في حبّ الأدب / بقلم بشير مفتي

لا نعرف في غالب الأحيان لماذا نحب الأدب كل ذلك الحب. أو نعرف، لكن لا نستطيع تبريره بالشكل الذي يمكن أن يفي ذلك الحب حقه، أو يكون في مستواه. عدم المعرفة هو الذي يغرينا كثيراً في هذا الحب الذي لا نختلف فيه نحن الذين ذقنا حلاوته، وتغذّينا بملذاته. لعل من الصعب دائماً تفسير ذلك للغير، أي لأولئك الذين لم يتذوقوه بعد، الذين لا يشعرون بالحاجة إليه مثلما نشعر بالحاجة الدائمة إلى مصادقته، نحن الذين نتنفس هواءه كل يوم مرات عدة، ليس فقط من خلال العلاقة الكلاسيكية التي تمر عادة بالقراءة، ولكن حتى في نظرتنا الى الحياة. في مشاهداتنا العابرة التي تحدث في كل لحظة، يكون الأدب حاضراً ومتغلغلاً في صميم الأشياء وجوهر العالم.

صحيح أن الناس، حتى الذين لا يقرأون الأدب، أو لا علاقة تربطهم به، يستعملونه باللغة التي يتكلمون بها. يكفي أن يصف شاب فتاة مجازاً بأنها تشبه الملاك، حتى تخطر في بالنا صورة فنية جميلة.

إن الحب لا يمكن أن يُقال إلا شعراً. كذلك الموت. والله. وغير ذلك. نحن هنا أقرب ما نكون إلى صميم الأدب كما هو في جوهره، كما هو في أصله وفصله مجاز يتعدى الحقيقة الظاهرة للعيان نحو حقيقته الخاصة، أو حقيقة مختلطة بالمجاز، متداخلة مع اللغة التي لا تستطيع أن تكون محايدة أمام ما هو إنساني، وعميق في بني البشر.

في الأدب توجد تلك الحياة الخصبة بالعمق والسؤال، التي حتى عندما تقترب من الواقع، أو هو الواقع الذي يكون سببا مباشرا في ظهورها، يعطيها الأدب نكهة خاصة، وروحا مختلفة. حياة جديدة ندخل فيها مع الأدب، وتصبح قابلة للعيش حتى لو كانت تقول لنا مأسوية العيش، واستحالة الحياة. حتى لو كانت تقول لنا عكس ما نشتهي ونريد. إنه ليس هنا للترويح والترفيه فحسب. إنه ليس هنا لكي يكون جدارا يفصلنا عن الوقوع بل قد يكون سبباً ودافعاً لهذا الوقوع، وقد دفعك دفعاً لتقع، وفي وقوعك الذي يكون الأدب فيه شاهداً، ستعرف طريقك إلى أين يمضي، وجهك أين سيسقط، وجسدك كيف ينتفض من الانفجار. سقوطك لن يكون موتاً، ولكن حياة تجرّب فيها الموت. موتك ليس موتاً بل تجربة تقارب من خلالها الخطر لتكتشف كم هو مؤلم هذا الموت. يمكنك تخيل ذلك. الأدب سيقودك إلى حيث تريد، لكن لا تنتظر عودتك سالماً من الرحلة.

يقول ألبر كامو: “يجب تخيل سيزيف سعيداً”. حتى شقاء سيزيف يختار له الأدب أن يكون سعيداً. أي إن خُيِّرنا بين الحياة والعدم فسنختار الحياة دائماً.

 

¶¶¶

 

 

نعم، الأدب مدمّر ومجنون، ملحد ومؤمن. من الغباء أن نتصور أن القراءة التي نقرأها لن تؤثر فينا بالشكل الذي نقلل فيها من تأثيرها علينا. فهي تؤثر بعمق، إنها تصيبنا بالفرح كما بالأسى، وذلك من سحرية النصوص التي كتبها بشر مثلنا، ولكن أعطونا عبرها الشيء، وأكثر من الشيء. ليس الحكمة، ولا العبرة فقط، لأن الأدب لم يهمه كثيراً أن يكون حكيماً، ولكن الشك، الحيرة، القلق، عدم اليقين، أمواج من الظنون، والشبهات.

 لقد غرق الأدب دائماً في مستنقعات الرذيلة، وقيعان الفجور، وخيبات السقوط المدوي كالرعد، وجغرافيات الشذوذ المأسوي. أحياناً يبدو كأنه ضد الأخلاق التي تمنحها الشرائع قيمة في ترابطنا وتماسكنا الاجتماعي والسياسي. وهو ضدها بالفعل، لا لأنه ضد الأخلاق في ذاتها (التي هي مؤسسة قائمة بذاتها) بل لأنه ضد ما تنسكت عنه الأخلاقية السماوية، أو تنسفه من وجودها، أو تدعي أنها حسمت مشكلتها معه، أو لم يعد هنالك ما يقال في صدده. يأتي الأدب فجأة ليكسر هذه الطهرانية الزائفة، أو التي تدعي أنها قادرة على كل شيء، فيما لا شيء يتغير عند بني البشر مذ وُجد آدم إلى غاية اليوم.

لقد تعذبت البشرية دائماً، وستبقى تتعذب، ولم يفعل الأدب غير التخفيف من وطأة ذلك الشعور المأسوي بالحياة (أونامونو)، ذلك الذي يحجزنا في حجم من الوقت، ومسافة من المكان. لقد ولدنا في هذا السجن، وسنموت فيه (كافكا)، وما يبقى هو استرجاع الذكريات (بروست). لقد تفكك الكائن نهائيا (صموئيل بيكيت). لقد مات الله أيضاً (نيتشه). الرغبات هي الحياة (هنري ميللر)، نهاية السعادة (سكوت فيتزجرالد)…الخ. يمكننا أن نمضي هكذا، فكل هؤلاء الأدباء لم يحاولوا أن يكذبوا على أحد. كانوا فقط مخلصين لذلك الذي جمعهم وفرقهم ربما. فالأدب ليس واحداً. لكل كاتب أدبه. لنأخذ شعراء من كل العصور والأزمنة، سنعرف بسرعة اللحن الذي يميز هذا عن ذاك، لكنه اللحن الذي يجمعهم أيضا. هناك الخيط الذي يربط كل تلك الخيوط، يوحد كل تلك الأصوات التي تقول لنا بصوت واحد: لا تنخدعوا بالأوهام، عيشوا حياتكم مهما يكن الثمن التي ستدفعونه من أجل هذه الحياة.

 

¶¶¶

 

 

“الحياة هي الأجمل”، هكذا يقول الكاتب لنفسه، وقد جلس وحيداً مع أوراقه البيضاء، وحيدا مع أصواته الداخلية، وهو يرغب في تحبيرها “يجب أن أعيش، وأتوقف عن هذا الهذر”، و”الحياة هي الأولى من كل شيء آخر”. لكن الكاتب لا يستطيع أن يتخلص من رغبته في الكتابة. إنه موجود في الحياة ليكتب. حياته هي الكتابة، وكتابته حياة ثانية له. هو يعرف أنه يعيش أكثر من حياته التي يعيشها بحق وحقيقة، لكنه لا يفتأ يتساءل متذمرا بالفعل أنه عندما يكتب يترك الحياة الحقيقية تضيع من بين يديه. ما العمل؟ لا يدري. لا يأمل في أن يجد حلاً للمعضلة. هذه هي حياته، التي شاءها، أو شاءته، التي اختارها، أو اختارته. إنه يرغب فيها، ولا يريدها، وهو يعرف أن لا مفر منها لأنه صار ملتبساً بها.

هنالك ثمن فادح يدفعه الكتّاب عندما يدخلون هذا العالم، وسيكونون على وعي تام بهذا الثمن، أو مدركين لفداحته، والإحساس الدائم بالخسارة. إنهم لكي يكتبوا، يجب أن ينفصلوا عن العالم في لحظة اتصالهم الجوهرية بالعالم، أي أن تتوافر تلك “العزلة الضرورية” كما يقول بلانشو، ذلك الفضاء الذي يشبه السجن. إنه ثمن خطير لا يقوى عليه الكثيرون، مع ذلك هنالك من يجرؤ، لا بمعنى أنه شجاع ويقدر على خوض هذه التجربة الخطرة. الكاتب في صراع مستمر من أجل أن يكتب، وهنالك من يكتب بسهولة، لكن دعونا من هؤلاء، لأن الذين يضيفون قطرة الى البحر قلة قليلة جدا، وهؤلاء نعرف كم تعذّبوا لأجل نصوصهم، التي وصلتنا محترقة بنارهم، وملطخة بدمهم.

 

¶¶¶

 

لا يمكن الأدب أن يعيش بمعزل عن الناس، لكن الكاتب نعم. وبالرغم من أن عصرنا يعطي النجومية للكتّاب مثلما يعطيها لغيرهم، فإن ذلك ليس هو الهدف ولا المبتغى. فالكاتب الذي يعرف طريقه، سيجتهد قدر ما يستطيع لتجنب هذه الماكينة الماحقة التي تمسخ الكائنات الحيّة وتحولهم رماداً، لأن الكتّاب يدركون في أعمق أعمقهم أن حياتهم مرتبطة بما يعيشونه في الداخل من لواعج واحتراقات. ثمة نار سيحرص عليها الكاتب أكثر من غيرها، لذا عندما سئل سلفادور دالي، لو احترق اللوفر وكنت في داخله، ما هي اللوحة التي كنت لتنقذها من النار، كانت إجابته الفورية “سأنقذ النار”، لأن تلك الشعلة هي الروح وهي الفن الذي يبقي المخيلة متقدة والوجدان في حالة قلق وغليان.

الأدب موجود ليساعدنا على تقبل هذه الحياة مهما تكن قسوتها مؤلمة، وليدلنا الى الطريق الذي يجب أن نسلكه في قلب العتمة، والى رفض وصاية الذين يريدوننا أن نسير خلفهم كالأغنام.

الأدب هو الحرية. حريتنا التي يجب أن تبقى في دواخلنا متقدة كالنار.

 

عن ملحق النهار الثقافي 10/7/2011

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق