في سوريا: التغيير حتميّ فمن سيشارك فيه؟ / عمر قدور

بعد انقضاء ما يزيد عن أربعة أشهر من عمر الانتفاضة في سوريا بات بالإمكان القول إن مسار الأحداث قد اتضح بشكل يصعب معه أي تصور للعودة إلى الوراء، فرقعة المظاهرات آخذة بالتوسع رغم فظاعة ما تُجابه به، والكتلة التي ما تزال صامتة من المجتمع السوري راحت تتناقص، ومن تبقى منها سيجد نفسه قريباً أمام استحقاق الحسم. ومع أن هذه المقدمة لا تعني بالضرورة حصول تحول دراماتيكي آني إلا أن التغيير بات مسألة وقت ليس إلا، ولن يكون بوسع القوى الممانعة له أن تقاوم حركةً أصبحت بمثابة الضرورة الملحة، بل إن جزءاً على الأقل من القوى الممانعة هو الذي ساهم في إيصال الحالة السياسية إلى انسداد في الأفق ميز العقود الثلاثة الأخيرة من عمر النظام، ولن يكون بوسعه الاستمرار بعد الآن.

من المألوف تاريخياً أن تلجأ القوى المضادة للتغيير إلى العنف كسلاح أخير للحفاظ على مواقعها، ومن المعهود أيضاً أن يكون اللجوء إلى العنف دلالة على الإفلاس السياسي والاجتماعي إذ تكون القوى المسيطرة القديمة قد استنفذت دورها التاريخي، وأصبحت بمثابة عبء على الحراك الاجتماعي بدلاً من قيادته أو تمثيله. وفي الوقائع لا نجد نسبة معتبرة بين الفئات القديمة المهيمنة من الذين التقطوا حركة التغيير فتماشوا معها، وجنّبوا المجتمع ويلات العنف، لأن البنى المستبدة تميل بطبعها إلى التشبث بمكتسباتها حتى النهاية، ولا تتقبل الدخول في علاقة مشاركة وتداول للسلطة بدلاً من علاقة السيطرة والإخضاع التي ألِفتها طويلاً. عندما تستشعر القوى المسيطرة تاريخيةَ التغيير تدرك أن لا مجال للمساومة في هذه اللحظة، فتأخذ المعركة طابعاً نهائياً، ومن جهتها تدرك القوى الحاملة للتغيير أهمية اللحظة التاريخية فتسعى إلى عدم التفريط بها أو بأي من مكتسباتها.

مع ذلك لا ينفي وصول التغيير إلى مرتبة الحتمية التاريخية وجوداً وازناً للقوى الممانعة له، خصوصاً مع الأخذ بالحسبان مظاهر الخوف الجماعي من التغيير عند أشخاص وفئات يهابون مخاطر التغيير وإن كان الوضع الحالي لا يلبي مصالحهم أيضاً، وليس من المستبعد في هذه الحالة بروز نزعات محافظة لديهم لم تكن ملحوظة من قبل. تفرض هذه التعقيدات نفسها في الانتفاضة السورية، فالفئات المشاركة فيها متعددة المشارب والأهواء الفكرية وإن اتفقت على مطالب انتقالية عامة، بينما تفتقر الفئات الممانعة للتغيير إلى البدائل الممكنة، ما يضعها في موقع الإعاقة إن لم يكن في موقع العداء. وإذا أضفنا إلى ذلك طبيعة الاصطفافات الاجتماعية والطائفية القائمة فهذا ما سيجعل التغيير يبدو مطلباً فئوياً، حتى إن أصرت الفئات الحاملة له على كونه وطنياً عاماً، وحتى إن كان الأمر كذلك فعلاً.

الشعارات وحدها لا تكفي، ولطالما عانى السوريون من الهوة السحيقة بين الواقع والشعار، فتحت الشعارات الطنانة ارتُكبت الفظائع، وتحت الشعارات القومية تمت تجزئة الاجتماع الوطني، لذا ليس من المتوقع إقناع معارضي التغيير، خصوصاً أولئك الذين ينظرون إليه كحركة طائفية سنية، بالشعارات الوطنية وحدها. لا بد من الاعتراف بوجود مساحة من الشك والريبة بين مجموعات لا يُستهان بها من السوريين، ولا يساعد عامل الوقت الآن على بناء الثقة في حال توفرت النوايا والإرادات، خصوصاً بوجود ضخ إعلامي يغذي الاحتقان الطائفي بشكل شبه مكشوف أحياناً وسافر أحياناً أخرى.

يقتضي التحلي بالواقعية من المعارضة الإقرار بأن إصرارها على وطنية الانتفاضة وعدم الانزلاق إلى الفخ الطائفي لم يؤتِ ثماره جيداً، وما حدث في بعض مناطق الاحتكاك الطائفي من تقوقع وانعزال ينافي التطلع إلى التغيير المنشود، ولا فائدة من تحميل الحكم مسؤولية تصعيد المخاوف الطائفية أو استثمارها، فالمخاوف في أوقات الأزمات القصوى قد تكتسب طابعاً غرائزياً يستعصي على النقاش العقلاني الهادئ. في المقابل؛ لا يجوز من الناحية الأخلاقية تحميل المعارضة مسؤولية سياسات استمرت لعقود، لكن هذا لن يعفيها من تحمل التبعات السياسية الراهنة والمستقبلية لمجمل سياسات الحكم.

بخلاف الخطاب الرسمي للحكم الذي لا يخفي التلميح إلى الشأن الطائفي تواظب محطة تلفزيونية مقربة منه جداً على ضخ التحريض الطائفي بشكل سافر، وتمتلئ الشوارع بإعلانات رسمية أو شبه رسمية تحذر من الفتنة، وكأن البلاد في أتون حرب أهلية أو مقبلة عليها. ليس جديداً أن تُترك للإعلام الموازي للإعلام الحكومي مهمةُ شرح وتفسير ما يتحرج الأخير من الإفصاح عنه، أما الجديد فهو نزول الخطاب الإعلامي إلى مستوى الإيحاء أو التصريح بأن الحكم هو الضامن لحضور ومشاركة «الأقليات» في الحياة العامة في وجه «أغلبية» طائفية أصولية تستعد لإقصائها. في هذه الحمى تخطئ المعارضة إذ تصور ما يروجه الإعلام السوري على أنه مجرد أكاذيب وأضاليل بلا أثر، لأن هذا الخطاب الإعلامي يضع نصب عينه استقطاب أو تحييد فئات محددة، وينبغي الاعتراف بأنه نجح ضمن هذه الحدود، فقامت بعض الطوائف بدور الكابح لشبابها المتحفز للتغيير. وينبغي الاعتراف بشجاعة أيضاً بأن بعض الأفراد أو الفئات أسهموا في إعطاء مصداقية للخطاب الرسمي التحريضي، فقد حدثت أعمال عنف انتقامية فردية من قبل مناوئين للسلطة واتخذ جزء من هذه الأعمال طابعاً طائفياً، أو على الأقل تم استغلالها إعلامياً على هذا النحو. شهدت بعض مناطق الاحتكاك الطائفي حوادث تهجير شبه قسري أو طوعي من الطرفين، وهذا نوع من العنف الطائفي المعنوي الذي لم يتوقف عنده الكثيرون مع أنه يؤذن بسهولة التحول إلى العنف المباشر الفظ.

منذ البداية يدرك الكثير من السوريين مخاطر التغيير والمعوقات المتوقعة، ومن ضمنها الوضع الطائفي الحساس، لذا توجه بعض المعارضين برسائل علنية تطالب الحكم بقيادة عملية الإصلاح وتجنيب البلاد الثمن الباهظ المتوقع، وحتى مع سقوط عدد غير قليل من الضحايا استمرت الرسائل الداخلية والخارجية التي تطالب طرفاً من الحكم بالمشاركة في عملية التغيير. ورغم التباينات فإن الإصلاحات المتواضعة التي يلوح بها الحكم تُعد إقراراً منه بحتمية التغيير مهما طال الابتعاد عن تجرع مرارته، إلا أن ما يبدو واضحاً هو عدم إدراكه لأهمية الوقت، ما يجعله يبتعد عن حركة الشارع التي تتقدم بالمواكبة مع مطالبه الثورية.

اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بات التغيير واقعاً، ولن يكون مفيداً إنكار الواقع، أو استمرار إعاقته بمزيد من العنف. قد لا تروق هذه الخلاصة للبعض، وقد تكون قاسية على البعض الآخر، لكن الوقائع على الأرض لن تتوقف عند تحفظ البعض أو عدم اقتناعه، ولا يخفى أن بعض القوى السياسية بدأت تنظم صفوفها استعداداً للمرحلة اللاحقة. وبعيداً عن الشعارات سيكون من الواقعية السياسية أن تتحفز القوى صاحبة المصلحة بالتغيير لقطف ثماره، وأن تحاول القوى الأكثر استعداداً له رسمَ المستقبل الذي تريده. بتوافق الجميع عليه يكتسب التحول زخماً ومشروعية وطنية عامة، لذا تكتسب المشاركة الفعالة من بعض الطوائف أهمية قصوى تصل إلى مرتبة كونها مطلباً وطنياً يعلو على الحساسيات والحسابات المؤقتة؛ إن استيعاب هذه الوقائع ضروري من قبل القوى الممانعة أو الصامتة إذا أرادت أن يكون لها نصيب في صنع المستقبل، ولعل المشاركة في صنع التغيير باتت الطريقة الوحيدة للتخلص من مخاوف الآتي.

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل البيروتية 31/7/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق