في ذكرى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية: إشعال حرب نقداً لحرب سابقة

في بداية التسعينات من القرن الماضي كنا مجموعة من الشعراء الشباب نكتب في نقد الحرب الأهلية وذم الذين قادونا إلى الدخول في مغامرتها. كان ذلك، مثلما بدا لنا يومذاك، من أبسط الحقوق التي نملكها على آباء أورثونا حرباً أهلية لا أفق لنهايتها، وكنا نجور في نقدنا أحياناً إلى حد بدونا معه جاحدين وناكري جميل في كثير من الأحيان. لكن الشعراء الشباب ما كانوا وحيدين يومذاك في ذم حروبنا الأهلية، بوصفها، أي هذه الحروب، سبباً مباشراً في تدمير أحلامنا الشخصية والعمومية على حد سواء. كان ذم الحرب والتنصل من مسؤلياتها عاماً وشاملاً في تلك الفترة من الزمن، يبدأ من قادة الحرب أنفسهم الذين نظّروا واجتهدوا في تأجيج نارها، أي أولئك الذين اعتبروا تلك الحرب باباً وحيداًً لولوج البلد أفق التغيير الديموقراطي من جهة وأولئك الذين رأوا فيه وسيلة وحيدة للمحافظة على لبنان المزدهر.

هؤلاء جميعاً ساهموا معنا في التنصل من تبعات الحرب وذم نتائجها. كذلك، فإن الفنانين عموماً، الشباب منهم على وجه التخصيص، كانوا يصْلون هذه الحرب نقدهم اللاذع إلى حد أننا وجدنا أنفسنا، نحن الذين شاركنا كمقاتلين على الجيهات في تلك الحرب وكنا أبرز ضحاياها، مذنبين في ما اقترفته أيدينا، أمام البراءة التي طبعت أعمال الفنانين الأصغر سناً والذين ما إن فتحت المعابر بين البيروتين حتى اتخمونا بصور وأفلام عن الوسط التجاري المهدم والملعون بنار الحرب، وكتبوا وصوروا ما يكفي لأن نصدق، نحن الأكبر سناً منهم، أن هذه الحرب التي وضعت أوزارها هي من دون ريب آخر حروب اللبنانيين في ما بينهم. وشُفعت تلك الكتابات والصور بجوائز عالمية في مهرجانات وتظاهرات فنية على امتداد أوروبا والعالم نالتها تلك الأفلام والصور والسير. مما جعلنا نقطع الشك باليقين ونطمئن إلى أن الحرب الأهلية لن تتجدد في لبنان، وأن الجيل الجديد لن ينخرط في أي نوع من أنواعها ولن يدخل البلد، تالياً، في أي طور من أطوارها كائنة ما كانت المصادفات والظروف التي يمكن أن تحف بهذا البلد.

لكل جيل حربه المفضلة
كان البكاء والنشيج على أطلال وسط بيروت التجاري صفة عامة من صفات الجيل الجديد. وكان الأمل بمستقبل زاهر ينتشر في أوساط هؤلاء انتشار النار في الهشيم، إلى حد اننا شعرنا، نحن الذين ضيعنا جل شبابنا في أعمال الحرب وأحلام الانتصار، أننا خاسرو هذه الحرب الوحيدين. فقادتنا أصبحوا، بعد أن تابوا عن الحروب، أساتذة جامعيين وكتاب رأي في الصفحات الأولى في صحف البلد والعالم العربي. والذين أتوا بعدنا فتحت في وجوههم أبواب الجوائز والمهرجانات على امتداد العالم. أما نحن، فكانت الحرب لعنتنا وكنا أكثر ضحاياها سوء حظ.

رغم ذلك رضينا بما قسمه لنا حظنا العاثر، وارتضينا أن نكفر عن خراب البلد بوصفنا الخطأة الوحيدين. هكذا تفرقت بنا السبل بعدما كنا حزمة واحدة، وإذ ظهر من جيلنا شعراء وكتاب، فإن ظهور هؤلاء لم يخف، بالنسبة لنا، مصائر الكثيرين من أقراننا وأصدقائنا الذين أكل السلم أعمارهم وأغرقهم في لجة النسيان كما لو أنهم عبيده وأقنانه. وأنا أقول هذا لأنني أتذكر اصدقائي في تلك المرحلة وانظر في مصائرهم فأكتشف أنهم جميعاً غابوا عن المشهد، وأن ضغط الحياة من دون خبرات غير إجادة القتال يقع على كواهلهم وقوع الجحيم على الخاطئين. ولم يعد في وسع أي منهم اليوم أن يحذر أولاده من مغبة الانجراف وراء حروب جديدة، لأنهم لا يملكون الوقت الكافي لرؤيتهم أصلاً. هؤلاء الأصدقاء غابوا جميعاً في غياهب السلم، وأكلتهم نيرانه. لكن لا بأس، فالأوطان محبوبة حتى لو اكلت ابناءها، وهي محبوبة لهذا السبب اصلاً. وفي وسع هؤلاء أن يدفعوا الثمن من أعمارهم، مثلما دفعه أصدقاؤهم الذين استشهدوا في تلك الحرب، ما دام الثمن دوام البلد وازدهاره، ولو على حسابهم الخاص. هذا الثمن كان مقبولاً ومفهوماً لو أن الحرب انتهت إلى غير رجعة كما بشرتنا أعمال الفنانين الشباب في تسعينات القرن الماضي. لكن هذا لم يكن أكثر من وهم يجيد اللبنانيون تصديقه.

{{هراوات وسكاكين أهلية}}

في العامين الماضيين، احتشد مئات الألوف من اللبنانيين في الساحات، وانقسموا في الرأي والتوجه وتحديد الاستهدافات، وكان ذلك كله محتملاً وممكن الحدوث، بل وربما كان بعض قادة 14 آذار على حق حين أعلنوا أن هذا الاحتشاد الهائل هو أصفى تعبير عن رغبة أهل البلد جميعاً في العيش بسلام. وأنا من جهتي أستطيع أن أذكر حادثتين كبيرتين دلتا قطعاً على رغبة في العيش بسلام في هذا البلد. وكلاهما جرت وقائعهما في منطقة الأشرفية. الأولى كانت تظاهرة ضمت جمهوراً من المسلمين السنة كانوا يعترضون أمام مبنى السفارة الدانماركية على الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول الكريم، والثانية كانت حشداً من الشيعة الغاضبين على برنامج تلفزيوني سخر، أو هكذا خيل لهذا الجمهور، من أمين عام حزب الله السيد حس نصر الله.

وفي الحادثتين لم يدخل أهل المنطقة البيروتية العريقة في سجال حربي مع المحتشدين، وآثروا البقاء في منازلهم إلى أن تزول فورة الغضب. لكن هاتين الحادثتين لم تسجلا ضمن الوقائع الأهم في أحداث السنتين الماضيتين، بل احتلت حشود المتظاهرين المقامات الأولى في قائمة الأحداث. ومن يتذكر معنى تلك الحشود وما آلت إليه حقاً يكتشف انها كانت شرارات واضحة لاستئناف حرب أهلية لم تنطفئ جذوتها يوماً. تلك الحشود التي توجت وختمت مسيرتها بما سمي الثلاثاء الأسود والخميس الدامي في 23 و25 كانون الثاني الماضي، أي بالاشتباكات العنيفة وحريق الدواليب وتقطيع أوصال البلد, ويومها، كان في وسع أي مراقب أن يدرك أن سلاح الحشود المتبادلة بات كليلاً إذا ما أريد لنا أن نبقى فوق السلاح لا تحته. على أي حال، اشتبك الشبان من الجهتين بالعصي والسكاكين، تجنباً للدخول في لعبة السلاح الناري، وبدت تلك الحوادث لمن شاهدها على شاشات التلفزيونات أشبه بحرب من القرون الوسطى تنقلها الشاشات، وربما تكون هذه الحادثة هي التي الهمت مخرج فيلم 300، الذي يصور معركة بين جيش الفرس، و300 مقاتل اسبرطي، حتى آخر اسبرطي، والذي يعرض حالياً على الشاشات في بعض مدن العالم.

{{الدول اللبنانية المتناحرة}}

الخلاصة أننا نعيش اليوم وقائع حرب أهلية أشد قسوة على المشترك في ما بيننا من تلك التي شهدناها في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، لكن هذه الحرب لا تخاض بالمدافع والرشاشات بل بالسكاكين والهراوات، ولمن كان مثلي قد خبر الحروب قديمها وحديثها، فإن هذه الحرب تبدو أقسى من تلك التي تخاض بالرشاشات والأسلحة الحديثة، وما من دليل علمي أو ديني على أن الموت ضرباً بالعصي أهون شراً من الموت رمياً بالرصاص.

قد يقول قائل ان في الأمر مبالغة، وأن هذه الجولة التي نتحدث عنها لم تتكرر وثمة حرص زائد على عدم تكرارها، لكن ما يمكنني القطع فيه أن المواقف هي مواقف حرب أهلية وأن الاصطفافات هي أيضاً كذلك، وأن تدمير المشترك بين اللبنانيين جار جرياً حثيثاً وعلى أكثر من قدم وساق، وليس ثمة من يوقفه أو يستطيع وقفه حتى لو امتلك النية الحسنة والرغبة الخالصة من كل ما يشوبها.

بل إن خطاب السيد حسن نصرالله في خريجي حزب الله من الجامعات اللبنانية ثبت الحرب الأهلية الباردة معطى لا سبيل إلى تجاوزه بعد اليوم. بل ودفع بما تبقى من مؤسسات رسمية دفعاً إلى سلوك مسلك الانقسام الحاد، فدافع عن دولته داخل الدولة بالقول إن لا دولة موجودة ليكون حزب الله دولة داخلها، وإن البلد مقسوم إلى دويلات لا يصل في ما بينها إلا ما صنعه الحداد. ولم يلبث السيد وليد جنبلاط أن حذر من مخطط يعد لفتنة في الجبل، وهذا أمر محمود في حد ذاته، لكنه في سياق الحديث عن خطورة المخطط، لم يتردد في الإشارة إلى التدريبات التي تجري في بعض مناطق الجبل، بوصفها تشكل خطراً على المنطقة، فرد عليه السيد وئام وهاب معتبراً أن تخوف جنبلاط في غير محله، لأن اللبنانيين متفقون على تجنب الحرب الأهلية وليس ثمة سبب ليتخوف جنبلاط من مثل هذه التدريبات. نعم السجال والمساجل.

ثمة شواهد كثيرة يمكن لأي كان أن يوردها وهو ينظر في أحوال البلد اليوم تدليلاً على أن ما يجري ليس أقل من حرب أهلية باردة. لكن هذه الشواهد كلها لم تفت في عضد الفنانين الذين كانوا في سنوات التسعينات أغراراً وتدفعهم مرة أخرى إلى الاعتراض الشديد على هذا الانقسام الحاصل. بل ها هم انخرطوا، كل من جهته، في أعمال هذه الحروب ودخلوا من حيث يدرون أو لا يدرون في جهة من جهاتها. بل أن الحديث اليوم، أي حديث يجري بين شخصين لبنانيين، لا بد وان يبدأ من افتراضات مغرقة في انقساماتها الأهلية: البلد مقسوم إلى شعبين عميلين. شعب عميل لإيران وسوريا، وشعب عميل لأميركا وفرنسا. كل حديث في أوضاع البلد يبدأ من اتهام مماثل للجهة الأخرى، فبالنسبة لشعب حزب الله والمعارضة، فإن كل من يعترض عليهم ليس سوى عضو في الشعب العميل لأميركا وفرنسا، والأمر كذلك في الجهة الاخرى، إذ ان العمالة لسوريا وإيران أوضح من أن يختلف عليها اثنان في الاصطفافات القائمة.

{{الحرب من دون سياقاتها}}

يكرر الفنانون والمثقفون الشباب والشعوب اللبنانية عموماً حرباً أهلية لكنها هذه المرة تفتقد لسياقاتها. وهذا يدفعني إلى التفكير ملياً في الأسباب التي دعتني إلى نقد الحرب السابقة. تلك الحرب كانت تملك من السياقات التاريخية ما يؤهلها لتكون جزءاً من تاريخ البلد، ومرحلة من مراحل تطوره. لم يكن قتال إسرائيل في ذلك الزمن شأناً يختص به اللبنانيون وحدهم دون شعوب الأرض، مصر دخلت حروبها والعراق والاردن وسوريا كذلك، والمنطقة عموماً كانت على فوهة بركان من الحروب الأهلية الكامنة، فضلاً عن أن تلك الفترة من التاريخ كانت فترة ثورات شعبية في العالم كله. لكن تلك الثورات والحروب جميعاً كانت تشترك في صفة بالغة الأهمية لا يمكن نسبتها إلى ما يجري اليوم.

تلك الحركات السياسية والعسكرية كلها كانت تستند إلى التقدم والحداثة استناداً لا شك فيه، وتنشد في ما تنشده علاقة منفتحة على العالم، سوية وعادلة. وفي لبنان كان الخلاف بين تيارين كبيرين، تيار يدعو للانعزال عن العالم العربي والانفتاح على الغرب، وتيار يدعو للانفتاح على العالم العربي والمعسكر الاشتراكي ومعاداة الغرب والمشاركة النشطة في قتال المشروع الصهيوني، والتياران معاً كانا يتشاركان في رغبة منفتحة في الاتصال بالعالم، وينشدان معه أوثق العلاقات. لكن حرب اليوم لا تبدو على النحو نفسه من أي جهة نظرنا إليها. فنحن وحدنا نقاتل إسرائيل والمشروع الأميركي، وإذ نقاتل، فإن بعض أمضى أسلحتنا في هذا القتال ليس أقل من الانغلاق على هوياتنا المحلية الضيقة، فلا يستطيع حزب الله أن يعبر طريق الغازية نحو صيدا من دون أن ينزلق إلى الحرب الأهلية المذهبية، وأصلاً لا يبدو قادة حزب الله في صدد العبور إلى المناطق الأخرى، فها هم يبدأون خطبهم بالسلام على أسباط رسول الله وينهونها بالصلاة على آل البيت.

… كما لو أنهم يريدون إغلاق المقاومة على كل ما يمكن أن يجعلها أعم قليلاً من مقاومة شيعية تحتكم إلى لعنة الديموغرافيا التي جعلت الشيعة اللبنانيين يسيطرون في إقامتهم على معظم حدود لبنان مع دولة اسرائيل، مثلما جعلت السنة يستوطنون معظم الأراضي المتاخمة للحدود مع سوريا. ومن ناحية أخرى لا يرى المرء سبباً يجعل من مقاومة اسرائيل سبباً وجيهاً لتغيير عميق في نمط الحياة العصرية التي يعيشها بعض اللبنانيين مثلما ينشد حزب الله وينشط في كل مكان. أما في ما يخص الداخل اللبناني، فلا يبدو الصراع بين القوى السياسية اليوم حول أفضل السبل التي تتيح تقدم البلد وازدهاره، بل أن فحوى الصراع ومسكته تتلخصان باقتسام الأرض وما تحتها، باعتبار أن الجو محتل من العدو الإسرائيلي. وفي هذا الاقتسام، يقتتل الموتى تحت التراب بالشدة نفسها التي يتقاتل فيها الاحياء.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق