في ذكرى إعدام المفكّر محمود طه يوم 18/1/ 1985- الحريّة لنا، ولسوانا

محمود محمّد طه

 
 

 

ما كُلُّ من شمَّ نال رائحةً، للنّاس في ذا تباين عجبُ.

قوم لهم فكرة تجول بهم بين المعاني أولائك النُّجُبُ.

وفرقة في القشور قد وقفوا وليسوا يدرون لبّ ما طلبُوا.

لا يتعدىّ امرؤ جبلّته، قد قُسّمت في الطبيعة الرُّتبُ.


هذه الأبيات تُنسب للفيلسوف الأندلسي” أبي بكر محمد بن طفيل” مؤلّف رائعة “حيّ ابن يقظان” الّذي لم يخف انزعاجه وتبرّمه من “الدهماء” في كلّ أثاره الفكريّة. فقد جعل بين الحكيم و”الرُوَيْبضة” برزخا. واعتبر أنّ “الخاصّة” وحدها، من خلال التأمّل الخالص، يمكنها أن تدرك جواهر الأشياء أمّا “العامّة” فهي لا تتعدّى حدود الرّموز والصّور الخياليّة. هذه الأفكار “لابن طفيل” جالت بخاطري وأنا أقرأ كتابا للصحفيّة الأمريكيّة”جوديث ميللر” GOD HAS NINETY-NINE NAMES”للّه تسعة وتسعون اسما”، وأساسا الجزء الأوّل من الكتاب حيث مشهد إعدام المفكّر المستنير “محمود محمّد طه” في سجن “كوبر” بالخرطوم صبيحة يوم الثّامن عشر من جانفي 1985. 


أراد “جعفر النميري” وحلفاؤه من” أصحاب العمائم” وأساسا “حسن الترابي”، الّذي أباح دم “الشّيخ” بتهمة الردّة عن الإسلام، أن يتمّ التخلّص من ” محمود طه” وتقديمه للرأي العام على  أنّه زنديق كافر وخارج عن الملّة، في محاولة لضرب أي نوع من أنواع التعاطف معه.

ومن ثمّة أقيمت عليه وعلى بعض رفاقه “دعوى حسبة” بتهمة الكفر والردّة، وقد أدانتهم محكمة الدرجة الأولى وأصدرت في حقّهم حكما بالإعدام شنقاً حتى الموت، على أن يكون لهم الحقّ في التوبة والرجوع عن دعاويهم قبل تنفيذ الحكم، ثم استؤنف القرار أمام محكمة الاستئناف الجزائية التي قرّرت ما يلي:


1) تأييد الإدانة والعقوبة بالإعدام شنقاً حتى الموت حدّا وتعزيراً على المحكوم عليه “محمود محمد طه”، على ألا يصلّى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين. وأنّ أمواله فيءٌ للمسلمين بعد قضاء ما عليه من حقوق.


2) تأييد الإدانة والعقوبة على المحكوم عليهم الأربعة الآخرين بالإعدام شنقاً حتى الموت، على أن يمهلوا مدّة شهر كامل بفرض التوبة والرجوع إلى سيرة الإسلام اقتداء بما قضى به أمير المؤمنين “عليّ بن أبي طالب” كرّم الله وجهه، وينتدب لهم طائفة من علماء المسلمين لمراجعتهم.


3) اعتبار جماعة “الجمهوريين” فئة كافرة ومرتدّة وتعامل معاملة طوائف الكفر في كافة المعاملات.


4) مصادرة كلّ كتب ومطبوعات “محمود محمد طه” وكتب “الجمهوريين” من جميع المكتبات بغرض إبادتها مع منع تناولها وطبعها في كافة المكتبات والمطابع.


5) حظر نشاط وتجمّعات “الجمهوريين” في كافة أنحاء البلاد. 



تنقّلت”جوديث ميللر”، الّتي  كانت تشغل وقتئذ منصب رئيسة مكتب صحيفة “نيويورك تايمز” بالقاهرة،  بمعيّة زميلها “جمال محيي الدّين”، إلى سجن “كوبر” بالخرطوم لتغطية جريمة إعدام الشيخ السبعينيّ “محمود محمّد طه”. تنكّرت في جلباب أبيض ووضعت على رأسها غطاء لمغالطة حرّاس السّجن، الّذين لا يسمحون للأجانب بالحضور. إذ عمل نظام الاستبداد السّوداني كلّ ما في وسعه لمواراة الجريمة حتّى أنّه إلى حدود اليوم لا أحد يعلم، طبعا ما عدا القتلة،  شيئا عن مصير جثّة الشيخ بعد إعدامه. لكنّ القلم الحرّ “لجوديث ميللر” كان له رأي آخر فحمل لنا الجريمة كما هي على بشاعتها وكان شاهدا وفيّا على هذا “المشهد البربريّ”.                            

كتبت جوديث ميللر؛ ” كانت المشنقة في الجانب البعيد من الساحة. مرتفعة نوعا ما، غير أنها أقلّ في الارتفاع من حوائط السجن المبنيّة من الحجر الرمليّ. كان المشهد في كوبر مرحا. لا شيء هناك يشبه الصور المتجهمة التي رأيتها للسجون الأمريكية حيث يحتشد أصدقاء المحكوم عليهم بالإعدام وأقاربهم، خارج الأسوار، وسط المتظاهرين المعترضين الذين يحملون الشموع في الليل. 


يبدو أنني كنت المرأة الوحيدة في الساحة. وبدا أنّ كثيرا من الحاضرين، الذين يقدرون ببضع مئات، يعرفون بعضهم البعض. ظلّوا يحيّون بعضهم البعض، بتحية الإسلام التقليدية ” السلام عليكم” ويجيء الردّ مرّات ومرّات “وعليكم السلام”. الرجال ذوو البشرات الداكنة، في عمائمهم التي يبلغ ارتفاعها القدم، وجلابيبهم البيضاء الفضفاضة، يتضاحكون ويتجاذبون أطراف الحديث، حول حالة الطقس، بشائر محصول تلك السنة، والحرب التي لا تنتهي في جنوب السودان. ورويدا رويدا، جلس كلّ واحد على الرمل، تحت وهج الشمس، التي بدأت حرارتها تزداد قسوة مع كلّ دقيقة تمرّ. كان الموعد المعلن لتنفيذ الحكم هو الساعة العاشرة.                                     


قبل الزمن المحدّد بقليل، قيد محمود محمد طه إلى الساحة. الرجل المحكوم عليه والذي كانت يداه مربوطتين خلف ظهره، بدأ لي أقلّ حجما مما كنت أتوقّع. ومن المكان الذي كنت أجلس فيه، وبينما كان الحراس يسرعون به إلى الساحة، بدا لي أصغر من عمره البالغ ستّة وسبعين عاما. سار مرفوع الرأس، وألقى نظرة سريعة على الحشد. عندما رآه الحاضرون، انتصب كثيرون منهم واقفين على أقدامهم، وطفقوا يومئون ويلوّحون بقبضات أيديهم نحوه. ولوّح قليلون منهم بالمصاحف في الهواء.


تمكّنت فقط من التقاط لمحة خاطفة من وجه طه، قبل أن يضع الحارس الذي قام بالتنفيذ، كيسا ملوّنا على رأسه وجسده. ولن أنسى ما حييت، التعبير المرتسم على وجهه. كانت عيناه متحدّيتين، وفمه صارما، ولم تبد عليه مطلقا، أية علامة من علامات الخوف. بدأ الحشد في الهتاف، بينما كان مجنّدان سودانيان يلبسان زيّا رمليّ اللون، يضعان عقدة الحبل على المكان المفترض أن تكون فيه رقبة محمود طه. ورغم أنّ ضجيج الحشد قد ابتلع أصوات الجنديين، إلا أنه بدا وكأنهما كانا يصيحان ضدّه. فجأة تراجع الحراس للوراء، ثم سُحبت أرضية المنصّة. فاشتد الحبل، واهتزّ الغطاء الموضوع على جسد طه في الهواء. اشتعل الهدير في الساحة “الله أكبر”. وتكثّف الهتاف عندما بدأ الحشد في تكرار الهتاف بشكل جماعيّ، “الإسلام هو الحلّ”. الرجال الذين امتلئوا حماسة، عانقوا وقبَّلوا بعضهم البعض. أحد الرجال الذين كانوا بجانبي صرخ، “أخذت العدالة مجراها”، ثم جثا على ركبتيه، ووضع جبهته على الرمل وتمتم بصلاة إسلامية. الحالة الاحتفالية التي جرت من حولي، صعقتني، وأصابتني بالغثيان. جذبت جمال من كمّ قميصه محاولة أن أشعره بأنه يتعيّن علينا مغادرة المكان، فقد كنت بالفعل، عاجزة عن النطق. في حالة التوتّر العصبيّ التي اعترتني لا بدّ أنني قد قمت لا شعوريا بسحب الغطاء الذي كان يغطي رأسي، فانحرف عن موضعه. استشعر جمال الخطر، وجذب الغطاء على ناصيتيْ شعري اللتين انكشفتا، ودفعني بحزم صوب المخرج. وبينما كنا نشقّ طريقنا صوب البوّابة الحديدية الثقيلة، بدأت الرمال في الثوران والارتفاع في شكل سحابة برتقالية نتيجة لجرجرة الحشد لأقدامهم على الأرض الترابية. عند وصولي للمدخل، لويت عنقي لألقي نظرة أخيرة على المشنقة. كان الكيس، وجسد طه لا يزالان متدلّيين على الحبل. فتساءلت في نفسي، متى سينزلونه؟


لدى كثير من السودانيين الذين هللوا لإعدامه في ذلك اليوم، فإنّ طه قد اقترف  أسوأ جريمة يمكن أن ترتكب. لقد أدين بتهمة الردّة عن الإسلام. وهي تهمة نفاها طه، الذي أصرّ حتى النهاية، أنه ليس مهرطقا، أو مرتدّا عن الإسلام، وإنما مصلح دينيّ، ومؤمن وقف في وجه التطبيق الوحشيّ للشريعة الإسلامية، “قانون المسلمين المقدّس” والطريقة التي فهمها ونفّذها بها الرئيس جعفر نميري. من وحي الموقف، أحسست، أنا أيضا، أن طه لم يقتل بسبب يتعلّق بنقص في قناعته الدينية، وإنما بسبب من نقصهم هم) . انتهى نصّ ميللر. (ص. ص.11 –12).(اعتمدت على ترجمة الدكتور نور حمد في نصّ نشره بمناسبة الذكرى التاسعة عشرة لإعدام محمود طه جانفي 2004 ).


إنّ الألم لإعدام   “طه” كان مضاعفا، فالرّجل أُعدم  مرّتين؛ مرّة أولى عندما أعلن “رفاقه الأربعة” الّذين حكم عليهم معه بالإعدام “توبتهم” أمام المحكمة واصفين إيّاه بالمرتدّ الّذي ضلّلهم وأخرجهم عن الملّة. ومرّة ثانية عندما وضع الجلاّدان حبل المشنقة حول رقبته. 

هذه الجريمة البشعة كانت إجابة الخصوم السياسيين ” لمحمود محمّد طه” على شعاره  ” الحريّة لنا، ولسوانا”، شعار حمّال لمعان نبيلة  ولكن للأسف الشديد هذه المعاني الكبيرة  لم تلج عقولا تناهت في الصّغر.  “غاندي السّودان” كان زاهدا في الحياة، حالما بغد مشرق لبلده، قام بتأسيس “الحزب الجمهوري” في منتصف أربعينات القرن الماضي مع مجموعة من رفاق دربه، حيث كان السّودان يرزح تحت نير الاستعمار البريطاني وقد تميّز هذا الحزب الفتيّ بطرحه لفكرة “الجمهوريّة المستقلّة” على عكس بقيّة مكوّنات الحركة الوطنيّة السّودانيّة الّتي انقسمت بين “اتحاديين” نادوا بالوحدة مع مصر  وآخرين يريدون استقلالا في تحالف مع التّاج البريطاني.


كان” محمود محمّد طه” تنويريّا في فكره رافضا تحنيط الإسلام في تعاليم ونواميس جامدة، من أهمّ أفكاره المناداة بالمساواة بين المرأة والرّجل وضرورة رفع الظّلم والحيف اللّذين عانت منهما والدّفاع عن حقّها في التعليم والمشاركة السياسيّة. وقد لعبت “الأخوات الجمهوريات” دورا رياديّا في نشر أفكار” طه” فأقمن  “منتديات فكريّة” في الشوارع ممّا خلق حراكا فكريّا وسياسيّا لم يعهده المجتمع السّوداني من قبل.


انتفض “طه” ضدّ ثقافة “شيطنة النّساء” الّتي تقرّ بأنّ المرأة لا تخرج إلاّ ثلاث مرّات؛ مرّة أولى من بطن أمّها إلى العالم، ومرّة ثانية من بيت أبيها إلى بيت” بعلها”، ومرّة أخيرة من بيت “بعلها” إلى القبر. “فللبعل” الجريدة وفنجان القهوة ولها عطور المطبخ ولسعات المكواة، له اللّذة وكلّ اللّذة ولها ترتيب السّرير ما قبل لذّته وما بعدها فهي جسد للاستهلاك في العتمة، لها عبء الحمل وسكرات المخاض وله الأبوّة وولاية الأطفال، له الأمر ولها الطّاعة.

على خطى “سارقي النّار” في الفكر الإسلامي؛ “قاسم أمين” ،علي عبد الرّازق و”الطّاهر الحدّاد” تجرّأ قلم “محمود محمّد طه” على استنطاق الصمت وإنارة السّبيل أمام جيل تائق للحريّة والانعتاق.


أسهم”الشيخ” في إثراء المكتبة العربيّة من خلال مؤلفاته؛ الّتي أثارت جدلا كبيرا أهمّها؛


ـ “قل هذا سبيلي” صدر سنة 1952 وفيه تطرّق لمشكلات الدّيمقراطيّة والتّعليم والمرأة.   


ـ” الرسالة الثانية في الإسلام” صدر سنة 1967 وقد تناول فيه قضايا فكريّة هامّة مثل الجبر والاختيار في القرآن وأنّ التفاضل بين المرأة والرّجل، والحجاب، وتعدّد الزوجات ليست أصولا في الإسلام.


ـ”الدستور الإسلامي؟ نعم …ولا” أصدره سنة 1968 وأقام فيه الفصل بين الشّريعة والدّين وتحدّث فيه عن الدّيمقراطيّة والاشتراكية والإسلام.


ـ”تطوير شريعة الأحوال الشّخصيّة” صدر سنة 1971 وجاء في إهدائه ” إلى أكبر من أُستضعف في الأرض، ولا يزال..إلى النّساء…” وفي مؤلّفه هذا حاول طه إنصاف المرأة والكشف عن العادات والتقاليد البالية الّتي حالت دون انعتاقها.


ـ”الماركسيّة في الميزان” تمّ إصداره سنة  1973  وقدّم فيه قراءة نقديّة للفكر الماركسي والتجارب الشيوعيّة.

ـ”اسمهم الوهّابيّة وليس اسمهم أنصار السنّة” صدر سنة 1976 وقد أثار هذا الكتاب سخط آل سعود وكلّ مريدي “محمّد بن عبد الوهّاب” حيث انتقد “الشيخ طه”  الأطروحات التكفيريّة الوهّابيّة وأوضح نبل رسالة” الإسلام الصّوفي” وتطابقها مع الأهداف السّامية للدّين الإسلامي. وضغط “السّعوديون” من خلال “منظّمة المؤتمر الإسلامي” على نظام “جعفر النّميري”(المتورّط حين ذاك في ترحيل يهود الفلاشا من أثيوبيا إلى إسرائيل)  لإسكات صوت “محمود طه” إلى الأبد وقد تكفّل “شيوخ الإسلام السياسي” وأساسا “حسن التّرابي” بتجييش “الدهماء” بالنّفير الدّيني.


كان الهدف من تكفير “محمود محمّد طه” هوّ إلقاء القبض على الحريّة، وإرغام العقل على الترجّل أمام الخرافة المتدثّرة في عباءة المقدّس وقانون” الحسبة المتّبع في عديد البلدان  الإسلاميّة الّذي حوكم بمقتضاه، يجعل المبدع يسكن اللاّمسافة الفاصلة بين عرش الحاكم المستبدّ ومنبر خطيب الجمعة، فالمبدع هوّ المستهدف الأوّل من قبل “طغاة الشّارع”، لذلك وجب خصيه فكريّا، ولخصيه، يجب إفراده، ولإفراده، لا بدّ من إخراجه من الملّة، وإخراجه من الملّة يقتضي حتما تكفيره.


الخطير هو أنّ «التكفير” و”التشهير بالمبدعين” لم يعد فقط “صناعة” “المنابر الفالتة” لدعاة متعصّبين ومتطرّفين بل تسلّل إلى الجامعات، الّتي من المفترض لها أن تكون منابر للعلم والمعرفة.



في سنة 2006 قام أحد الدّارسين المنتسبين لكلية” أصول الدّين بالمنوفيّة” التّابعة “لجامعة الأزهر” بتقديم “رسالة دكتوراه” تحت عنوان”مجلّة روز اليوسف واتجاهاتها في ميزان الفكر الإسلامي” وقد قام “الباحث” بتكفير صاحبة المجلّة “فاطمة يوسف” معتبرا إيّاها متحرّرة وسافرة وأنّها كانت تعمل في المسرح على حساب بيتها وزوجها وأنّها كانت تقرأ القرآن وتحتفل “بالكريسماس”؛  وهو من أعياد الكفار على حدّ زعم “الباحث” وأعتبر أنّ مجلّة “روز اليوسف” تقلّد المستشرقين الزّنادقة وتعمل على تقويض الإسلام ومبادئه.


  وفي سنة 2005   تحصّل الدّاعية الإسلامي السّعودي “سعيد بن ناصر الغامدي”من جامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلاميّة في الرياض على شهادة “دكتوراه” بدرجة امتياز مع رتبة الشّرف بعد أن كفّر في رسالته 250 شخصيّة أدبيّة وفكريّة وسياسيّة في العالم العربي نذكر منها؛ جابر العصفور وحسن حنفي وصلاح عبد الصبور ونزار قباني ورجاء النقاش وغالي شكري وطه حسين وحنا مينه ويوسف إدريس ومحمد الفيتوري وعبد الرحمن الشرقاوي  ومحمود أمين العالم وأمين الريحاني ونصر حامد أبو زيد وهشام الشرابي ونازك الملائكة وبدر شاكر السياب وسميح القاسم ومحمد أركون وأدونيس وقاسم أمين ورياض نجيب الريس ومظفر النواب ورفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي ومحمد سعيد عشماوي وغادة السمان ونجيب محفوظ واحمد بهاء الدين والطيب صالح وعبد الرحمان منيف وعبد الوهاب البياتي…الخ.

إنّ ريادة “مدرسة التكفير” السعوديّة تمتدّ إلى “محمّد بن عبد الوهّاب ” مؤلّف كتاب “التوحيد الّذي هوّ حقّ الله على العبيد” الّذي ادّعى أنّ النّاس على شرك منذ” ستمائة عام” (أي منذ وفاة آخر الأئمّة المجدّدين ابن تيميّة) وعليه أنّ يجدّد لهم دينهم ولو بحدّ السيف. مرورا ب”عبد العزيز بن باز” الّذي أنكر هبوط الإنسان على سطح القمر وأبطل حجج من قال بدوران الأرض  وكفّر من قال إنّ الشمس ثابتة لأنّ هذا القول مصادم لصريح القرآن والسنّة الدّالين أنّ الشمس والقمر يجريان. وقد كفّر “ابن باز” الرّئيس التونسي السّابق “الحبيب بورقيبة” وحذا حذوه في ذلك “أمير الإسلاميين ” في تونس “راشد الغنّوشي”.  وصولا إلى المفتي السّعودي حالياّ “عبد العزيز آل الشيخ” وهو حفيد “محمّد بن عبد الوهّاب” الّذي سافر عبر “خياله التكفيريّ المجنّح” إلى القرن الثالث للهجرة الموافق للعاشر ميلادي ليقوم بتكفير “الدولة الفاطميّة” متّهما حكّامها وأتباعها بالمجوسية، “فقد عطلوا الحدود وأباحوا الفروج وأحلّوا الخمر وسفكوا الدماء وسبّوا الأنبياء ولعنوا السلف وادعوا الربوبية” على حدّ زعم  “اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء” بالمملكة السّعوديّة.


وفي باب عدالة التّاريخ تظلّ “لعنة التكفير” تطارد أصحابها “التكفيريين” أحياء وأمواتا حتّى يتمّ “تكفيرهم” من قبل تلاميذهم في “مدرسة التكفير”. انقلب السّحر على السّاحر وكُفّر الوهّابي “بن باز”، من قبل “بن لادن” و”الظواهري”، إثر إصداره لفتوى إبّان حرب الخليج الأولى، بأمر من آل سعود، تبيح “الاستعانة بغير المسلمين في الدّفاع عن بلاد المسلمين وقتال حاكم العراق”. 


  ومصير “حسن التّرابي” لم يختلف كثيرا عن مصير سلفه” بن باز” حيث أصدرت “الرّابطة الشرعيّة للعلماء والدّعاة بالسّودان” فتوى “أكّدت فيها أنّ “الترابي كافر ومرتدّ يجب أن يتوب عن جميع تلك الأقوال ويعلن توبته على الملأ مفصّلة، ويتبرّأ من كلّ ما صدر منه أمام أهل العلم(…)وينبغي لولاة الأمر أن يستتيبوه فإن تاب، وإلاّ نفّذوا فيه حدّ الشّرع حماية لجانب الدّين وأن يحجروا عليه وعلى كتبه وأن يمنع من المقابلات” وذهب “الشيخ الأمين الحاج” رئيس الرّابطة المذكورة أعلاه إلى حدّ مطالبة الرّئيس “عمر البشير” إلى تشكيل “محكمة خاصّة” كتلك الّتي شكّلها “جعفر النميري” بمباركة “الترابي” نفسه وأصدرت حكم الإعدام في حقّ الشيخ “محمود محمّد طه”. وجاء تكفير “الترابي” بعد إقراره أنّ  لا مرجعيّة في الدين الإسلاميّ غير القرآن وأنّ رجم الزّاني شريعة يهوديّة وأنّ شهادة المرأة العالمة بأربعة رجال جاهلين وزواج المسلمة بالكتابيّ جائز واعتبر أن الحجاب (النّقاب الكامل) قصدت به نساء الرّسول فقط  وأنّ آدم وحوّاء مخلوقان من نفس واحدة. وأنّ”سدرة المنتهى” لا وجود لها…الخ.

“التّرابي” الّذي يرحّب به اليوم في المنابر الإعلاميّة  وتطلق عليه كلّ الألقاب وتعلّق له “النياشين”من قبيل “الدكتور”، “المفكّر”،” الشيخ العلاّمة”،” المجتهد المجدّد…الخ” لم يسأل يوما وهو الّذي يدافع على هذه الأفكار”التحرريّة” اليوم، لماذا ضاق صدره بأفكار الشيخ “محمود محمّد طه” في ثمانينات القرن الماضي؟ وهل نسي أنّه ترأّس الوفد الرّسمي، الّذي أشرف على “جريمة الإعدام، بصفته مستشار” رئيس الجمهوريّة” للشؤون الدينيّة والقانونيّة وكان مزهوّا في ذلك اليوم يمشي في الأرض مرحا وسط “تكبيرات” أتباعه ومريديه؟ وهل نسي أنّه لقّب “جعفر النميري” بـ “الإمام”؟ لسائل أن يسأل هل يمكن لليد الملطّخة بالدماء أن تمسك قلما حرّا؟



ونحن نحيي الذّكرى الرابعة والعشرين لجريمة إعدام الشيخ “محمود محمّد طه” ما زالت دار لقمان على حالها، في ديارنا دبيب السّواد يعلو على علياء الفكر وأرستقراطيّة القلم. الويل ثمّ الويل لمن تصيبه لعنة شيوخ التكفير.


نطالب أكثر من أيّ وقت مضى برفع الوصاية الّتي يمارسها “الإكليورس الإسلامي ” على مقدّسات شعوبنا والتصدّي “لفتكنة” المؤسّسة الدينيّة الإسلاميّة. لقد انهزمنا يوم استباح “المشعوذون” تراثنا ولم نحرّك ساكنا، أضرموا النّار في “بيت الحكمة” وشيّدوا فوق رمادها “مسجدهم الأحمر” ونحن مشدوهون. اعتكفنا داخل “معابدنا الإيديولوجية”، بعد أن هجرها “المؤمنون”، نتأمّل مخطوطاتنا أحاديّة اللّون. لم نفعل شيئا لنعيد “طواسين” الحلاّج، ولزوميّات المعرّي، وفتوحات ابن عربي إلى رفوف  مكتباتنا، لم ننفض الغبار على  حكمة المعتزلة ووصايا ابن رشد، لم نعلّم أطفالنا أنّ للكتاب لونا واحدا هوّ الفكر وطعما واحدا هوّ المعرفة ورائحة واحدة هي السؤال، وأنّ جريمة “الحسين ابن منصور” هي أن أسكن اللّه في “رحاب جبّته”، وأنّ خطيئة “شهيدة العشق الإلهي رابعة العدويّة” أنها قالت أجمل الكلمات في من تحبّ؛  



أحبك حبّين: حبّ الهوى                 وحبّا لأنك أهل لذاك
فأمّا الذي هو حبّ الهوى                فذكرٌ شُغلت به عن سواك
وأما الذي أنت أهلُ له                    فكشفُك الحُجب حتى أراك
فما الحمدُ في ذا ولا ذاك لي            ولكن لك الحمد في ذا وذاك

فهل من العدل أن تُكفّر على كلام بهذا الجمال؟ 



– إنّ التكفير هوّ أشدّ أسلحة “الإرهاب الفكري” فتكا، يستهدف “العقل” و”الحياة” معا فهو ليس تحريضا على القتل فحسب بل هوّ شروع فيه، فالصّراع ضدّ الأفكار لا يكون إلاّ بالأفكار ولا شيء غير الأفكار لذلك فإنّ “عهدا مدنيّا من أجل حريّة الإبداع والتفكير”، تُجمع عليه كلّ مكوّنات المجتمع المدنيّ والسياسيّ والفنّانون والكُتّاب وكلّ المبدعين، يجرّم التكفير أخلاقيّا وقانونيّا بات ضرورة ملحّة حتّى ننشئ جيلا لا يصفّق ولا يهتف لإعدام مفكّريه ومبدعيه، بل جيلا حاملا لراية أنّ الحريّة هيّ “أكسجين الإبداع” وأنّ أبواب السّماء يجب أن تفتح ولو أمام فراشة واحدة لتطير بكلّ حريّة. 


 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق