في تطاول الفتوى على العلم… وعواقب ذلك

 عرضت في مقال “مجتمعات التكفير ومجتمعات التفكير” قضية التكفير باعتبارها وجها من وجوه تجاوز المفتي حدود الإفتاء الديني إلى تهديد أمن الأفراد واستقرار المجتمعات وهو ما ينبغي أن يدخل في دائرة الزجر والعقاب مثل كلّ الأعمال التي تترتب عليها الجرائم والجنح. ثم عرضت في مقال “فتوى بعدم جواز دوران الأرض” وجها آخر من تجاوز المفتي حدود الإفتاء الديني عندما يتدخّل في مسائل علميّة من اختصاص العلماء بالمعنى الحقيقي وقد كانت المسألة المعروضة متصلة أيضا بقضية التكفير. وما أرغب في بيانه من خلال هذا المقال هو أنّ سلبيات الفتوى المضللة قد تتجاوز تكفير شخص بعينه وتهديد حياته إلى نشر الموت ثقافة لمجتمع بأكمله.
لست من هواة محاسبة الموتى ومحاكمة التاريخ، غير أنّ العديد من القضايا المعاصرة لا يمكن أن تفهم إلاّ من خلال امتداداتها التاريخية الطويلة وأصولها المخيالية العميقة. ولست من الذين يلقون على الفقهاء وحدهم مسؤوليات الماضي، فهم جزء من نظام عامّ متنوّع ومعقّد لا يمكن اختصاره في بعض الأحكام المتسرعة. لكنّ الواقع أنّ سيادة “العقليّة الفقهيّة” هي نتيجة تضخّم الدور الفقهي دون حدّ وتقلّص المعارف الأخرى، ونتيجة توسّع المؤسسة الفقهيّة على حساب مؤسسات معرفية واجتماعية أخرى كانت حاجة المجتمعات والبشر إليها أكثر تأكّدا. وسنقدّم في هذا المقال الحجّة على أنّ بعض الفتاوى المضلّلة كانت سببا في موت الملايين من المسلمين أطفالا ونساء ورجالا وقد تجاوز عددهم ضحايا غزوات المغول والتتار.

حدث ذلك منذ ما يعرف بالوباء الأعظم وهو وباء اجتاح العالم بأسره في القرن الرابع عشر ميلادي (الموافق للقرن الثامن الهجري) وهو القرن الذي عاش فيه ابن خلدون وقد ترك في نفسه أثرا بالغا إذ فقد بسببه والديه والعديد من شيوخه، ووصل هذا الوباء إلى تونس بين سنتي 1348 و1349 وتحدّث عنه ابن خلدون في مقدّمة “المقدّمة” فوصفه بأنّه “الطاعون الجارف الذي تحيّف الأمم وذهب بأهل الجيل وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها (…) وانتقض عمران الأرض بانتقاض البشر فخربت الأمصار والمصانع ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل وضعفت الدول والقبائل (…) وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة”. ووجود ابن خلدون في ذلك العصر دليل على أنّ نزعة التعقّل لم تنطفئ جذوتها بعد، إلاّ أنّنا نعلم موقف الفقهاء من ابن خلدون فقد رفضوه ورفضوا إدماج علمه في المنظومة المعرفية التي أضحوا مسيطرين عليها. ومن الذين حاربوه في حياته نذكر مغربا ابن عرفة الذي كان من كبار فقهاء المالكية، ومن الذين استنقصوه وذموه بعد مماته نذكر مشرقا ابن حجر العسقلاني وهو فقيه شافعي وصاحب أهمّ الشروح على صحيح البخاري ما زال شرحه يتداول ويعتبر المرجع والحجّة وعنوانه “فتح الباري بشرح صحيح البخاري” وقد فقد ابن حجر أيضا بعض أفراد عائلته في الطاعون.

فزع الناس إلى ابن حجر ليفتيهم في شأن هذه المصيبة العظمى التي حاقت بهم فأخرج لهم رسالة عنوانها يختزل محتواها: “بذل الماعون في فوائد الطاعون”! أخبرهم الفقيه المحدّث ابن حجر أنّ النبيّ قال: “الطاعون شهادة لأمتي ورحمة لهم ورجز على الكافرين”. فعلى أمّة محمّد أن لا تفزع من الطاعون وإنما تنتظره بالفرح والبهجة فمن مات به فاز بالشهادة واعتبر في عداد الشهداء. ويترتب على ذلك طبعا أن لا يستشير الناس الأطباء في أمره لأنه كما يقول “قد أعيى الأطباء دواؤه حتّى سلّم حذاقهم أنّه لا دواء له ولا دافع له إلاّ الذي خلقه وقدّره”. وبما أنّ الفقيه هو الممثل للخالق المدبّر فهو الذي يتولّى منذ اللحظة مسؤولية إرشاد الناس بشأنه. وانتقلت القضيّة من البحث عن التوقّي من الوباء أو معالجة المصابين به إلى تحديد آداب استقباله والاحتفاء به باعتباره رحمة من ربّ العالمين وسبيل الشهادة للمسلمين. أمّا افتراض أنّ الطاعون ينتقل بالعدوى كما كان يقول الأطباء فقد أصبح من الممنوعات الدينيّة ومن مذاهب الكفر، يقول شارح البخاري: “المحصل من المذاهب في العدوى أربعة: الأول أنّ المرض يعدي بطبعه صرفا وهذا قول الكفار. والثاني أنّ المرض يعدي بأمر خلقه الله تعالى فيه وأودعه فيه لا ينفكّ عنه أصلا إلاّ أن يقع لصاحب معجزة أو كرامة فيتخلّف، وهذا مذهب إسلامي لكنّه مرجوح. الثالث أنّ المرض يعدي لكن لا بطبعه بل بعادة أجراها الله فيه غالبا كما أجرى العادة بإحراق النار وقد يتخلّف ذلك بإرادة الله تعالى لكن التخلف نادر في العادة. الرابع أنّ المرض لا يعدي بطبعه أصلا بل من اتفق له وقوع ذلك المرض فهو بخلق الله سبحانه وتعالى وذلك منه ابتداء. والذي يترجّح في باب العدوى هو الأخير”. وإذا ثبت أنّ الوباء لا ينتقل بالعدوى فلم تعد من حاجة للاهتمام بما قال الأطباء بشأنه وإنّما يستعرض الفقيه المحدّث ما ورد من آيات قرآنية وأحاديث وأقوال فقهاء سبقوه أو عاصروه والصورة الإجمالية التي يخرج بها القارئ هي أنّ الوباء رحمة لأنّه يمكّن المسلم من الشهادة دون أن يكلّف نسفه عناء المشاركة في الحروب، فالشهادة تأتيه إلى بيته إذا صدق النيّة وأقرّ العزم. وإذا ما عزّت عليه نفسه ورغب في التوقّّي من الوباء فإنّ عليه حسب الفقيه المحدّث ابن حجر أن يكرّر عبارة الصلاة على النبيّ بكيفيّات مخصوصة فصّلها في رسالته. ومن الوسائل الأخرى للتوقّي كما ينقلها عن فقهاء سابقين: شرب الطين وإدامة التبخّر بالعود واللوبان الذكر وتقليد نهيق الحمار! لكن إذا ما أدرك الطاعون شخصا في قرية يقيم بها فقد انتفى بشأنه الخيار ويتعيّن عليه أن لا يفرّ من المكان الموبوء لأنّ الفرار يصبح تهرّبا من القدر وعليه أن ينتظر قضاء الله فيه.

لقد أقحم ابن حجر قضية الوباء في المباحث الفقهيّة فصارت من اختصاص الفقهاء. ومع أنّ السيوطي المتوفّي سنة 1505/ 911 لم يعش فترة هذا الطاعون فقد رأى من واجبه كفقيه أن يبسّط المعرفة الفقهيّة في هذا الموضوع لعموم المتفقهين فقام باختصار رسالة ابن حجر وما أضافه الفقهاء بعده بشأن الوباء ووضع لمختصره عنوان “كتاب ما رواه الواعون في أخبار الطاعون”. واستفتى شخص السيوطي في موضوع الوباء فأجابه في شكل أرجوزة ليسهل عليه وعلى أمثاله حفظ الجواب وهذا نصّها:

الحمد لله يحسن الابتداء/ وبالمختار ينعطف الثناء/ سألت فخذ جوابك عن يقين/ فما أودعت عندهم هباء/ فما الطاعون أفلاك ولا ذا/ مزاج ساء وانفسد الهواء/ رسول الله أخبرنا أنّ هذا/ بوخز للجنّ يطعننا العداء/ يسلطهم إله العرش لما/ تفشو المعاصي والزناء/ يكون شهادة في مآل خير/ ورجسا لأولي بالرجس باؤوا/ أتانا كلّ هذا في حديث/ صحيح ما به ضعف وداء/ ومن يترك حديثا عن نبيّ/ لما قال الفلاسفة الجفاء/ فذلك ما له في العقل حظّ/ ومن دين النبيّ هو البراء/ وناظمه السيوطي وهو يدعو/ بكشف الكرب إذا قبل الدعاء.

ويبدو أنّ هذه الأرجوزة قد انتشرت ليسر حفظها على الفقهاء فكانوا يتلونها على من يستفتيهم في الأوبئة التي تكرّرت كثيرا في العالم الإسلامي إلى أن أنقذهم منها العلم الغربي الحديث. ومن فرط شهرة أرجوزة السيوطي وهو الفقيه والمحدث الشافعي المشهور الذي كان يعدّ نفسه مجدّد القرن العاشر وكبير مجتهديه قال البعض أنّ من أراد التوقّي من الوباء فعليه أن يحفظ هذه الأرجوزة وينشدها فسيرتفع الوباء عن الناس.

وقد تبدو هذه القضايا من الماضي المندثر لولا أنّ ابن حجر هو الشارح الأكبر لصحيح البخاري وهو الحجّة في هذا الميدان فكتابه “فتح الباري” هو المرجع لكلّ المفتين إلى اليوم، ولولا أنّ كتب السيوطي الكثيرة لا تغيب عن مكتبة من مكتباتنا من المحيط إلى المحيط. والعقليّة التي عالجت قضية الوباء بهذا الشكل وحرمت الناس من بعض الوسائل التي كان يمكن للطب تقديمها مهما كانت محدوديتها في ذلك العصر هي التي فسرت القرآن وشرحت الحديث وجمعت الفتاوى وأعدّت الفقه، وهي التي تمثل إلى اليوم المرجعية الدينية والحجة السلطوية (argument d’autorité) فلا مجال للتديّن خارج آلياتها ومقولاتها.

لقد توقّفت الأوبئة في العالم الإسلامي بفضل العلم الغربي والطب الاستعماري، وهذه حقيقة أخرى نخشى أن نصارح بها أنفسنا. لكن إلى حدّ القرن التاسع عشر كانت السيطرة بيد ورثة ابن حجر العسقلاني. لنعد إلى تونس التي فقد فيها ابن خلدون صغيرا والديه بسبب الوباء سنة 1348 ولنتقدم خمسة قرون كاملة احتكر الفقهاء خلالها المجال الثقافي. فقد حل بتونس سنة 1818 وباء ضخم. وينقل المؤرخون أنّ طبيبا من أصل أوروبي نبّه إليه حاكم تونس محمود باي قبل انتشاره فأمر محمود “بضربه وسجنه كالمجرمين” كما كتب المؤرخ ابن أبي الضياف. ثم لمّا فشا الوباء استفتى الحاكم الفقهاء فكتب له الشيخ محمّد بن سليمان المناعي فتوى مطوّلة دعاها “تحفة المؤمنين ومرشدة الضالين” (مخطوطة) عرض له فيها اختلاف القدامى بين رأيين، رأي الفقهاء الذين يعتبرون الوباء من وخز الجن ورأي الأطباء الذين يعتبرونه من فساد الهواء. ومع أنّ المناعي كان يعيش القرن التاسع عشر فقد رجّح في النهاية رأي الفقهاء مستندا إلى ابن القيّم وابن حجر والسيوطي وما خلفوه من أدلّة نقليّة و”عقليّة” وحسم الجدل بقوله: “الحقّ في إبطال قول الأطباء إنما هو النقل حيث ثبت في صحاح الأخبار عن النبي (ص) أن سبب الطاعون هو وخز الجنّ فلا يمكن أن نلتفت بعد ذلك لغير ما أخبر به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، وإذا جاء النقل بطل العقل”. ويتأكد بطلان قول الأطباء حسب رأيه “بالحجج النقلية والعقلية التي ارتضاها علماء الدين وسادات المسلمين كابن الجوزي وأضرابه الذين اجتثوا بنور عقولهم شبهة الأطباء وقطعوا عروق شجرة أوهامهم بحيث لا يخفى على من اطلع عليها ما في قول الأطباء من فساد، إلا من حجبه عن ذلك ظلام المكابرة والعناد”. وإذ رجح عند الشيخ هذا الموقف فإنّه سينقل للحاكم الذي أمر بضرب الطبيب مجموع ما ترك الفقهاء القدامى في الموضوع وسيبدأ رسالته بباب “في فضل الطاعون”! وسيستعيد الروايات التي تجعل الوباء شهادة للمسلم ورحمة به ويفصل الآداب التي تقضي بأن يستقبله المسلم بقراءة القرآن وسرد الأذكار والصلاة على النبيّ. ويشدّد المناعي على منع الخروج من الأرض الموبوءة باعتباره ذلك من قبيل الفرار من القدر ولسبب آخر هو أنّ فرار الأصحاء يؤدّي إلى قطع صلة الرحم وترك المرضى والمحتاجين دون رعاية.

ويضيف الشيخ إلى نقول سابقيه فتواه هو في مسألة جديدة لم ترد فيها فتاوى من القدامى وهي مسألة الحجر الصحّي (عزل القادم من مكان موبوء مدّة معينة لمنع انتقال العدوى). وهذه الطريقة قد ابتدعها الأوروبيون وكانت طريقة مجدية في التوقّي من الأوبئة. فيفتي الشيخ ببطلانها ومنعها ويكتب: “اعلم أنّ الذين يستعملونها فريقان: الفريق الأوّل أوجبوا اعتزال جميع الناس وحرموا الملاصقة والمساس، سيّان عندهم في ذلك المريض بالطاعون والصحيح والسليم والجرح، فقد ألزموا أنفسهم المكث في الدور ومنعوا في صناعتهم الخروج من القصور وتركوا لذلك حضور الجمع والجماعات معتذرين بخوف وقوع الآفات… والفريق الثاني فعلوا ما فعله الفريق الأوّل إلاّ أنّهم لا يتركون الجمعة والجماعات وربما حضروا الجنائز إلاّ أنّهم يتحفظون من الملاصقة والدنو من الناس جهدهم”. وهكذا كانت صلاة الجمعة هي الفيصل في قضية موت البشر وحياتهم، فلا يمكن في رأيه أن تترك هذه الصلاة وهي من الثوابت من أجل اتقاء العدوى التي لم يقم عليها دليل فهي من الأمور الوهميّة كما يقول. وتقاس على الجمعة صلوات الجماعة الأخرى وصلة الرحم. ثم هناك سبب آخر لا يقلّ أهميّة هو التشبّه بالنصارى، ومن تشبه بقوم فهو منهم كما يقول. والأفضل أن يموت الإنسان مسلما من أن يعيش متشبها بكافر.
تقدم التاريخ خمسة قرون وظل الإفتاء معتمدا على نفس المرجعيات والآليات. وللعلم فإن وباء 1818 بتونس لم يؤدّ إلى موت “نصرانيّ” واحد من الجالية الأوروبيّة التي كانت مقيمة بالبلد لكنّه أدّى إلى وقوع عدد هائل من الضحايا بين المسلمين. أمّا محمود باي فلم يمت بالوباء إذ قرّر بعد ضرب الطبيب واستصدار الفتاوى أن يسلك سلوك الجالية الأوروبية وينقذ نفسه من خطر الموت بالتوقي من العدوى فيما ظلت فتاوى الفقهاء تعبّد طريق الموت للشعب. كم طفلا وكم امرأة ورجلا منذ الطاعون الأعظم في القرن التاسع إلى الأوبئة الحديثة التي استمرّت في العالم الإسلامي إلى حدّ القرن التاسع عشر كان يمكن له التوقّي والنجاة لولا ثقافة تمجيد الموت التي نشرها المفتون فيما ليس من مجال فهمهم؟ إنّ عددهم لا شكّ سيتجاوز الملايين وسيفوق ضحايا الحروب الصليبية والاستعمارية وغزوات التتار والمغول مجتمعة. والأموات ما زالوا بيننا ينيرون من ظلمات قبورهم الطريق للأحياء، والفكر المتحجّر لابن حجر ما زال فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، وأمثال المناعي كثيرون بيننا “علماء” بموروث تجاوز حدوده الطبيعية منذ قرون عديدة وما زال مصرّا على أن يمثل الفكر والدين والثقافة والهويّة. ومن أسابيع قليلة اضطرّت الحكومة الباكستانية أن تلغي حملات التلقيح بسبب ضغط مجموعات إسلاميّة توجّست أن تكون اللقاحات موادّ أعدّها الغرب لإضعاف المسلمين وتقليل النسل وبينهم… كأن لا جديد تحت الشمس!

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق