في سبيل معرفة ملتزمة

إذا كان من المهمّ اليوم أو من الضّروريّ أن يتّحد عدد معيّن من الباحثين المستقلّين مع الحركة الاجتماعيّة فذلك لأنّنا نواجه سياسة للعولمة. ( أقول جيّدا «سياسة للعولمة»، ولا أتحدّث عن «عولمة» كما لو أنّها مسار طبيعيّ ). هذه السّياسة في قسمها الأكبر تمّ إخفاء إنتاجها وترويجها. ولهذا لا بدّ من جهد كبير في البحث للكشف عنها قبل تطبيقها. ولهذه السّياسة كذلك تأثيرات من الممكن التّنبّؤ بها بفضل وسائل العلوم الاجتماعيّة، غير أنّها ما زالت على المدى القريب غير ظاهرة لأغلب النّاس. والخاصّيّة الأخرى لهذه السّياسة أنّها في جزء منها من إنتاج باحثين. والسّؤال المطروح هو معرفة هل بإمكان ومن واجب أولئك الّذين يتوقّعون – انطلاقا من معرفتهم العلميّة – العواقب الوخيمة لهذه السّياسة، أن يظلّوا صامتين؟ أم أنّ في هذا الموقف نوعا من انعدام النّجدة لأشخاص هم في خطر؟ وإذا كانت المعمورة حقّا مهدّدة بكوارث خطيرة أليس من واجب أولئك الّذين يعتقدون أنّهم يعلمون مسبّقا بوقوعها أن يتخلّوا عن التّحفّظ الّذي عادة ما يلزم العلماء أنفسهم به؟

في ذهن أغلب النّاس المثقّفين وخاصّة في ميدان العلوم الاجتماعيّة تنازع يبدو لي أنّه خطير جدّا، هو التّنازع بين البحث المدرسيّ scholarship والمسؤوليّة commitment، بين أولئك الّذين يكرّسون أنفسهم للعمل العلميّ الّذي يتمّ وفق مناهج علميّة لأجل علماء آخرين، وأولئك الّذين يلتزمون ويحملون علمهم إلى الخارج. إنّ هذا التّعارض اصطناعيّ فلا بدّ في الواقع أن يكون العالم مستقلاّ ويشتغل وفقا لقواعد البحث المدرسيّ، حتّى يصير بإمكانه أن ينتج معرفة ملتزمة، أي لا بدّ أن يكون باحثا مدرسيّا ومسئولا في آن واحد. ليكون العالم عالما ملتزما بحقّ، ملتزما قانونا، عليه أن يستخدم معرفة ما. ولكنّ هذه المعرفة لا تكتسب إلاّ بالعمل العلميّ الخاضع لقواعد المجتمع العلميّ.

بعبارة أخرى، ينبغي تجاوز عدد معيّن من المتعارضات السّاكنة في عقولنا والّتي هي وسائل لتبرير الاستقالات، بدءا باستقالة العالم الّذي ينزوي في برجه العاجيّ. ذلك أنّ التّنازع بين البحث العلميّ والمسؤوليّة العلميّة تضمن للعالم راحة الضّمير لأنّه يحظى باستحسان المجمع العلميّ ، كما لو أنّ العلماء يظنّون أنفسهم علماء مضاعفين لأنّهم لا يفعلون شيئا بعلمهم. ولكن حين يتعلّق الأمر بعلماء الحياة يمكن أن يكون هذا الموقف جريمة، ويكون الأمر على نفس الدّرجة من الخطورة حين يتعلّق بعلماء الجريمة. هذا التّحفّظ، هذا الهروب نحو النّقاء، له انعكاسات اجتماعيّة خطيرة جدّا. كيف يجدر بأشخاص مثلي، تدفع لهم الدّولة مقابلا ماليّا للقيام بالبحث، أن يعتنوا بحفظ نتائج بحوثهم لزملائهم؟ إنّه لأمر في غاية الأهمّيّة أن تعطى للزّملاء الأولويّة فيما نعتبره اكتشافا لينقدوه، ولكن لماذا تحجز لهم المعرفة الّتي تمّ اكتسابها ومراقبتها جماعيّا؟

يبدو لي أنّه لا خيار اليوم للباحث: فإن كان مقتنعا بوجود صلة بين السّياسات اللّيبراليّة الجديدة ومعدّلات الانحراف، وبين السّياسات اللّيبراليّة الجديدة ومعدّلات الجريمة، وبين السّياسات اللّيبراليّة الجديدة وجميع العلامات الّتي كان ديركهايم سيسمّيها فوضى اجتماعيّة، فكيف بإمكانه ألاّ يتكلّم؟ لو تكلّم لا أحد يمكن أن يلومه بل كان على الجميع أن يهنّئوه.

والآن ما هو دور الباحث في الحركة الاجتماعيّة؟ أوّلا، ليس من مهامّه أن يقدّم دروسا كما كان يفعل بعض المثقّفين العضويين الّذين، بسبب عجزهم عن فرض بضاعتهم في السّوق العلميّة حيث تستعر المنافسة، كانوا يؤدّون مهنة المثقّف لدى غير المثقّفين، قائلين في الآن نفسه بأنّه لا وجود للمثقّف. ليس الباحث رسولا ولا معلّما للتّفكير. عليه أن يبتكر دورا جديدا وعسيرا جدّا: عليه أن يصغي، عليه أن يبحث ويبدع: عليه أن يحاول مساعدة المنظّمات – الّتي مع الأسف يزداد ضعفها يوما بعد يوم بما فيها النّقابات- على الصّمود في وجه السّياسة اللّيبراليّة الجديدة، عليه أن يكلّف نفسه بمهمّة مآزرتها من خلال مدّها بالأدوات. خصوصا منها الأدوات المضادّة للتّأثير الرّمزيّ الّذي يمارسه «الخبراء» الملتزمون بخدمة كبرى المؤسّسات متعدّدة الجنسيات.

بإمكان الباحثين أيضا أن يقوموا بشيء أكثر جدّة وأكثر صعوبة: هو تيسير ظهور شروط منظّماتيّة للإنتاج الجمعيّ بنيّة ابتكار مشروع سياسيّ أوّلا، وشروط منظّماتيّة لضمان نجاح ابتكار مثل هذا المشروع السّياسيّ الّذي سيكون بطبيعة الحال مشروعا جماعيّا ثانيا. ففي النّهاية، كانت الجمعيّة التّأسيسيّة في سنة 1789 وبرلمان فيلادلفيا يتركّبان من أناس مثلك أنت ومثلي أنا، لهم معرفة بالقضاء، قرؤوا لمنتسكيو وابتكروا هياكل ديمقراطيّة. واليوم علينا بالمثل أن نبتكر الأشياء… بالتّأكيد سيقول البعض:« ولكن لدينا برلمانات، وكنفيدراليّة أوروبّيّة للنّقابات، وأشكال متنوّعة من المؤسّسات الّتي ينتظر منها القيام بهذا العمل.» لن أبرهن على ما سأقول ولكن علينا أن نلاحظ أنّها لا تفعل ذلك. لا بدّ إذن من خلق الشّروط الملائمة لهذا الابتكار. لا بدّ من المساعدة على رفع العراقيل التّي تقف أمام هذا الابتكار، العراقيل الّتي يوجد البعض منها في صلب الحركة الاجتماعيّة المكلّفة برفعها وخصوصا في النّقابات…

لماذا بإمكاننا أن نكون متفائلين؟ أظنّ أنّه بوسعنا الحديث بلغة الفرص المعقولة للنّجاح، بأنّ السّاعة قد حانت، بأنّها اللّحظة المناسبة. فلو أنّنا أقمنا هذا الخطاب في الفترة المحيطة بسنة 1995، لما أصغى أحد إلينا ولاتّهمنا بأنّنا مجانين. وأشخاص مثل كاسّاندر Cassandre كانوا ينذرون بوقوع كوارث كانوا عرضة للسّخرية، وكان الصّحفيّون يهاجمونهم وكانوا يتعرّضون للإهانة. أمّا اليوم فالأمر أقلّ حدّة. لماذا؟ لأنّ عملا كبيرا تمّ إنجازه. فكانت هناك أحداث سييتّل Seattle وسلسلة طويلة من المظاهرات. كما أنّ العواقب المنجرّة عن السّياسة اللّيبراليّة الجديدة والّتي توقّعنا حدوثها بصفة مجرّدة بدأت تظهر للعيان. وصار النّاس الآن يفهمون… حتّى الصّحافيون الأقلّ ذكاء والأكثر عنادا يعلمون أنّ المؤسّسة الّتي لا تحقّق 15% من الأرباح تقوم بعمليّة التّسريح. التّكهّنات الأكثر كارثيّة لمتوقّعي المصائب ( الّذين كانوا فقط أكثر اطّلاعا من الآخرين) بدأت تتحقّق. ما نقوله ليس سابقا لأوانه وليس أيضا متأخّرا عن زمانه. لأنّها ليست سوى البداية، لأنّ الكوارث لم تزل في بدايتها. مازال هناك وقت لرجّ الحكومات الاشتراكية الدّيمقراطيّة الّتي ينظر إليها المثقّفون بعين الرّضا خصوصا عندما ينالون منها امتيازات اجتماعيّة مختلفة…

حسب رأيي، لا يمكن لحركة اجتماعيّة غربيّة أن تحظى بالفاعليّة إلاّ إذا جمعت بين ثلاثة مكوّنات هي النّقابات والحركة الاجتماعيّة والباحثون، شريطة أن تتكامل فيما بينها بطبيعة الحال، لا أن يقع التّقريب بينها فقط. بالأمس قلت للنّقابيين إنّ بين الحركات الاجتماعيّة والنّقابات في جميع بلدان أوروبّا فرقا عميقا يتعلّق بالمضامين وطرق العمل على حدّ سواء. فالحركات الاجتماعيّة أوجدت أهدافا سياسيّة كانت النّقابات والأحزاب قد تخلّت عنها أو نسيتها أو خنقتها. ومن جهة أخرى أتت الحركات الاجتماعيّة بأساليب عمل نسيها النّقابيون شيئا فشيئا مرّة أخرى أو قمعوها. وخاصّة منها أساليب العمل الفرديّة: ذلك أنّ أعمال الحركات الاجتماعيّة تلجأ إلى النّجاعة الرّمزيّة، وهي نجاعة مرتبطة جزئيّا بالالتزام الشّخصيّ لأولئك الّذين يقومون بالمظاهرات، الالتزام الشّخصيّ الّذي هو بدوره التزام جسديّ.

لا بدّ من المجازفة. فليس المقصود هو السّير واحدا يتأبّط الآخر، مثلما يفعل عادة النّقابيون في غرّة ماي. لا بدّ من القيام بأعمال، باعتصامات، الخ. وهذا يستدعي الخيال والشّجاعة معا. ولكن عليّ أن أقول أيضا:« حذار من الرّهاب النّقابيّ ” syndicalophobie “. فلا بدّ من فهم منطق الأجهزة النّقابيّة». لماذا أحدّث النّقابيين عن أشياء هي قريبة من وجهة النّظر الّتي تحملها الحركات الاجتماعيّة عن نفسها، ولماذا سأحدّث الحركات الاجتماعيّة عن أشياء هي قريبة من الرّؤية الّتي يحملها النّقابيون عن أنفسهم؟ لأنّه بشرط أن يرى كلّ من الفريقين نفسه كما يرى الآخر، يمكننا حينئذ أن نتجاوز هذه الانقسامات الّتي تساهم في إضعاف مجموعات هي في الأصل ضعيفة. إنّ الحركة المقاومة للسّياسة اللّيبراليّة الجديدة هي إجمالا ضعيفة جدّا وما يوهنها هي انقساماتها الدّاخليّة. إنّها عبارة عن محرّك يستهلك 80% من طاقتها هباء، أي في شكل توتّرات وانشقاقات وصراعات الخ. فمن بإمكانه في هذه الحالة أن يمضي بأكثر سرعة وإلى ما هو أبعد؟

إنّ العوائق الّتي تعترض بناء حركة اجتماعيّة أوروبّيّة موحّدة متنوّعة. فهناك عوائق لسانيّة هامّة جدّا. كما هو الحال مثلا في عمليّة التّخاطب بين النّقابات أو بين الحركات الاجتماعيّة، فالأعراف والإطارات يتكلّمون بلغات أجنبيّة في حين أنّ النّقابيين والمناضلين أقلّ تحدّثا بها بكثير. من هنا يكون تأميم الحركات الاجتماعيّة أو النّقابات صعبا جدّا. وهناك أيضا العوائق المرتبطة بالعادات وبأنماط التّفكير وبقوّة البنى الاجتماعيّة والهياكل النّقابيّة. فما هو دور الباحثين في هذا المجال؟ إنّه العمل على ابتكار جماعيّ لبنى الابتكار الجماعيّ الّتي ستفضي إلى ولادة حركة اجتماعيّة جديدة، أي إلى مضامين جديدة وأهداف جديدة وطرق عمل أمميّة جديدة.

* المقال منشور في مجلّة Manière de voir، عدد مزدوج- رقم 104- أفريل ماي- 2009، صص 96- 97

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق