في ذكرى صدور مجلة الأحوال الشخصية التونسية إجابة بورقيبة عن بعض أسئلة الحداثة

كان صدور “مجلّة الأحوال الشخصيّة” يوم الإثنين الثالث عشر من أوت /أغسطس من سنة 1956 على أن تدخل حيّز التطبيق في الفاتح من جانفي/يناير 1957. وقد تضمنت هذه المدوّنة بداهة جملة من الفصول القانونيّة المتصلة بالخطبة والعقد والزواج والمهر والطلاق والنفقة والحضانة والأهليّة والإرث وما إلى ذلك من المسائل التي تهم بناء الأسرة والعلاقات بين الذكر والأنثى.

يكفي أن نذكّر بأن هذه المجلّة منعت تعدّد الزوجات وحصرت الطلاق في المحاكم نازعة من الرجل ما اعتبره حقوقا شرعيّة حتى نتخيّل حجم التّغيير الذي جاءت به، وحجم الحقد الذي انصبّ، داخليّا وخارجيّا بالخصوص، على هذا الزنديق العلمانيّ الكافر الذي تجرّأ على تبديل شرع الله وتحريم ما أحلّه للناس. إنها فضيحة من جهتين: فضيحة دكّ منظومة فكريّة وقانونيّة ترسّخت عبر قرون، وفضيحة المساس بما بدا مقدّسا غير قابل للمفاوضة والمقايضة. ولكنها كانت، والحق يقال، فضيحة خلاّقة. المشكلة الوحيدة أنّها، بعد أكثر من نصف قرن، مازالت تعتبر لدى أغلبية المسلمين، رغم الانبهار أحيانا بـ”مكاسب ” المرأة التونسيّة، فضيحة غير مقبولة واستثناء ينبغي إرجاعه إلى الجادة. (راجع مثلا لا حصرا ما قاله الداعية “المعتدل” القرضاوي ونقله موقع الأوان في ركن “خارج الإطار”).

والطريف أنّ التقنية التي اعتمدت لخلق السّياق الجديد قد تبدو اليوم بسيطة، قلقة، قليلة الإقناع ولكنّها حققت على الأرجح المطلوب. إنّها مزيج من النصوص التي يعاد تأويلها بعد التفطن إلى ثغرة هنا أوهناك في المتن رغم ثقل المدوّنة التأويلية والفقهيّة، وشيء من التأكيد على أننا لم نخرج عن مقاصد الشارع وهي أهم من تفصيلات التاريخ وتشقيقات الآيات المحكم منها والمتشابه، ويضاف إلى هذا الخليط وعي حقوقي حادّ بالكرامة البشريّة ضمن تطوّر الذكاء البشريّ الحديث والمعاصر.

لذلك حرصت دولة الاستقلال على إضفاء الشرعيّة الدينية عليها وإسناد صياغتها إلى فضيلة الشيخ محمّد العزيز جعيط الذي تقلّد وزارة العدليّة قبل الاستقلال وكان شيخ الإسلام المالكي في الأربعينات وبداية الخمسينات . وهو ما برز أساسا في بيان وزارة العدل التونسية يوم إصدار المجلّة إذ ذكرت بأنّ فصولها وتفاصيلها نتاج قراءة انتقائيّة تأخذ من المذاهب السنيّة جميعا خصوصا المالكيّة والحنفيّة ما يمكن أن يكون صالحا للعصر محققا للمقاصد. ولكن بعض المعارضة التي تردد صداها آنذاك تدل على أن هذا التبرير الدينيّ لم يكن مقنعا تماما إلا لمن أراد كسب رجال الدين إلى صفوف هذه البدعة بل قل كسب صمتهم وحيادهم مع إمكانية احتفاظهم بأضعف الإيمان في رفض المجلّة بالقلب لا بالقول أو الفعل.

والواقع أن صانع هذا المدّ الحقوقيّ الهائل لم يكن يخفي منطلقاته الحديثة ومستنداته العصريّة فقد صرّح في العاشر من أوت/أغسطس 1956 متحدّثا عن أهمية إيجاد قانون مكتوب للأحوال الشخصيّة فوصفه بأنه ” بمثابة انقلاب سيقضي على عادات مسيطرة على هذه البلاد وقد تألمت منها جميع طبقات الأمة ومازالت تتألّم. وهي عادات منافية لسنة التطوّر ولاتجاه التقدّم ولروح العدالة والإنصاف واحترام كرامة الذات البشريّة”. وبسبب من هذا أعيدت هيكلة المحاكم ووحّدت بعد إلغاء المحاكم الطائفيّة المختلطة والشرعيّة سواء كانت إسلاميّة أو يهوديّة أو فرنسيّة استعماريّة وضربت القواعد العرفيّة وذلك لتركيز مفهوم حقوقي للمواطنة بمعزل عن الانتماء الدينيّ أو المذهبيّ أو الطبقيّ أو الجنسيّ.

والثابت تاريخيّا أنّ تعدّد الزوجات مثلا لم يكن ظاهرة منتشرة في تونس في تلك الفترة بشكل يهدّد النسيج الاجتماعيّ. وهو ما يعني أنّ المسألة عند القيادة الفكرية والسياسية مسألة رمزيّة في مواجهة القراءة النصّية الجامدة الموروثة أكثر منها مسألة عملية. والثابت أيضا أنّ رجال الدين التونسيين الذين تبنّوا الفكرة لم يجعلوا منها موضوعا للجدل النظريّ والفقهيّ المجدّد لأصول النظر في الواقع المتحوّل خارج البلاد مع نظرائهم من رجال الدّين المسلمين بل ربما كانوا يتبنون الموقف الذي ساد بقوة السلطة السياسية في ذلك الظرف الاستثنائيّ وفي غمرة الاحتفال بالكرامة الوطنية المستعادة تبنّـيّا محتشما نظرا إلى ضعف الحجج الدينيّة البورقيبية مقارنة بالحجج الفقهية المسنودة بممارسة يوميّة امتدت طيلة قرون والمنغرسة عميقا في النصوص والنفوس.

ورغم سعي النخب التونسية الحديثة لتأصيل القرار التاريخيّ في حركة الإصلاح التي عرفتها تونس منذ أواخر القرن التاسع عشر، ورغم أهمية العمل التنظيريّ الذكيّ الذي قام به منذ ثلاثينات القرن الماضي الزيتوني الشابّ الطاهر الحداد صاحب كتاب “إمرأتنا في الشريعة والمجتمع”، فإنّ الروح البورقيبية كانت في تقديرنا محدّدة في نجاح هذه التجربة الفريدة من نوعها في العالم الإسلامي. ولم تكن المجلّة إلا محاولة نجحت وأخفت وراءها محاولات أخرى باءت بالفشل من قبيل المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة والتخلي عن صيام رمضان بما يمثّله من إنهاك للجسم يعطّل مسيرة التشييد والبناء الاقتصادي وفق التبرير البورقيبيّ وحتى بعض الأفكار التي خطرت لبورقيبة حول كيفية أداء الصلاة.

لقد استطاع بورقيبة الاستفادة من نفس شروط الاستبداد في الحضارة العربية الإسلامية ليصنع سياقا تاريخيا حديثا فعلا. فالحاكم المسلم المستبد يتّكئ على الدين ليبني موقعه السياسيّ ويدافع عن مصالحه مستغلا جيش الفقهاء ورجال الدين المستعدّين للتبرير وتوظيف النصوص في جميع الاتجاهات. ولم يفعل بورقيبة في علاقته بالدين غير هذا طيلة حياته. فقد دافع عن الحجاب ضد السفور في الثلاثينات من القرن الماضي لأنّ المصلحة السياسية في عهد الاستعمار تطلّبت منه مجاراة الحسّ العام وتوظيف المخزون الدينيّ والرمزي الثاوي وراء الحجاب لتصفية حسابات سياسية ضيقة. ولكنه نزع بيديه الحجاب عن المرأة التونسية حين أصبح اللاعب الأساسيّ في ملعب القرار السياسيّ والاجتماعيّ ولم يتوان عن إعطاء المرأة التونسية الحقّ في الإجهاض قبل نظيراتها الغربيات وجميع الحركات النسوية وقبل سيمون دي بوفوار نفسها حين استدعى التصوّر الاجتماعيّ والاقتصاديّ للدولة التونسية الحديثة الحدّ من النسل والعناية بالأسرة والصحة الإنجابية.

ولسنا نبالغ إذا قلنا إنّ تحرير المرأة التونسية المسلمة من قهر التاريخ لم يكن مطلبا لها البتة إذا استثنينا بعض الأصوات التي تعالت هنا وهناك ضمن النخب الحديثة ولكنّ المرأة استفادت من الديناميكية الاجتماعية والذهنية التي أوجدتها القوانين البورقيبية في مجال الأحوال الشخصيّة بحيث لم يعد من الممكن لتونسي أو لتونسية على حظّ ولو قليل من العقل والواقعيّة أن يتخيّل عودة ولو ظرفية لزوجة ثانية مشرعة قانونيا أو للطلاق بمجرّد التلفّظ به دون المرور بالمحاكم. وفي الآن نفسه علينا ألاّ نتوهّم أنّ هذا الواقع الجديد للمرأة المسلمة التونسية لم يخلق مشاكل جديدة اجتماعية لها وللرجل وللأسرة عموما ولكنها مشاكل منتظرة تمنح فيها للمرأة بالخصوص إمكانية صياغة اختياراتها ومواقفها باعتبارها مواطنة لا مولى عليها. وعلينا ألا نتوهم أنّ الرجل التونسيّ نفسه لا يملك “حنينا”، أي وهما أصليا مُؤَمْثَلا، لوضعية الرجل ذي الحريم الآمر الناهي المدلّل جنسيا. إنها وضعية لا تخلو من صعوبات للتخلص تماما من النماذج القديمة ودخلنة المعايير الجديدة فتحوّلات التاريخ كما هو معلوم بطيئة مؤلمة.

لذلك لا نعجب إذا رأينا في نصف قرن من حياة مجلّة الأحوال الشخصيّة محاولات التيّار الدينيّ التونسيّ في بعض الفترات (منتصف السبعينات وبداية الثمانينات وبعد تغيير السابع من نوفمبر1987) العمل على مراجعة هذه المجلّة باسم الشريعة الإسلاميّة للعودة ولو رمزيّا إلى تعدّد الزوجات. ولكن من حسن حظّ المرأة التونسية (والرجل أيضا) أنّ الدولة والقيادة السياسية فهمتا أن المساس بهذه المجلّة هو مساس بهويتها تحديدا فسبحة التنازلات لن تتوقف إذا بدأت حباتها تنفرط ثم إنّ هذه القيادات جميعها، أبرارا أو ضالين، هم أبناء بورقيبة “الذين عملوا السنين الطوال تحت إمرته” كما جاء في بيان السابع من نوفمبر. وكان الردّ، على هذا، بليغا منطقيا جدّا: مزيد من التطابق مع المعايير الدوليّة، ومزيد العمل على تشريك المرأة في الحياة العامة.

وأكبر وهم ينبغي الآن أن يقاوم هو أن مجلّة الأحوال الشخصيّة كانت وليدة اجتهاد فقهيّ مزج بين ثوابت النصّ المرجعيّ ومقتضيات التطوّر التاريخيّ. فقد تبيّن أنّ التقنية المعتمدة في تبريرها لم تعد صالحة لأنها تفتقد للشمولية والنجاعة رغم كثرة المسائل والمطالب (الميراث وزواج التونسية من غير المسلم …إلخ). فالمنطلق هو إدراج مجتمعاتنا الإسلاميّة وجماهيرها البائسة بفعل قرون من الاستبداد والقمع والفقر والتجهيل ضمن تيار الحداثة الذي لا يعرف التوقف وإلا جرف الجميع إلى غياهب التاريخ. والأرجح عندي أنّ ذكاء بورقيبة كامن في أنه فهم الواقع الإنسانيّ الجديد الذي يفرض دخول الإنسان المسلم في مدار الحداثة مطلقا مهما كان الثمن مرتفعا دينيا أو ضميريا أو اجتماعيّا. وما تفعله الدول الإسلاميّة اليوم في مجال حقوق النساء وغيره من المجالات الحقوقية إنما هو مزيد خسارة وقت ثمين لمواجهة تغيير آت لا ريب فيه. لقد ربح بورقيبة بضربة واحدة نصف قرن من الانتظار على الأقل: انتظار لشيء قد لا يأتي دون عوامل خارجيّة مساعدة أو محدّدة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق