده شيئا. فقال:لأذهبنّ ولأسلمنّ.
والتّوفيق يجيء من الله سبحانه وتعالى بإجبار،وفيما خوطب به النّبي صلّى الله عليه وسلّم:”ووجدك ضالاّ فهدى”[لضّحى،آية8].

وذكر أبو معشر المدني [من الرّواة وأصحاب السّير والمغازي.ت.170هـ ] في”كتاب المبعث” حديثا معناه أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم ذبح ذبيحة للأصنام، فأخذ شيئا منها، فطبخ له. وحمله زيد بن حارثة، ومضيا ليأكلاه في بعض الشّعاب. فلقيهما زيد بن عمرو بن نفيل،وكان من المتـألّهيـن في الجاهليّة [أي من الحنفاء التّوحيديّين، فقد اعتزل الأوثان وما يقدّم إليها. كما نهى عن وأد البنات]، فدعاه النّبي ليأكل من الطّعام، فسأله عنه فقال[النّبي]: هو من شيء ذبحناه لآلهتنا. فقال زيد بن عمرو:إنّي لا آكل من شيء ذبح للأصنام،وإنّي على دين إبراهيم. فأمر النّبي زيد بن حارثة بإلقاء ما معه.
وفي حديث آخر، وقد سمعته بإسناد:أنّ تميم بن أوس الداري [كان نصرانيّا وأسلم] كان يهدي إلى النّبي في كلّ سنة راوية من خمر. فجاء في بعض السّنين، وقد حرجت الخمر [حرمت]،فأراقها.”

هذه الإشارات وغيرها من شوارد السّيرة ـ وهي أكثر من أن نلمّ بها في مقال كهذا ـ ممّا يحتاج إليه الباحث، لإعادة ترتيب العلاقة سواء بالسنّة والسّيرة النّبويّة أو بالنصّ القرآني نفسه. والمسوّغ لذلك أنّ الخطاب في هذه المصادر الثّلاثة يعقد علاقة مخصوصة بالذّات المنشئة، سواء من خلال اللّغة المشتركة، أو من خلال ما يسمّيه المعاصرون “مغامرة لغويّة” أو”مختبرا لغويّا”، وهو ما يمكن أن يوسم به نصّ مثل القرآن. إذ يصعب دون ذلك، أن نفسّر كيف يكتسب القرآن تفرّده، ويبني إيقاعه الخاصّ.

غير أنّ آصرة القربى بين “الذّات” وخطابها، تقتضي التّمييز بين “الذّات” و”الشخصيّة “، دون أن يستتبع ذلك الفصل بينهما كلّ الفصل. والبحث المتجرّد من السّمعيّات المقرّرة دون سند من نصّ، مسوق في جوانب منه، إلى الإستئناس بسيرة النّبي، قبل الدّعوة وبعدها، واستقراء أخباره والوقوف على مختلف التأثّرات التي ألّمت به والإلمام بأحوال عصره، إذ لا مفرّ من وجود علاقة زمنيّة مكانيّة بينه وبين خطابه، برغم أن لا أحد منّا، بميسوره أن يستنبط من هذا الخطاب -مهما احتشد له- ما كان يدور بخلد المنشئ، ويضطرب في نفسه، أو أن يعرف حقّا كيف طفر النبيّ من الشخصيّة ولا كيف نجم الإيقاع من النصّ أو من الجسد.

ولكنّ هذا الخطاب مهما يكن تفرّده، ليس ثمرة عقل خاصّ أو نفس خاصّة فحسب، وإنّما هو ثمرة نصوص وخطابات أخرى أيضا تتحدّر إليه من أكثر من صوب، وتتردّد في جوانبه مجهورة حينا، مهموسة حينا، ممّا يراكم خطابا فوق خطاب، وإيقاعا على إيقاع. ومثال ذلك هذه الإشارات الخاطفة التي ساقها أبو العلاء،من سيرة النبيّ قبل الدّعوة (تقديم الذبائح للأصنام) أو قبول الخمر هديّة، قبل تحريمها، أو المعجم التّجاري المطّرد في القرآن (الخرج ـ الأجرـ القرض ـ الكيل ـ الميزان ـ الرّهان…).فهذا ممّا يصعب فهمه خارج سير التّفاعل بين شخصيّة النبيّ وشخصيّة التّاجر.

تترتّب عمّا تقدّم أمور عدّة، لعلّ من أوكدها، ما كان ينادي به بعض الباحثين، في النّصف الأوّل من القرن الماضي، من ضرورة إعادة ترتيب المصحف. كتب زكي مبارك عام1935 في تقريظ “القرآن المفهرس”، وتحديدا “تفصيل آيات القرآن الحكيم” وهو العنوان الذي تخيّره محمّد فؤاد عبد الباقي ترجمة لكتاب جول لابوم Le Coran analysé:”وصدور هذا الكتاب أنقذني من ورطة كنت معرّضا لعواقبها المضجرة. فقد فكّرت منذ أعوام في الدّعوة إلى ترتيب المصحف ترتيبا جديدا يساير موضوعات القرآن. وكنت أخشى الاصطدام بالرّأي العام الذي لا يقبل تغييرا للتّرتيب الذي جرت عليه المصاحف منذ عهد عثمان. وكانت حجّتي أنّ المصحف رتّب بعد وفاة الرّسول. فليس من المحتوم أن يبقى على ترتيب واحد طول الزمان. أمّا الآن فقد استغنيت عن هذا المشروع بفضل هذا الكتاب. فالمصحف للتّلاوة، وهذا للبحث…”

ومن هذا الجانب نقدّر أنّ ترتيب العلاقة بالنصّ [القرآن] على ضوء مفهوم”التلفّظ” يمكن أن يعين على فهم صفة التّفاوت، تفاوت الإنشائيّة في النّصّ وعدم اطّرادها على نسق واحد. بل ربّما يعين في حدود قد تتسع وقد تضيق، على إدراك الأفكار المتصرّفة بالنبيّ أو أن ننظر إليه من ناحية نفسه ونوازعها الخاصّة وبواعثها الدّخيلة. وهي لا شكّ في غاية الدّقة والتّعقيد، بحيث لا يملك الباحث إلاّ أن يقف على حدودها دون أن يقدر على السّير في مجاهلها، إلاّ أن يجمع بين طريقة المؤرّخ وأسلوب النّاقد.

فربّما أخرج لنا من شوارد الأخبار ومتخلّف الآثار، وهو يحتال بها ولها في كثير أو قليل من الدّقة وكثير أو قليل من حسن التّأتّي، شخصيّة نابضة بالحياة. ولكنّها شخصيّة تقوم في الأغلب الأعمّ على وقائع منتخلة لا من كتب السّيرة أو من روايات شتّى فحسب ينسّقها تنسيقا خاصّا، ويرتّبها ترتيبا تاريخيّا تعاقبيّا، وهو يوزّع ظلاّ هنا وضوءا هناك، عسى أن يحفظ لها نوعا من الاتّساق ويظهر لنا بذلك سير التّفاعل بين الشّخصيّة وأثرها أو كيف تأثّرت ببيئتها وعصرها، وإنّما من النصّ القرآني أيضا، وتحديدا من السّور التي تومئ إلى شخصيّة النّبي، أو تشيد بمآثره، أو تتناول طبيعة رسالته…فهذه وغيرها أقرب ما تكون إلى نمط من السّيرة الذاتيّة.

وبالمقابل فإنّ الباحث الذي يتجافى عن شخصيّة النبي في بعدها الإنساني ولا يرتضي أيّ جهد في توصيف بيئتها، وإنّما يمرّ بها لماما؛ لا يبخس النبي حقّه أو ينكر على البيئة نصيبها، بل يحجب على طابع النّصّ “الاستثنائي” ويجحف بحقّ معناه أو دلالته أو قيمته ومزيّته.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This