في زيارة آرثور رامبو: بيت في اللامكان.. والمتحف طاحونة المستحيل

من باريس الى شارلفيل. موعدنا في الثامنة والنصف صباحا: الصديقة الكاتبة والرسامة الفرنسية كاترين ستول سايمون والصديق الشاعر والمحررالثقافي لجريدة الشروق التونسية نور الدين بو الطيب وانا عند مقهى (ريف غوش) في ساحة السان ميشيل قبالة النافورة.. من محطة “لورميل للمترو رقم 8 اتجه نحو محطة ستراسبورغ سان دوني. أكاد أكون وحدي في العربات الخاوية صباح يوم الأحد. من هناك أنتقل إلى المترو رقم 4 المتجه الى بورت دورليان وأغادره بعد أربع محطات إلى بلاس سانت ميشيل. أصل في تمام الموعد، الصديقان ينتظران في سيارة كاترين الفورد الصغيرة.. مشحونة بمشاعر متضاربة، أحيي كاترين ونور الدين، فهما اللذان سيقودان احلامي الى آفاق أخرى منطلقين من الحي اللاتيني إلى مدينة لها لسعة جمر في المخيلة – مدينة الشاعر المارق آرثور رامبو الذي زلزل اللغة وقلب معايير الشعرية وأحدث تشويشا هائلا في النص الحداثي، ليكرّس الضلال الجميل في اللغة والنصوص والحياة.

طوال الطريق، كان نقاشنا دائرا حول علاقة رامبو بالنهايات، خرس القصيدة وموت الجسد وجحود الحب، فيرلين العاشق الغاضب، ووالدة رامبو وصرامتها الدينية، زوجة فيرلين ومرارة تقسيم الحب بين معشوقين. علاقته بالأمكنة والترحال والحب والموت، وحريمه من الرقيق الافريقي في هرار… استغراقه في الحياة الأخرى، وصفقات بيع السلاح والعبيد، التاجر المراوغ والمسافر من حلم شعري الى حلم ثراء وتجوال، خلصنا إلى انه لم يكن رحالة أمكنة، بل كان مسافرا في عتمة الزمن. لا مكان يمكن أن يحتوى هذه الشعلة الملعونة، لا فضاء يسع اللهب. الزمن وحده يفني النار وتفنيه، ليجيء مرة أخرى بهيئة مهرّج في سيرك المقايضات، أو مهرج في سيرك حقيقي في بلدان اوروبا الوسطى، ومشرّد لا يدفع ثمن تذكرة في قطار، وعابث شهواني يغازل امراة محبوبه فيرلين، فيطلق الرصاص على رسغه ليسجن الرجل عامين ويهمله رامبو في محنته به وبالحياة اولا.. رامبو مهرّب الأرواح والساعي إلى الحرية الأخيرة – الموت – بساق واحدة وألف رؤيا وكابوس..

وصفه الكاتب الايطالي ( تابوكي) في حلمه الأخير المفترض، منغمسا في شهواته القصوى، جموح الحرية وانفجار الرغبة للمرأة، رجل يقود الجسد الى حافات العدم في مرضه الاخير – الذي يجزم البعض انه الزهري ويؤكد آخرون انه السرطان – ولم يكن بالاحرى غير وباء تآكل الروح بعد انطفاء وهجة الشعر العظيمة ..

يركض في الحقول ويرتقي الهضبة بساقين سليمتين، بينما يترك ساقه المقطوعة هدية لحورية الليل أوريليا ملفوفة بجريدة طبعت عليها قصيدته بحروف سود، أوريليا التي سمعته يصفر أغنية عن امرأة وبندقية، كان مستلقيا تحت شجرة لوز ضخمة، والقمر بدر، والحقول مفضضة بالنور..

– حسنا أيها الشاب الغريب، إن كنت تريد بندقية فأنا سوف أعطيك إياها .
قال نعم، أريدها لالتحق بكومونة باريس.. ألا تسمعين الصرخات ؟؟ إنها الحرية تناديني….
أخذته إلى مخزن الغلال الذي يعلو حظيرة الاغنام..
وعندما إرتقت السلم الخشبي قال لها: أنا لا أستطيع الصعود كما ترين بساق واحدة، صعدت وحدها، استلقى على التبن بين الخراف، وهو يصفر لحن اغنيته الماجنة..
عادت بالبندقية فوجدته قد خلع ملابسه وتمدّد فوق القش قرب الأغنام وساقه المبتورة الى جانبه.
قالت له سمعتك تقول في أغنيتك: أريد امرأة، حسنا أستطيع أنا أن أعطيك إياها.
وعانقها رامبو واستنفد معها آخر شهوات الجسد المنقوص وانشطر بين وجع الحب الذي لا يشفى وبين حدس النهاية الفاجعة وانكسار القصيدة في ماض مضاد لحاضره المقلوب…
وسألها عن إسمها : قالت أوريليا … فهي منبثقة من الحلم
يسرع المهرب، يسرع مراقب العما ل وبائع العبيد والأسلحة، يسرع باتجاه صرخات العمال الصاخبة وهم يعلنون الكومونة أمام يقظة التاريخ المتعطشة للحم البشر ودمائهم، يمضي إليهم بكل جنون شهواته المبهمة..
يعلق رامبو العالم فوق هاوية، ويجلد الحياة بسياط من تمرد، عيناه تنبئان أنه يحترق كل آونة بفيوض الشعر والالم الماجن ويكاد يغص بلغة لهب تفتك بدمه وهو يترحل عابرا الميتات، متبوعا بخيط من لهب وبروق من لغة شاردة.

***
شارلفيل مدينة تمرده تؤدي إليها هضاب وغابات إقليم ( الاردين) غابات مضببة وحقول قمح لها تمايزات ضوء من (مانيه) وتدرّجات اخضرار وزرقة مذهبة من ( فان غوخ) لهضاب الإقليم المتاخم لحدود بلجيكا، انطباعية صادحة بين ممرات الضوء والصمت. تخبرنا كاترين أن منطقة الاردين تعرضت للدمار في الحرب العالمية الاولى التي شارك فيها الشاعر السريالي آبولينير وأصيب برأسه إصابة تركت آثارها على سنواته اللاحقة.
من هنا مرت الحروب بدخانها وعويلها وفرسانها العابرين نهر (المارن)، إلى قلب الغابات، ومثلهم عبرنا أولا وادي المارن ثم (نهر المارن). روح النهر تنشر وعودها في السهل، في الغابة، في الحقول، في الهضبة. تذكرنا كاترين أن نهر المارن يمر قرب بيتها في ضاحية (غريتيل) جنوب شرق باريس…
نتوقف في محطة على طريق مدينة (ريمز ) في منتصف المسافة بين باريس وشارلفيل، نشرب القهوة والكابوتشينو ونستمع إلى (جاك بريل) يغني ( لاشيء تبقى لنا غير الحب).. ربما يكون الأمر كما يصفه جاك بريل عند الحافات الغسقية للألم: لا شيء يتبقى لصناع الحلم سوى الحب. أما رامبو فقد تبقى لديه كل شيء باستثناءالحب والقصيدة ..
ارثور رامبو رحالة (نوماد) القرن التاسع عشر ضاق به جنون مراهقته فاستسلم لغواية الميوزات – ملهمات الشعر-. النهر الذي عاش على ضفافه اسمه – المووز وعلى جسر بقوسين مقنطرين فوقه، أقاموا متحفه وقبالته يقوم بيته بنوافذه التي يسيل منها النور وألوان قوس قزح وهمهمات الشعر وهدير القطارات وصفير البواخر.. بيته الذي ليس في اي مكان، كما كتب على بوابته التي يتعذر فتحها كاملة وكأنها تصون سر المارق الفاتن وراء غموض العتمة في المدخل.
وجه رامبو مبعثر في أفق هضبة، وجه القصيدة تعبره الريح، والأبقار البيضاء تبقع إخضرار المروج ببخار احلامها التي رسمها (شاغال)، ومن جلدها الأبيض تفوح أشذاء الأعشاب، أعشاب حوافي الطرق، تتوهج بينها شعلات من الشقائق القرمزية والطريق المنحرف يمينا يؤشر إلى مدينة (شامبين ) التي تصنع للمباهج واحتفالات تدشين الحب والسفن والصروح – شرابا استعار اسمها الفوار : شامبين ..
الشقائق القرمزية تتلامع في الشمس على حواشي الدروب وتقترح دليلا من وهجها الأحمر عبر وادي ريمز، وتتفتح ثغورها عن جمر رامبوي أسمعها تردد بصوت رامبو: إنني أتبع الصيف، العشب يتبع وقع القصائد الضالة، القصيدة تسقط في رائحة الغد، الطريق إلى رامبو موبوء بالمكائد اللغوية ونحن في سيارة كاترين نتداول حروف العلة التي أعطاها رامبو حجما والوانا و(خليجا من الظلال).
يقول اينشتاين : المصادفة هي قانون السفر- نعم هي ذي المصادفة تقود خطانا الى رامبو، نحن عاشقيه الثلاثة: الفرنسية والعراقية والتونسي، كيف جمعتنا غوايات رامبو وعبرنا الحلم معا من محارق بغداد وزرقة تونس الى باريس الكوزموبوليتانية العظمى، لنزور محبوبنا العابر أفق الحياة بمركبة جنون جيادها شموس وأبالسة..

هل ثمة طريق تؤدي الى رامبو ؟
يخيل للمرء أن الطريق هي التي ستقودنا الى رامبو وأن الساعات الأربع التي يستغرقها الطريق الى شارلفيل ستفضي اليه. كنا واهمين. فعندما وصلنا، كان كل شيء موصدا: المتحف وبيته على نهر (مووز) والمقبرة: هرب رامبو من الامكنة وعلق بين الابدية والأزل..
وتركنا في تيه ساحة الدوق القديمة المربعة وهي مركز شارلفيل القديمة، الساحة ذاتها التي حافظت على معمار مبانيها من القرن السابع عشر: طراز روماني تنحني فيه الأقواس على أروقة مظللة وأرض مرصوفة بقرميد متشظ ، الساعة في برج مبنى السياحة تعمد الظهيرة بالموسيقى والقصيدة تحوم حول الحانات وتستحم في النبيذ أو تهيم في بخار الكلام .. هنا كان رامبو الصبي يطارد أشباح اللغة ويقنص الشعر من زغب النجوم .. وهنا في هذه الحانات العتيقة يعبر الصدأ على أصابع الساقية البدينة ، وتسمع أنفاس النبيذ من قاع الأقبية، هنا يحتسون نخب رامبو من نبيذ (ميرلو)، هنا لا تحتمل حياة السكون، هنا تحبو القطط على المرايا وتلتهم الموسيقى، ويرطن النادل بلهجات فلمنكية وافريقية، بينما الأقداح تبوح بسر النبيذ في سطوع الظهيرة، والضوء في قبضة الزوارق الصغيرة العائمة على نهر مووز..

الطرق تشير إلى متحفه الوحشي المنتصب بفظاظة الحجر الخام على جسر فوق النهر الصغير، المتحف بأربعة طوابق وهو مبنى طاحونة البلدة القديمة المقامة على جسر حجري بقوسين وكأنها تشير الى العبور البرزخي لرامبو المترحل في مروره العاصف وتضاده مع اي نوع من الثبات والتلبث في أرض البشر.
متحف رامبو عابرا النهر، ليس له رسوخ الضفاف ولا ثبات المباني المغروسة على الأرصفة. يخيل إلى الرائي انه سوف ينهار ذات عاصفة ويودي بالنهر والجسر والقنطرتين الحجريتين.. لا شيء من رامبو يرسخ في الارض، لا المتحف ولا البيت ولا القصيدة. .السيدات المسنات اللائي يشرفن على المتحف يتاجرن بأوشحة حرير عليها صورة بالالوان لوجه الفتى الشاعر في عنفوان سنواته الإبداعية، يعطيننا بطاقات الزيارة ومطويات المتحف ويشرن إلى السلم الخشبي لنرتقي في معراج الشعر طوابق المتحف.. الخزانات تحمي كنوز الشاعر، رسائل بخط يده، كتب عتيقة، قصاصات، قصائد، كتاب لتعلم اللغة العربية بغلاف جلدي بني مكتوب بماء الذهب، صحف عتيقة، هشيم حياة وامضة لشاعر غادر القصيدة الى الطين.

هنا كتب رامبو قصائده امام نهر مووز الذي يمر امام بيته، كتبها على مرتفع الاوليمب الذي يواجه منزل امه على الضفة الاخرى للنهر، كتبها على ومض بروق مراهقته ونزوات الجسد المتوثب في تفتحه ومروقه، ثم سرق حياته من حياته ومضى بعيدا في العراء الصحرواي، ساحبا وراء عبوره طريقا من اللعنات والإبهار..
استغربت ان يكون لرامبو متحف يضم ما تبقى منه و ما استلهمه منه الآخرون من أعمال فنية وأفلام تستنطق الشعر والسيرة صورا وقصائد وموسيقى – نعم غريب أن ترى متحفا لشاعر ملعون فالمتاحف لقواد الجيوش والغزاة والملوك والكهنة والمشرعين والرؤساء والغانيات الشهيرات.. ولو كان رامبو حيا، لسخر من فكرة وجود متحف له يؤمه عشاق الشاعرمن جهات العالم – ولربما كان نظر إليه وقال:
– هذا هو الآخر الذي ليس أنا.. (هذا الذي غادرته وقتلته وأقمت له ضريحا في مدينة صحراوية على تخوم المجاز، أنا ذاهب أبعد منه وأقرب الى الآخر في جسدي المتألم).
المتحف يشير إلى آخر ما ترك رامبو: حقيبة صندوقية من الجلد البني المهترئ، وشال كبير من نسيج صوفي بنقوش أثيوبية ملونة، وساعة الجيب الفضية التي تبدد منها الزمن وأخرسها الموت، والى جانبها أدوات البدوي الرحال – نوماد التجارة وبائع العبيد ومهرب الارواح: ملعقة وشوكة وسكين وقدح معدني مثل أقداح الكشافة وكتاب تعلم اللغة العربية..
والقاعات مطوقة بحفيف القصيدة ورعشة الألوان في لوحات الفنانين الذين استلهموا قصائده في لوحاتهم: فصل في الجحيم يتوزعه ألق النار ووحشة الوقت في جحيمات العقل والزورق السكران يتقاسم لوعة الموج الماكرمع الجمال المتعفن ..
هل تحوّل كل ذلك الكائن الهادر الى كيان متحفي ؟ أحقا هذه هي أدوات النوماد التائه ؟
في إحدى القاعات، يُعرض فيلم يستلهم حياته مع أعمال رسامين من عصره، ترافقه موسيقى مؤلفة من أجل مركبه السكران وفصول جحيمه..
جلسنا إزاء الشاشة ورأينا مدنا راودت الشاعر ورأينا قطارات بخارية تهدر وسفنا ترود البحار الدافئة، رأينا فيرلين في السجن ورامبو المصاب راقدا في سرير المستشفى مضمد الرسغ، ورأينا بروكسل ومدنا أوروبية أغوت رامبو وخيام سيرك في فيينا وبلغراد ونيقوسيا. كان رامبو مهرج الحكاية الأليمة لوجهي الحياة المتلازمين ، الشاعر الذي إنتحر في جسد التاجر مهرّب السلاح والارواح.

بيت رامبو
على يسار باب البيت المواجه للنهر والمتحف، قطعة مربعة من رخام تعلن (هذا بيت للامكان)، باب حديدي يبقى مواربا لا ينفتح على آخره، والشارع المسمى رصيف رامبو ينعطف قبالة البيت مشكلا شبه جزيرة مرتفعة تسمى (جبل الأوليمب)..
أول الغرف صممها فنان الديكور شبه عربة قطار، مقعداها المتقابلان مكسوان بالجلد الأحمر وقد علقت صور فوتوغرافية على ظهري المقعدين حسب تتابع زمني لرحلاته الى مدن اوروبا، بدءا بباريس وبروكسيل، بينما نسمع هدير قطار بخاري من اللامكان..

 في غرفة رامبو صنع فنان الديكور (يان بيفيه) مشاهد فيديو استلّ عناصرها من قصائد رامبو وبعض رسائله، تنعكس ضوئيا على المرآة وتتوالى بلغات فرنسية وانكليزية والمانية وبسرعات مختلفة متفاوتة لتؤدي إلى نتيجة باهرة تمكّن المشاهد من متابعة القصيدة والايقاع الشعري.. وفي هذه الغرفة وجدنا شابة ريفية بدينة ذات شعر قاتم تنام هادئة على قاعدة النافذة الرخامية المطلة على الحديقة – أفاقت حين دخلنا وحيتنا بنوع من الغياب. نعاسها كان ممهورا بأبيات قصائد رامبو المتناثرة أنوارا زائلة على المرايا. سألناها هل هي موظفة في المتحف، قالت أنا زائرة له جئت من مدينة تولوز لرؤية بيت رامبو، ثم طلبنا منها ان تلتقط لنا صورا ففعلت، ثم عاودت النوم في نافذة غرفة رامبو، مستسلمة لغيابها الشعري..

في أول هرب له الى باريس لا يدفع رامبو ثمن تذكرة القطار فيسجن ، يكتب رسالة إلى صديقه: عزيزي، ما نصحتني ان لا أفعله فعلته، سافرت إلى باريس، غادرت منزل أمي.. كانت أمي تمنحني 10 سنتيمات من أجل حجز مقعد لي في الكنيسة، ولهذا كان علي أن أهرب).
كانت الرحلة الأولى الى شارل روا ثم إلى بروكسل. يذهب راجلا الى باريس ليلتحق بثوار الكومونة، ثم يقرر التفرغ للشعر وتصفية حساباته مع الجهات كلها ويعلن: يجب أن نكون اصحاب رؤى. وعندما أطلق عليه فيرلين الرصاص وأمضى عامين في السجن، عاد رامبو الى أمه وكتب ( فصل في الجحيم).
يردد المعلق في الفيلم الوثائقي الذي يعرض في قاعة المتحف:
-( مازلنا في الحياة، لو أن اللعنة كانت أبدية، إن امرءا يريد تشويه نفسه، لهو إنسان ملعون حقا. أعتقد أني في الجحيم.. إذن ، فأنا فيه..)
وعند مدخل حانة (الملاليم الأخيرة) حيث إحتسينا القهوة، لوح واسع دونت عليه قصيدتان، واحدة لرامبو والأخرى لفيرلين، وفي الداخل لوحة نادرة لوجه رامبو كتب تحتها: مهرّب الأرواح.
يقول هنري ميلر عن رامبو :
الشاعر منبوذ، شذوذه في سبيله الى الانطفاء، لكن من يهتم الآن كيف جعل الشاعر نفسه كائنا مرعبا ؟ الوحش طليق يجوب العالم. لقد أفلت من المختبر وهو في خدمة كل من يجد في نفسه الشجاعة على استخدامه، لقد أمسى العالم رقما..)

في 10 نوفمبر 1890، يذهب رامبو الى هرار ويكتب:
(.. إنني شبه سجين هنا..ِ)
في 1 ابريل يدوّن في دفتر ملاحظاته :
(تمطر منذ عشر ساعات بلا انقطاع، ولا نستطيع العيش ولا نتمكن من الانتظار.. امضي الوقت في جلد اثيوبي..)
غرفة اخرى تعرض فيلما متكرر اللقطات يقدم مشاهد من الاعمال التي مارسها رامبو في عدن وهرار، مراقبا للعمال ومشرفا على تحميل الحبوب على السفن. وتتوالى العروض في الغرف الاخرى، ففي الغرفة المخصصة لحياته في باريس نرى وصوله اليها عند نهاية ( كومونة باريس)التي اختتمت انجازاتها الاشتراكية بثورة دموية عنيفة، فيغادر رامبو الى لندن مع فيرلين في إقامات متقطعة حيث تبدأ الأزمة بينه وبين فيرلين وليعودالى بروكسل ويكتب افضل اعماله.
في كل غرفة من غرف البيت بطوابقه الأربع، قام فنانو الديكور والسيناريو بتصميم مرحلة من مراحل حياته فيها، وهي خلو من اي أثاث، وانفرد كل واحد منهم بابتكار مشاهد وعروض شاعرية وواقعية لحياة رامبو من رحلاته الاوروبية الى شرق افريقيا وزنجبار وعدن وهرار. وقد قام فنانو الفيديو بتصوير افلامهم في المدن ذاتها التي امضى فيها رامبو حياته الاخرى في الأماكن الأبعد عن عالمه الشعري..

مقبرة شارلفيل
حرّ ما بعد الظهيرة ورطوبة الهواء النهري جعلانا نتصبب عرقا ونحن نبحث عن قبر رامبو بين قبور سادة المدن والكونتات والبارونات والكهنة والعسكريين والسيدات النبيلات والعامة. ثلاثتنا توزعنا في ممرات المقبر ة الشاسعة نبحث بين شواهد الرخام وباقات الزهور الذاوية وغرسات الزنابق الموهوبة للأعزاء من الموتى، ولم نجد رامبو…
عندما يئسنا من الامر، قررنا ان نبحث عن حارس المقبرة في الكوخ الريفي لدى مدخل المقبرة, همست لكاترين، لا أظننا سنجده، لابد أنه غادر المدافن لأنه لا يحتمل البقاء في مكان واحد حيا وميتا. كدنا نسلم بفكرة فقدان رامبو ميتا عندما عدنا ودخلنا المقبرة ثانية فوجدنا مدفنه مع أمه وابيه وشقيقتيه الى يسار مدخل المقبرة وكأنه انبثق من العدم بشواهده الرخامية. كان يراوغنا ويهزأ من زوار قبره الذي كان منسيا حتى عام 1946. وضعت زهور الاقحوان البيضاء على قبره وهمست له ببضع كلمات باللغة العربية التي أحبها رامبو وأراد ان يتعلمها فتعلم الغياب الأقصى. قلت له: أفضل ما فعلته أنك رحلت باكرا لتبقى، رغم أن محبيك عاتبون لإسراعك في الرحيل الى هناك، هذه الزهور من أصدقاء شعراء أقدّمها باسمهم لخلودك الفادح..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق