في حرية الأفراد و” المسألة الإجتماعية “

استفتاء صحيفة ” الغد ” الأُردنية على موقعها الأليكتروني عن حرية الأفراد (الشباب تحديداً) في تتبع موضة الملابس واحدا من تلك الإستفتاءات التي تعيد للأذهان المسألة الإجتماعية وعلاقتها بالحرية الفردية . يقول الاستفتاء : هل تؤيد تطبيقا فعليا لإشاعة معاقبة متبعي “الموضة” في الزي والشعر؟ والتنيجة هي :

–73 % : نعم

–26 % : لا

–1 % : لا أدري .

لو كان الاستفتاء ذا بعد سياسي مرتبط بالأوضاع الداخلية والخارجية في البلدان العربية، لاختلف الأمر وبقي تناوله في تخوم السياسة تالياً. إنما السؤال عن علاقة الشباب بالموضة، فيه بعد أهم من السياسة والسلطة، وهو حرية الأفراد وتطلعاتهم وأحلامهم، وتلك العوالم التي تتجسد في طريقة حياتهم اليومية والمتمثلة غالباً في الملبس والأكل واللقاء والحب والعلاقة وبناء الشخصية المستقلة . وهي في حدودها الطبيعية عوالم مرئية ومحسوسة بعفويتها وإيقاعها المتماشي مع نمو الفرد الجسدي والنفسي والثقافي، كما يمكن فيها تلمس الطاقة الإنسانية والإبداعية التي يحملها الشباب . ولكن في المسألة خطورة ترتبط بإمكانات الوعي الإجتماعي إذ اُكتسب الشباب سمات الاكتهال قبل الوصول إلى عتبة الخروج من البيت الأبوي . والحال هذه ، لا يخرج الاتفاق ” الكلي ” على قمع الشباب ومنعهم من حرية الاختيار حتى في الملبس والشكل اللائق بهم ، لايخرج عما يرسمه المجتمع لذاته وإحاطة أفراده بذهنيات مسكونة بقيم لا تنسجم بطبيعة الحال مع ما يفرضه عالمنا المعاصر وما يشهده من تطورات تكنولوجية وعلمية وقيمية أيضاً .

وفي الاستفتاء المذكور ليس سوى شيء قليل من جميع تلك الظواهر الحياتية الجديدة التي لا تقتضب في ثقافة محددة، ولا تغدو فيها الفردية تركة ثقيلة أنتجتها البرجوازية الأُوروبية كما كانت تدعي الأنظمة التوتاليتيرية والاستبدادية . ذاك ان السؤال يدور حول الملابس والشعر فقط ، ولا يرتبط تالياً بالمسائل الحيوية الأُخرى التي تتشكل منها ملامح ” العالم الشبابي ” كالحب والفضول ورغبة الاكتشاف والمغامرة وتلمس لامرئيات الواقع الإجتماعي والثقافي .

كما ان السؤال اقتصر على الشباب ولا تبدو فيه للفتيات علاقة تذكر. تالياً ، ماذا لو أُجري الاستفتاء على الفتيات والرياضة أو الفتيات والفنون ، الفتيات واكتشاف عالم الجسد و الفتيات والشباب والجنس ، الشباب والإرهاب …إلخ من المواضيع التي تحتل صدارة يوميات المجتمعات العربية اليوم ؟ وإن تم طرح مثل هذه الأسئلة ” المحرجة ” لمجتمعاتنا الخجولة والمسكونة في رغبة قمع ” أنا ” ها السفلى، كيف ستكون النتيجة ؟ . رغم ان مثل هذه الأسئلة إفتراضية ولا يمكن تبنّيها كمقاسات جاهزة للاستفتاء الذي أجرته ” الغد “، إنما بسبب سيطرة الخوف الإجتماعي من الحرية واقتضائه في ذات الوقت لليد الطولى في كبح جموح الشباب ، تبدو “الفردية ” هنا مقتنصة دون غيرها.

وهذا النوع من الاستفتاء إنما يشير في الغالب إلى معضلة، تبدو صورة الفرد فيها مسحوقة ومرمية في قلب وعي اجتماعي توتاليتيري ” شمولي ” يعيد إنتاج اكتهاله على جسد الأبناء والبنات . وهي في جميع الأحوال معضلة لا يتورع المغالون بالأصالة عن وصفها كرادع أمام الغزو الثقافي والسيطرة الأجنبية على عقول شبابنا ، كما انها لا تحتل مساحة ولو قليلة في الإعلام والصحافة العربيين . ذاك انها وكما تتضح من خلال عقد “اجتما-سياسي” يسيّر الأفراد في تخوم واقع مكبل بالمخاطر ، توفر إمكانات الاستحواذ على ما يمكن الاستحواذ عليه داخل الأُسرة والعشيرة والمجتمع، وذلك بمشابهة الأشياء أو جعلها مسطحة إن صح القول . وفي هذه الأخيرة، أي مشابهة الأشياء، تغاض كامل عن اختلاف الأجيال برؤاها وثقافتها وأشكال تعبيرها المتعددة .

وقد لا نذهب بعيداً إن قلنا بأن إحدى الركائز الأسياسية للفكر الشمولي تتمثل في المشابهة، إنما نحن في العالم العربي والإسلامي أمام مشابهات مجتمعية أكثر منها مشابهات ايديولوجية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق