في خطورة تحول القاضي إلى موظف لدى السلطة التنفيذية

جاء الباب الثاني من دستور الجمهورية العربية السورية تحت عنوان “سلطات الدولة ” حيث نصّ الفصل الأوّل على أحكام تخص “السلطة التشريعية” وذلك من المادة 50 إلى المادة 82 منه، والفصل الثاني نصّ على أحكام تخص السلطة التنفيذية؛ من المادة 83 إلى المادة 130 منه، وجاء الفصل الثالث لينظّم أحكاما خاصة بما سمّاه الدستور السلطة القضائية، وذلك من المادة 131 إلى المادة 148 منه، وهذا يعني نصّا ومنطقا أنّ دستور الجمهورية السورية قد اعتمد مبدأ فصل السلطات بوصفه مبدأ دستوريا، وركنا أساسيا في بناء الدولة المنشودة. وهو مبدأ ذو أهمية قصوى قد لا يدركها بعض السادة القضاة، ولا يدركها الكثير من رجالات الحكم في وطننا العربي المبتلى بالاستبداد والفردية التي أوشكت على هدم مشروع بناء الدولة قبل أن ينجز.

والملاحظ أن السلطة التنفيذية تسعى إلى بسط سيطرتها باتجاه السلطتين الأخريين أي السلطة التشريعية والسلطة القضائية والتغّول عليهما وهذا المسلك ليس بجديد، ولا يخصّ سلطة معيّنة بحدّ ذاتها، ولكنه مسلك خطير إذا نجحت به السلطة التنفيذية. ويصبح أخطر بكثير وذا نتائج كارثية إذا رضخت له السلطتان القضائية والتشريعية، وهذا ما نخشى أنه يحصل في بلادنا الحبيبة.

ويتمثل خطر هذا المسلك من وجهة نظرنا بما يلي:

أولا- أنه ينسف الدستور بما هو العقد الاجتماعي الأساسي واجب الاحترام والذي يتمتع بقداسة حقيقية؛ لأنه أبو القوانين، ولأنه يمثل المبادىء التي تَوافَقَ المواطنون على احترامها. ومن هذه المبادىء مبدأ فصل السلطات الذي يوجب على السلطة التنفيذية أن تقف عند حدودها فلا تتعداها وتستولي على صلاحيات غيرها، وهذا الاستيلاء له طرق عدة منها مثلا أن السلطة التشريعية وبتوجيه أو أمر من السلطة التنفيذية أو بعض جهاتها، تعمد إلى الافتئات على صلاحيات القضاء، فتصدر قوانين أو مراسيم تستولي بموجبها على الصلاحيات الدستورية للسلطة القضائية، وتمنح هذه الصلاحيات إلى جهات غير قضائية، وتتبع السلطة التنفيذية مثل القضاء العسكري مثلا وتشكل هذه الحالة مخالفة صريحة للدستور من قبل سلطة التشريع توجب تدخّل المحكمة الدستورية العليا لإلغاء التشريع المخالف للدستور باعتبار أن السلطة القضائية في الدولة هي وحدها صاحبة الحق بممارسة العمل القضائي، وكل عمل قضائي مهما كان نوعه. وبالتالي فإن اقتطاع جزءٍ من صلاحيات السلطة القضائية، ومنحه للسلطة التنفيذية “القضاء العسكري” أو غيره؛ هو اعتداء صريح على الدستور ومبدأ فصل السلطات وسيادة القانون.

ثانيا- وخطره الثاني: أنه يسمح باتساع دائرة الظلم ويضرب العدالة في مقتلها فتصبح لصاحب السلطان ويفتقدها عامة الناس ومن ذلك مثلا: أن القضاء هو ملاذ الناس من عسف السلطة، فإذا أصبح القضاء في جانب السلطة ويدافع عن تعسفها بإنكار حقوق الناس، أو المماطلة في تحصيلها أصبح الناس أيتاما وضاعت حقوقهم، وفقد الوطن معناه وقيمته لأن المواطنين في هذه الحالة يصبحون غرباء في وطنهم، لماذا؟ لأنّ الوطن صودر لصالح السلطة والمتنفذين والمنتفعين. ومن الحالات الشائعة هنا أن السلطة وبحكم سعة امتدادها وكثرة أعمالها وأثناء ممارستها لهذه الأعمال والمشاريع تعتدي على أملاك المواطنين أو أموالهم بأن تشقّ طريقا خلافا للقانون – أي قبل اتخاذ الإجراءات القانونية المنصوص عنها في القانون المدني التي توجب دفع التعويض – أو تضع قيودا على ممارسة حق الملكية وما أكثر هذه القيود، أو تقوم بتسجيل أراضي المواطنين باسمها فيكون القضاء بهذه الحالة هو ملاذ المواطن لتحصيل حقوقه المعتدى عليها من السلطة التنفيذية بحكم أدائها لعملها، حتى وإن كان ذلك من أجل المصلحة العامة، فإذا تمنّع القضاء بطرق مباشرة أو غير مباشرة عن تحصيل حقوق الناس، وأخذ جانب السلطة بأن حاباها ولو بأبسط الطرق؛ فقد القضاء حياده وصادر الوطن لصالح السلطة، وهذه الحالة تجعل البلاد في مهبّ الريح مما يوجب أن يبقى القضاء محايدا ومستقلا. والجميع أمامه بذات المرتبة وخصوصا السلطة التنفيذية، ليتمكن من أداء عمله في بناء الدولة المدنية الناجعة التي تصبح وطنا عزيزا لأبنائها.

ثالثا- وخطره الثالث: أنه يخيف الاستثمار ورأس المال ويدفعه للهرب من البلاد باعتباره يهدم سيادة القانون، ولا يمكن للاقتصاد أن يتعافى إلا في ظل سيادة القانون، وهذه لا تكون أمرا واقعا وحقيقيا إلا بتطبيق مبدأ فصل السلطات تطبيقا حقيقيا، فمن أجل جذب رأس المال وتوطينه ينبغي أن يكون رأس المال متيقنا من تطبيق القوانين المعلنة والمعروفة لديه دون استثناء. وبالذات تلك التي تحكم علاقته مع السلطة لأن سيادة القانون تؤمن الاستقرار ليس من ناحية الأمن الوطني فحسب، بل من ناحية وضوح القوانين وتطبيقها دون التباس. خاصة وأنّ مبدأ فصل السلطات وسيادة القانون هما ركنان هامّان من أركان النظام الديمقراطي، ولا يقوم إلا بهما.

رابعا- وخطره الرابع: أنه يجعل الأداء العام للمؤسسات العامة سيئا، ويفسدها أكثر، ويسمح لها أن توائم القوانين معها بدلا من أن توائم أداءها مع القوانين لتحقيق درجة التطور والنمو الواجبة، باعتبار أن تطبيق القانون يشمل المؤسسات العامة، فإذا استطاعت هذه المؤسسات أن تفلت من أحكام القانون انعكس ذلك على أدائها ضعفا. ومن ذلك مثلا أن الخلل الفني في إنشاء الطرق يؤدي إلى التسبب بوقوع الحوادث المرورية وهذه تلحق بالاقتصاد الوطني خسائر فادحة. فإذا لم يحكم القضاء بمسؤولية الجهة المسؤولة عن إنشاء الطرق وصيانتها وفقا للمعايير الدولية التي تؤمن السلامة العامة، فإن هذه الجهات ستستمر بإنشاء طرق مخالفة فنيا للمعايير الدولية ولن تضطر لرفع درجة كفايتها في تنفيذ الطرق طالما أن المسؤولية لا تطالها، وهذا ما يجعلها دائما متخلفة عن الأداء الجيد. كذلك فإن عدم تطبيق مبدأ المحاسبة بشكل فاعل يؤدي إلى ذات النتائج السيئة، ومن جهة أخرى فإن القانون أوجب على الجهات العامة أن تدفع للمواطنين تعويضا عادلا عند حاجتها لاستملاك بعض عقاراتهم، أو كلها. فإذا تمكنت هذه الجهات العامة من الاستيلاء على عقارات المواطنين دون أن تدفع لهم التعويض العادل الذي نص عليه الدستور والقانون فإنها تلحق الأذى بالناس وتتهاون في جباية أموالها وتحسين إيراداتها طالما أنها لا تدفع مقابل مشاريعها وبالتالي تقدم أرقاما وهمية للإيراد والإنفاق في خططها، تعكس صورة غير صحيحة عن إنجازها وأعمالها الحقيقية تؤدي من حيث النتيجة إلى عدم دقة في الموازنات العامة يلحق الخلل بالاقتصاد الوطني.

خامسا- والخطر الخامس من مخاطر محاولة إلحاق القضاء بالسلطة التنفيذية: يتمثل في تمكن السلطة التنفيذية من مصادرة حقوق الإنسان لأسباب غير وجيهة في معظم الأحيان. وهذه المصادرة لا تتمثل بمجرد الاعتقال التعسفي، أو الطرد من العمل لأسباب تتعلق بالرأي، أو إقامة محاكمات صورية غايتها القضاء على حرية الرأي، بل هي تصل لدرجة ممارسة نوع من التمييز على أساس سياسي أو فكري أو طائفي أو غير ذلك من أنواع التمييز وعدم المساواة. وهو ما يشكل مخالفة للدستور والقانون ولشرعة حقوق الإنسان، كما أنه يحرم الوطن من الحرية وهذا بدوره يحرم البلاد من الإبداع ويشرد المبدعين، ويجعل البلاد مترهلة وضعيفة وهشة وغير قادرة على اللحاق بركب الحضارة. قد يظن البعض أن احترام حقوق الإنسان مسألة ترف فكري أو سياسي، ولكن الحقيقة أنّ السبب الرئيس في تخلّف المجتمعات هو إهمال قضية الإنسان، وبالتحديد تهميش حقوق الإنسان بمبرّرات وهمية مثل “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” أو أولوية التحرير أو ما شاكل ذلك من أوهام. باعتبار أنه ليكون للمعركة صوت حقيقي يجب أن يكون الإنسان المقاتل حرّا واعيا ويشعر بكرامته، فيخوض معركة التحرير حرّا مختارا وبالتالي يتمكن من إنجاز أهدافه. إن حرية الإنسان وحقوق الإنسان هي أهمّ ضحايا سيطرة السلطة التنفيذية وتغوّلها على السلطات الأخرى وعلى الأخص القضائية منها، وهذا بالتأكيد ينعكس سلبا على الهوية والانتماء.

سادسا- لعلّ أخطر مخاطر تحوّل القاضي إلى موظّف لدى السلطة التنفيذية هو في تحطيم مشروع التحوّل من السلطة المجردة إلى الدولة، إنه إلغاء لحلم تحقيق الدولة وهذه لعمري أكبر الكبائر إذ قد يظنّ موظف ما في السلطة التنفيذية أنه ينجز عملا كبيرا عندما يسيطر على القضاء ولكن الحقيقة أنه يدمر حلم الدولة؛ إنه يدمر الكل الوطني من أجل شيء لا أستطيع أن اسميه مكسبا بل هو جريمة بحق الوطن. وهذه المسألة ينبغي النظر فيها بشكل جيد أيهما أهم الدولة أم السلطة؟ ! ولا شك عندي أن الدولة أهم بكثير وبما لا يقارن بالسلطة، الدولة صيغة حضارية وهي المستقبل أما السلطة المجردة فهي في الحقيقة القمع والاستبداد. الدولة: هي كل المواطنين الأحرار … الدولة هي وعاء المواطنة والحرية والمساواة … ولا دولة دون فصل السلطات، ودون احترام سيادة القضاء واستقلاله.

قد يحاول البعض أن يجد مبررات لوضع اليد على السلطة القضائية من خلال الطعن بأداء بعض القضاة، ولكن هذه الحجة مردودة على أصحابها باعتبار أن السلطة القضائية كمؤسسة مستقلة من مؤسسات الدولة الثلاث لا يجوز قياسها، أو التعاطي معها من خلال أداء بعض أعضائها. وإذا كانت هذه الحجة جائزة فكيف يكون موقفنا من السلطة التنفيذية نفسها التي تضرب أرقاما قياسية بفساد بعض موظفيها فهل يمكننا أن نستغني عنها مثلا؟! أم يجب العمل على إصلاح مفاسدها ومن الواضح لدينا أنه لاخيار أمامنا سوى العمل على إصلاح الآليات المؤدية إلى إمكانية حصول الاختراقات الفاسدة، وبالمقابل فإن ما يعاني منه الجسم القضائي من إشكالات هي في معظمها جاءت بفعل فساد المعايير عند تعيين السادة القضاة، وهذه تحسب على السلطة التنفيذية وليس لها، باعتبارها المسؤولة فعليا عن ذلك. ومن جهة أخرى فإن مسؤولية التأخر في فصل الدعاوى تقع بمعظمها على عاتق السلطة التنفيذية باعتبار أن السبب الرئيسي في تأخير البت بالدعاوى يأتي بالمقام الأول من فساد آليات التبليغ للخصوم وللشهود وللخبراء، وبعد ذلك لعدم فاعلية موظفي العدلية لنقص العدد ونقص الخبرة. كما أن أحد أهم الأسباب هو قلة عدد القضاة بالقياس إلى عدد الدعاوى. إن سورية تحتاج اليوم وفورا إلى خمسة أضعاف عدد السادة القضاة الموجودين حاليا لتحقيق جدي للعدالة وهذه من مسؤولية السلطة التنفيذية التي تصرّ و لسبب غير مفهوم على إرهاق القضاة من خلال رفضها رفدهم بالعدد الكافي الذي يتيح فصلا سريعا للدعاوى بعد توفر الوقت الكافي لدراستها. وهذه الإمكانية متوفرة بالاستعانة بنقابة المحامين حيث كانت هناك تجربة نستطيع اعتبارها ناجحة بهذا المجال.

وباختصار لا يجوز استخدام بعض مشاكل القضاء كمدخل للتغوّل على السلطة القضائية، أو سلبها بعض اختصاصاتها الدستورية. سواء عن طريق منحها للقضاء العسكري، أو عن طريق توسيع التحكيم بديلا عن المحاكم. إنّ السلطة القضائية هي العمود الفقري للدولة، وهي ضمانة المواطنة والاقتصاد الحر والحريات العامة وهي الحلم، الدولة المدنية الحديثة هي الحلم السوري فينبغي العمل على تحقيقها من خلال صيانة مبدأ فصل السلطات، وسيادة القانون واستقلال القضاء.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق