في جنسنة الأماكن بأسماء أعضاء الجسد

من الممكن تشخيص ازدواجية الدلالة في تسمية أمكنة معينة من المجال بأسماء أعضاء جسدية معينة، وغالبا ما تكون تلك الأعضاء مجنسنة أو قابلة للتجنسن. على الصعيد النظري، تعبر هذه الظاهرة عن اقتراض معجمي وعن إسقاط، مما يفضي إلى اعتبار المجال امتدادا للجسد وفضاء أولَ للجنسانية.

كيف تتم تسمية بعض الأماكن من المدينة أو من الدار بأسماء بعض أعضاء الجسد؟ ما هو منطق ذلك القرض المعجمي الإسقاطي؟

{{المدينة : من الفرج إلى الثغر}}

بادئ ذي بدء، لا يقتصر الإسقاط المعجمي على جزء من أجزاء المدينة فقط، وإنما ينسحب على ضرب معين من المدن بكاملها. فالمدن العربية-الإسلامية تنقسم إلى إدارية وإلى عسكرية، وتنقسم هذه الأخيرة بدورها إلى أربعة أصناف هي الثغر، الرباط، العاصمة والعسكر. لماذا الثغر؟ لماذا تسمية المدينة العسكرية ثغرا، أي بأحد مرادفات الفم؟ والواقع أن تلك المدن سميت أولا فروجا قبل أن تسمى ثغورا، وهو الشيء الذي يظهر فيما يرويه الطبري عن عمر بن الخطاب في خروجه إلى الشام سنة 17 هجرية. يقول الطبري: “وقسم الأرواق وسمى الشواتي والصوائف وسد فروج الشام ومسالحها.. وقال … فجندنا لكم الجنود وهيأنا لكم الفروج”. أما الانتقال من الفرج إلى الثغر فأمر سهل بالنظر إلى كون الاسمين هما لمسمى واحد. وقد جاء في “لسان العرب”: “الفرج، الثغر المخوف، وهو موضع المخافة… وجمعه فروج، سمى فرجا لأنه غير مسدود”، أي لأنه ثقب.

ومن الدلالات الأخرى التي يعطيها صاحب “تاج العروس من جواهر القاموس” لكلمة ثغر الدلالات التالية: من خيار العشب، كل عورة منفتحة، الفم أو اسم الأسنان كلها، ما يلي دار الحرب، موضع المخافة من خروج البلدان، حد فاصل بين بلاد المسلمين وبلاد الكفار. هل يمكن القول أن هـذا الترتيب في المعاني ليس اعتباطيا؟ هل يدل على تسلسل تاريخي؟ هل يؤشر على تمييز بين الدلالة الحقيقية والدلالة المجازية، وهو ما يوحي أن المعنى المجالي للفرج وللثغر تأويل؟ يقول ابن رشد: “ومعنى التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية من غير أن يخل في ذلك بعادة لسان العرب في التجوز من تسمية الشيء بشبيهه أو سببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء التي عودت في تصنيف الكلام المجازي”.

وفعلا، لا جدال في الترابط الشبهي بين الفرج والثغر من جهة، وبين الفرج والثغر والمدينة العسكرية القائمة على الحدود مع العدو. يكمن وجه الشبه بين ذلك الثالوث المعجمي الثنائي الدلالة في كونه يؤشر على الحد الفاصل بين الداخل والخارج، على مكان العبور غير المسدود. فالثقب، سواء كان جنسيا أو مجاليا يوجد في حاجة دائمة للامتلاء حتى لا يظل مدخلا للعدو. ومن ثمة ليس غريبا أن ينسحب مفهوم التحصين على الفرج والثغر والمدينة الحدودية معا، فهي نقصان وضعف، وفي حاجة مستمرة إلى الحماية وإلى التحصين.

{{القاع المحرم}}

أيضا، نعثر على القرض المعجمي بصدد أماكن معينة من المدينة، وذلك في بعض اللهجات المغربية (مثلا). وهذا ليس غريبا لأن اللهجة تشكل حقلا أكثر ملائمة للإسقاط اللاشعوري، فهي مكان اللاشعور الجمعي بامتياز بالنظر إلى عدم خضوعها إلى ضبط الكتابة وإلى هاجس السلطة. إن اللهجة لغة بالقوة وسلطة بالقوة، سلطة في قاعة انتظار بمعنى أنها أداة ثقافة وتواصلية محقرة، يحتمي بها وفيها كل ما يكبته العقل السياسي السائد.

في كتابه عن “تصور المجال عند المغربي اللامتعلم”، يعرض محمد بوغالي بعض التعابير التي يتمظهر فيها تجسيد المجال مثل “صدر البيت”، “فم الـدار”، “رأس الدرب”… إنها عبارات تدل بوضوح على إدراك بعض الأماكن وكأنها أعضاء جسدية. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا يتم التركيز على بعض الأعضاء دون غيرها؟ فلماذا لا يتحدث المغربي عن “كتف البيت” أو عن “رجل الدرب” مثلا؟ فرضيتنا أن الأعضاء الجسدية المسقطة على المجال الحضري (العربي-الإسلامي) أعضاء مجنسنة أو قابلة للتجنسن، وهو ما تؤكده الأعضاء الجسدية الثلاثة المسقطة على البيت والدار والدرب. فالرأس والفم والصدر مناطق تنتظم انطلاقا من المذكر نحو المؤنث، إما انطلاقا من وظيفتها وإما بالرجوع إلى شكلها الهندسي. فالرأس باعتباره أداة مراقبة وانتقاء عضو مذكر، والصدر مؤنث لكونه منطقة ركون واستراحة، أما الفم فحد فاصل بين الداخل والخارج، وبين الأنا والأخر، فلا هو بالمذكر ولا هو بالمؤنث ويشكل بالتالي نقطة التقاء وتبادل عبر الكلام والقبلة. موازاة لهذا النظام الجسدي/الجنسي، يشكل فم الدار مدخلا إلى الدار (عالم المرأة) ومخرجا إلى الشارع (عالم الرجل) في الوقت ذاته، إنه أداة ابتلاع متبادل، إنه منطقة العبور نحو الآخر في غيريته الجنسية الجذرية.

لم يتساءل محمد بوغالي عن سر وجود انتظام سيميائي محتمل بين مواضيع جنس-مجالية، إذ لم تكن تلك إشكاليته بشكل مباشر، ولو أنه اصطدم بها في جوابه عن سؤال أسباب الاقتراض المعجمي. لا يـرد بوغالي ذلك الاقتراض إلى فقر معجمي لأن كل مدلول إلا ويتواجد مع دال ليكونا معا دليلا لغويا signe. إن تنحية فرضية الفقر المعجمي تقود إلى تبني الموقف الإسقاطي التشبيهي، وهو الطرح الذي يحتفظ به بوغالي في نهاية المطاف. إن تجسيد المجال بالمعنى الحرفي ناتج عن موقف ذهني يشبه العالم بالإنسان وبجسده بالخصوص. “إن استقلالية وحرمة الفضاء المنزلي، بل وحرمة الدرب كذلك، هي التي دفعت إلى إقامة تطابق مع بعض أجزاء الجسد”. هكذا تصبح الفرضية التشبيهية فـرضية دالة، تلميحية وجزئية. فحرمة الفضاء السلالي هي الميزة الضرورية والكافية التي تضمن قابلية تطبيق ما هو جسدي على ما هو مجالي لأن الجسد باعتباره “الحرمة” الأولى مرجعية كل الحرمات. وتقوم ميزة الحرمة على تقابـلات الداخل-الخارج، المقدس-المدنس. فالدار كالجسد من حيث أنها امتداد له بل إنها جسد ثان، إنها وساطة حمائية للأنا، درع ضـد الغير، ذلك الغير الشرير بشكل قبْلي ولا مشروط من منظور المنطق الانقسامي.

يتبين إذن أن مفهوم الحرمة يجمع في نفس المنطق كلا من الجسد والدار، وكلا من الحي والمدينة، فهو المفهوم السلالي الذي يجد أفضل شبيه في حرمة الجسد وفي حرمة بعض الأعضاء بالخصوص. إن الجسد أداة جنسانية تسمح للعائلة بإعادة نفسها داخل مجالها الفضائي الخاص الذي يشكل بدوره جسدا ثانيا للعائلة (والقبيلة) ومرآة لهويتها وحرمتها. في سياق هذا المنطق، يظل الجسد المرجع الأخير، فهو المشبه به المثالي إذ لا وجود لمعطى أكثر حرمة منه، ومن جسد المرأة بالخصوص. هذا الأخير هو الذي يحقق كثرة المجموعة (الديموغرافية) وقوتها (الاقتصادية والعسكرية)، كما يحدد الأنساب والأموال، إنه المحدد الرئيسي للهوية الأبيسية في نهاية المطاف. وبالتالي، ليس غريبا أن يتم الربط بين المرأة والدار، بين حرمة الـزوجة (المحصنة الجسد) وبين حرمة الدار (المحصنة معماريا). إن الدار باعتبارها مجال المرأة حرمة، وهي تدافع عن المرأة وعن الحرمات من خلال دفاعها عن نفسها بنفسها معماريا.

رغم الأساس الجنساني الواضح لمفهوم الحرمة، لم يعالج بوغالي البعد الجنساني للفرضية الإسقاطية والتشبيهية. “فالإنسان لا يقف عند إحياء الأشياء، إنه يجنسنها أيضا”، كما يقول كارل أبرهام. لنعد إلى العبارات التي أوردها بوغالي لتبيان ذلك. هل هي مجرد صدفة أن نجد أنفسنا أمام مناطق شبقية محيطية؟ لماذا إسقاط مناطق شبقية/ لذية مثل الفم والصدر على جسد الدار؟ ولماذا إسقاط منطقة غير شبقية، الرأس، على الجزء العمومي من الدرب؟ ليس من الاعتباط أن ندعي أن الجسد البشري المسقط على الدار هو، ولو جزئيا، جسد المرأة، كما أن جسد الرجل مسقط على العالم الخارج عن الدار. وهو ما يعني أن “فم الـدار” “وصدر البيت” يرجعان إلى جسد أنثوي إذ الدار أنثى هي أيضا. وبالتالي، ينبغي تجاوز الحياد الجنسي للفم، وينبغي اعتباره عضوا أنثويا مثقوبا في بحث عن امتلاء، وفراغا يكتمل بالابتلاع وفيه. إن فم الدار مثل فم المرأة، فهما معا لا ينفتحان إلا بإذن من الشرع ومن السلطة، أي من المذكر، فالفمان معا يعلمان أسرار الرجل، المتعلقة بجنسانيته بالخصوص، ومن ثمة ينبغي السهر على ضبط انفتاحهما. إن انفتاح فم المرأة على الرجل، من خلال القبلة أو من خلال الكلام العذب وسيلة لابتلاع الرجل وامتصاصه في زمنية مغايرة، مجانية ومجونية إلى حد ما. نفس التحليل ينسحب على فم الدار، فالدخول إلى الدار معناه الدخول إلى عالم المؤنث، ذلك العالم الذي يفقد الرجل وقاره الخارجي ويهيئه إلى مواجهة حقيقته عارية، إلى عراء حقيقته.

إن الفم، باعتباره منطقة لذية هامشية، عبور ضروري وتمهيد نحو اللذة الأساسية. إنه عبـور نحو الداخل وممر نحو الشهوة والموت، ذلك أن السيلان في الأنثى ذوبان وتقلـص الوعي. لكن ذلك الموت شرط لانبعاث جديد، أي لترقية نفسية وروحية، ومن ثم، فإن الفم ممر نحو الخارج كـذلك، نحو الحياة، يقذف عبره كائن مستريح ومتجدد، كسب الرغبة في العمل والثقة في الذات.

بالإمكان كذلك إعطاء دلالة جنسية لعبارة “صدر البيت”، والمقصود بالبيت هنا الغرفة. فالحديث عن صدر الغرفة يقوم على تشبيهها بالمرأة: ذلك أن صدر الغرفة وصدر المرأة منطقتان لا تحتجبان داخل الدار كما يحتجب الفرج، إنهما تحت نظر الزوج كما لو أنهما يدعوانه معا إلى الاستراحة والاستسلام، إلى الركون والتغذية. إن الصدر يقترن بصور الحميمية في اللاشعور الجمعي ويدل على مكان استراحة الأبطال. يشكل إذن الصدر-النهد دعوة إلى الحب وإلى السكينة، وممرا نحو الخاص جدا، نحو الجنس.

على هذا الأساس، نعتقد أن بحث محمد بوغالي في العبارات المجسدة للمجال (والمجنسنة له) ليس مكتملا، بالنظر إلى عدم انتهاء مسلسل الإغراء. إن الوقوف عند الصدر، سواء كان صدر البيت أو صدر المرأة وقوف لا يستساغ، خصوصا بعد الإقرار بوجود نسقية إجمالية لا شعورية. فهل الفعل الإثنوغرافي المحض، الوصفي والتجميعي، هو الذي دفع بوغالي إلى الوقوف عند محطة الصدر؟ أليس للدار فرج كما للمرأة فرج؟ هل توجد كلمة في لهجة مغربية ما تدل على المنطقة الحوضية pelvienne وتنسحب على الدار كذلك؟

في اللهجة الفاسية (مدينة فاس)، تستعمل كلمة “قاع” في الحقلين الجسدي والمجالي معا. فكثيرا ما تسمع عبارة “اجلس على قاعك” أو “ولايني قاع”، بمعنى “يا له من قاع مغر”. إن “القاع” كمصطلح جسدي في اللهجة الفاسية يدل على مؤخرة الفرد، أي على المنطقة الشرجية. والمصطلح ينطبق على “قاع” الرجل والمرأة معا، “فالقاع” منطقة لا تميز جنسيا بين الرجل والمرأة. ويستعمل المصطلح في حقل المجال أيضا، وذلك بصدد أماكن معينة من المدينة كما في عبارات “قاع الدار”، “قاع الـدرب” و “قاع المدينة”. والمقصود اللاشعوري بالقاع عند الفاسيين تلك المنطقة التي لا تدرك من أول وهلة، سواء كانت منطقة جسـدية أو منطقة مجالية. إن “القاع” معطى يتوجب اكتشافه، ويتوجب غزوه إن صح التعبير، بعد سيرورة معقدة. فعلى مستوى الجسد، لا جدال في أن المنطقة محرمة جنسيا، من خلال تحريم اللواط، وتحريم إتيان (الزوجة) من الدبر. كما أن دبر الرجل يحوله إلى أنثى من حيث أنه ثقب وفراغ، وفي ذلك مس بالحدود الجنسية كأمانة وضعها الله في الإنسان. أما دبر المـرأة، فيحولها إلى أرض عقيمة، وهو الشيء الذي يتنافى مع النموذج الإسلامي التناسلي السائد. ليس في امتلاء ثقب الدبر منفعة للأمة. ومن ثم، يصبح “القاع” تجسيدا للتحريم، وتتحول المنطقة إلى “حرمة” يتطلب استهلاكها رضوخا كاملا لحقيقة الرغبة ومسا بالموانع الشرعية والأبيسية السائدة.

إن القاع هو مكان اللذة الكبرى، لأنه كلما تضخم التحريم ارتفعت اللذة. إن لذة القاع لذة مزدوجة، لذة الجنس ولذة تخطي المحرم. ونفس المنطق اللاشعوري ينسحب على قاع المجال أيضا. فالغريب لا يصل إلى قاع الدرب أو إلى قاع الدار بسهولة بالنظر لكونها مجالات خاصة ومنزوية لا توجد على الشوارع الرئيسية، التجارية. إنه لن يصل إلى قاع الدرب سوى الإنسان الذي ينتمي فعلا إلى المدينة، بفضل إقامته فيها، أي بفضل تعلمها يوما بعد يوم. ذلك الاندماج التدريجي هو ما يمكن من الحصول على نساء المدينة من خلال الزواج، فالنساء لسن في متناول الغريب عن الدرب العائلي، وبالأحرى الغريب عن المدينة. تتزوج المرأة من الغريب بعد قبول المدينة له، أي بعد امتحانه امتحانا متعدد الأوجه والأشكال. ومن ثم، يتبين أن القاع المجالي يدل في نهاية المطاف على أماكن الحرمة. من أجل ذلك، يتم إسقاط أكثر الأعضـاء الجسدية تحريما، وهو القـاع، على مجالات النساء.

إن المرأة وأمكنتها تشكل “قاع المدينة” بامتياز. وبالنظر إلى غياب غرفة نوم وظيفية خاصة، كان النشاط الجنسي يتم في قاع أي بيت، أي في أكثر الأماكن سترا من البيت. وفي الفراش، كانت المرأة تحتل المكان الموجود بين الحائط والزوج، حتى تنام بالفعل في قاع القاع، أي في أكثر الأمكنة حرمة.

خلاصة القول، من خلال إحصاء بعض المفردات الجسدية-الجنسية وتحليلها، تبين أن لها دلالة مجالية أيضا، وأن تلك الدلالة رمزية غير اعتباطية، وهو ما يسمح ببناء النمط المعجمي في العلاقة بين الجنس والمجال الخاصة بالمدينة العربية-الإسلامية التقليدية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق