في سيكولوجيا الإستبداد والحرية

في النظام الملكي، الملك ليس فقط مديراً لمصالح الجماعة أو حَكَماً بين أفرادها المتخاصمين أو زعيماً لجيشها، بل هو أيضاً رمز لوحدة الجماعة وقبولها بمبدأ العيش المشترك. الملك رمز الجماعة كوحدة متماسكة، موته يهدد قانونها ووحدتها، ووجوده يؤكد استمرار هذه الوحدة وحماية لها من الفوضى. في المجتمع الأبوي، الأسرة مثال مصغر عن هذه الجماعة، والأب هو حاكمها ورمزها. ولذلك كان الأب أحد أهم صور الملك وكان الملك أحد أهم صور الاب. فالأب ملك على أسرته والملك أب لرعيته. قد يكون الرئيس ممثلاً للدولة الحديثة لكنه ليس ملكاً بمعنى الموحد والحامي، ففي الدولة الحديثة الضامن لوحدة الجماعة وتعايشها هو الوطنية والدستور والقانون وليس الولاء للملك أو شخص الملك نفسه. لكن في الدول الديكتاتورية التي يتسلط فيها شخص على المؤسسة يعود رمز الملك-الأب للظهور واحتلال الصدارة كتعبير عن وحدة الجماعة. وليس من الغريب أن تكون الديكتاتوريات غالباً عسكرية تتضخم فيها النخبة الطفيلية. أو أن يتخذ الديكتاتور لنفسه مظهراً عسكرياً فهو في الحقيقة يعود إلى النموذج القديم الأصلي للدولة، أي تسلط الملك، القائد العسكري، الحاكم، الأب. والمؤسف أن الدولة في المنطقة العربية لا تزال مختزلة بشخص الحاكم الذي لا يزال يحتفظ بوظيفته الرمزية كممثل لوحدة الجماعة وضامن لأمانها وحام لها من الفوضى والإقتتال بين أفرادها. ومهما كان لقبه، فهو من الناحية العملية ملك-أب على النمط القديم الذي وصفته أعلاه. فمثلاً مهما كان الحاكم متجبراً فإن المواطن في الدولة الديكتاتورية حين يلتقي بمواطنين من دول أخرى سيدافع عن الديكتاتور أمامهم ويصد انتقاداتهم له لأنها تمثل انتقادات لرمز الجماعة. وحين يموت هذا الديكتاتور فليس من الغريب أن يبكي لفقده مواطنوه الذين كانوا ضحاياه بالأمس وأن ينسوا مساوئه ويعتبروا عهده عهداً ذهبياً سمته الإستقرار والوحدة والهوية المشتركة. وكلما أمعن الديكتاتور في الحد من حرية رعاياه، كلما أفقدهم استقلالهم وحولهم إلى أطفال قصّر ينتظرون أوامره قبل أن يتصرفوا ويفقدون تفردهم وروح المبادرة فيهم. وعندما يموت هذا الأب المتسلط الخاسف لفردانية “أبنائه” والماحي لشخصياتهم المتميزة الواحدة عن الأخرى، فإنهم يحسون بالضعف والهجران، يخشون الحاضر وينظرون بعين من الخوف إلى المستقبل. فالحرية ليست مجرد توفر الخيارات المتعددة، بل هي مرتبطة بالأشخاص الذين يمارسونها وبقدرتهم على المبادرة وإتخاذ القرارات المستقلة الفردية.

إذا نظرنا إلى الجماعة المتعايشة كشخص فرد فإن غريزة الحياة والبقاء في هذا الشخص، وهي غريزة مجزءة ومضمنة في كل منا، هي الرغبة في المحافظة على وحدة وتماسك الجماعة؛ وغريزة الموت والدمار، وهي كذلك غريزة مجزءة يحملها كل منا، هي الرغبة في تحطيم الوحدة وكسر سلطة القانون القاصر للحريات الفردية لكن الذي لا تقوم للجماعة قائمة دونه. هذا التناقض موجود في كل فرد من أفراد الجماعة، وهو تناقض بين كبت الحرية الفردية المطلقة، وبين التشوق لاستعادة هذه الحرية. مأزق الديكتاتورية هي أنها تزيد من الكبت ولا تعطي مقابله أماناً إضافياً، ولذلك فإن الديكتاتور يلجأ إلى خلق فوضى مصطنعة حتى يقنع الناس بانهم يحصلون على المكاسب التي يدفعون ثمنها باهظاً. ويستبطن كثيرون هذه المعادلة الجائرة فيقنعون بالكبت، بل ويتهمون من يحاول كسرها بخيانة الجماعة ومحاولة كسر رابطتها الجامعة. إنها غريزة الحياة الجمعية تعمل عملهاو يزكيها الديكتاتور نفسه باتهام الخارجين على طاعته بالخيانة وخلق الفوضى والإضطراب. وتاريخنا الإسلامي، وخاصة السني منه، مهووس بفقه الجماعة ودرء الفتنة؛ ألسنا أهل السنة والجماعة؟ (والسنة تعني القانون، أليس كذلك؟). الفتنة هي الفوضى التي تهدد تماسك الجماعة في إجماعها على رأي أو في إجماعها على العيش المشترك تحت حماية القانون وتحت قيادة الخليفة الذي هو رمز لهذا القانون ومطبقه والمدافع عنه. في الحقيقة الخليفة لا يتعدى كونه ديكتاتور شرعي، والديكتاتور لا يتخلى تماماً عن الدين حتى يتسنى له تقمص دور الخليفة بما هو جامع للناس وضامن لأمانهم.

في مقابلة مع فتاتين أختين في مصر أثناء الإعتصام في ساحة التحرير أجرتها قناة أمريكية. إحدى الأختين كانت تشارك في الإعتصام، بل كانت إحدى المنظمين لموجة الإحتجاجات ضد نظام مبارك. والأخت الأخرى فضلت البقاء في البيت بدعوى أن الوضع في الشارع خطر وتطغى عليه الفوضى. هذه الأخيرة عبرت عن خوف من المستقبل وتشبث بالوضع القائم، وبدأت تبحث لمبارك ونظامه عن محاسن لتبرر تمسكها به. وفي إحدى اللحظات طغت عليها المشاعر وقالت بأن مبارك بالنسبة لها يشبه الأب الحنون الذي يرعى أولاده وبدأت تذرف دموعها بصمت. تلاسنت مع أختها واتهمتها بالتهور والجنون، ثم تحولت إلى فيض من العاطفة تجاه أختها معبرة عن قلقها على مصير أختها، لا بل على حياتها. ثم جاءت الخالة لتدعم وجهة نظر الأخت المتخوفة متهمة الأخرى بالإندفاع وقلة البصيرة وتوريط المجتمع بأسره في عالم الفوضى والإضطراب ودهاليز الغيب المخيفة. بالنسبة للخالة الوضع قبل الإحتجاجات كان جيداً، والأمن والإستقرار متوفرين، والجميع بخير، و”الناس عايشين”، إشارة منها إلى ارتباط مظاهر الوحدة والتماسك والأمن والإستقرار بمبارك بكونه الحامي والمعيل والموحد. المتظاهرون بالنسبة للأخت المتخوفة والخالة ليسوا أقل من “قتلة أبيهم” حامي الحمى ومؤلف القلوب ومفتاح الأمن، إنهم أولاد عاقون لا كبير لهم تنقصهم الحكمة وتسيّرهم الغرائز الفوضوية. وطبعاً مبارك كان يفهم صورته هذه في أذهان كثيرين من رعاياه لأنه هو الذي بناها مسترشداً بتاريخ طويل من الملوك والآباء قبله مذ عرف الإنسان المجتمع والمدينة والحضارة. وبناءاً على هذه المعرفة كان من الطبيعي أن يصطنع الفوضى والتفرقة بإطلاق المجرمين من السجون وإثارة القلاقل الطائفية وإيعاز أتباعه ورجال أمنه بأن يقتلوا ويضربوا ويسرقوا ويكسروا متخفين بثياب مدنية حتى تكتمل صورة الفوضى الناتجة طبيعياً عن غياب القائد الأب الممثل للإستقرار والأمن والوحدة.

وحتى الخارجون عن الطاعة الراغبون في خلق عقد إجتماعي جديد ومعادلة متوازنة للإجتماع (بين حرية الفرد وكبت الجماعة لها)، يحسون بالذنب والخوف وهم يحطمون سلاسل الكبت التي تكبلهم، لأنهم يعرفون في دخيلتهم بأنهم “يقتلون أباهم”. فهم الأطفال الذين نشؤوا في كنف هذا الأب وتشربوا دعايته التي أرضعهم إياها في المدارس والتلفزيون والصحف. ولذلك تراهم يدافعون عن “فعلتهم” بحماس مفرط وانضباط غير عادي يدفع عنهم تهمة إحلال الفوضى. وما شاهدناه في ساحة التحرير من تنظيف هوسي للشوارع يمثل في جزء منه باعتقادي محاولة لدفع هذا الإحساس بالذنب ولإقناع أنفسهم والآخرين معهم بأنهم دعاة بناء ونظام وانضباط. أعرف أن كثيرين سيعترضون على هذا التحليل القريب من التحليل النفسي الفرويدي، فقد كانت كلمات المشاركين واضحة: “نحن ننظف لأننا وللمرة الأولى نحس بأننا نملك هذا البلد”. ومنبع هذه الكلمات والأفعال وطنية خالصة صادقة. نعم هذا صحيح، لكن الوطنية هي التعبير الحديث عن تماسك الجماعة ووحدتها، ومن ينخرط في فعل “تهديمي” كإسقاط النظام و وطرد رئيسه الأب-الملك يعي تماماً أنه “يقتل الأب” ولا بد له أن “يكفر عن ذنبه” بإظهار مفرط للولاء للجماعة ولطوطمها الجديد الذي نسميه الوطن أو الشعب. هذا الطوطم المنفصل عن شخص بعينه والقائم في فضاء خاص خارج المكان والزمان، ليس إلا شكلاً آخر لإله حديث، دينه الوطنية ومعبده البرلمان وطقوسه الإنتخابات ومهرجانه عيد الإستقلال وكهنته الرئيس والوزراء وأعضاء مجلس الشعب ومصدر قوته رغبة الشعب (هذه الرغبة التي نصورها على أنها واحدة معممة). إن عبقرية فكرة الدولة الحديثة تكمن في أنها تحاول قدر الإمكان تمييع سلطة القائد الحاكم (وتضعها في مؤسسات ومجالس ومجموعة كبيرة من الأشخاص) حتى لا يتسنى لفرد أي يتقمص شخص الخليفة-الملك- الأب ليتحول بذلك إلى رمز للجماعة ومحل لتبجيلها وولائها.

إن مأساة سوريا الآن هي أنها لم تتح لها فرصة “قتل الأب”، فمؤسس الدولة وصانع أسطورة استقرارها (أي حافظ الأسد) مات موتاً طبيعياً ولم يمت موتاً رمزياً. لقد أقنع كثيرون أنفسهم، ومنهم إبنه الذي ورث حكمه، أن “الأب” مات وماتت أيامه وذهب ظله معه. بشار الأسد في بداية حكمه كان رفض إرث أبيه، فأمر بإزالة صوره وأعلن الإصلاح والإنفتاح والحلحلة والحرية (في ما يسمى خطاب القسم) مقراً بذلك بالحمل الثقيل الذي مثله حكم أبيه. لكن “الأب-الملك” لم يكن متماهياً تماماً مع شخص حافظ الأسد ليموت بموته، فهو نظام وفكر ومؤسسات ذاتية الدفع. هذه المؤسسات أعلنت خلود ذكرى الأب وأزلية نهجه الذي خطه للأمة والدولة. وقد بدا هذا التناقض واضحاً في حكم بشار الأسد بعد سنة من استلامه السلطة، فالصور عادت والحرية رحلت والنقاش الحر انتهى والمعتقلون عادوا ليملؤوا السجون. حتى السياسي رياض الترك الذي قضى 18 سنة في سجن إنفرادي عاد إلى السجن لسنتين لمجرد أنه أعلن في مقابلة هاتفية مع الجزيرة بأن “الديكتاتور مات” وأن الوقت قد حان لطي صفحته. لكن الديكتاتور لم يمت، إنه يحكم من القبر، لأن إرثه من مؤسسات ومصالح وقوانين وعقليات وأساليب في إدارة الحكم بقي، ولا يزال يمارس الكبت الذي مارسه شخص حافظ الأسد. ثم جاء التغيير، وجاء فجأة، لم يكن متوقعاً، لم نحسب له حساباً. حتى بشار الأسد لم يحسب له حساباً. وما قاله في مقابلته مع الوول ستريت جورنال في شباط/فبراير الماضي من أن رياح التغيير لن تمس سوريا لم يكن قناعته وحده بل قناعة أغلب السوريين معه. هذا الإيمان الراسخ بقوة إرث الأب هو بالتحديد ما خلق الطفرة التي بدأت التغيير. النظام الذي أسسه الأسد الأب لا يعرف المحاورة ولا التنازل ولا الليونة، إنه كبت وصرامة وخوف مارسها حتى أفراد النظام على بعضهم البعض، فهم مثل المواطنين، لا يحيدون عن الخط الذي رسمه الأب. ولذلك كان ردهم على خروج بضعة أولاد عن الطاعة متوقعاً وصارماً أدى إلى الأزمة التي يعيشها السوريون اليوم. ولا يزال النظام حبيس أساليب الأب حتى لكأني أسمع صوته يصرخ في ابنه بشار الأسد أن لا تنازل، لا تهاون مع الخارجين عن الطاعة، لا مفاوضة مع الخونة.

ما أثار دهشتي بالفعل هو العدد الكبير للذين يدافعون عن بقاء النظام دون أن يكونوا مستفيدين منه فعلاً. لا بل عانى كثيرون منهم من قسوته وبطشه. ودفاعهم عن النظام يتدرج من خوف من المجهول، إلى تأنيب للمتظاهرين على إثارة القلاقل والفوضى، إلى إيمان برواية النظام حول وجود عصابات مسلحة خفية، إلى استماتة في حشد محاسن مزعومة ومتخيلة للنظام. هؤلاء يسميهم معارضو النظام اليوم “المنحبكجية” لأنهم يلبسون تي-شيرتات طبعت عليها صورة بشار الأسد وكلمة “منحبك” ولا يملون من ترديد هذا الشعار والتأكيد على هيامهم بهذا الرئيس الذي جعل سوريا أعظم دولة في العالم على حد زعمهم. إن في تركيزهم على “حب الرئيس” بدل “حب الوطن” دلالة على قوة صورة القائد-الملك-الأب كرمز لوحدة الجماعة المزعومة وأمانها المتخيل في الأنظمة الديكتاتورية. وقد رأينا في الحالة المصرية شيئاً مشابهاً فالمؤيدون لمبارك ركزوا على رمزية هذا الشخص بينما ركز المعارضون لحكمه على رمزية الوطن. وبالمقابل نرى الآن بين المعارضين في الحالة السورية، كما رأينا في الحالة المصرية، إفراطاً في حب الوطن والإيمان بالشعب وعبقريته ووحدة إرادته وعظمة تاريخه (وكلها مفاهيم متخيلة على نسق جماعات بنديكت أندرسون). ولا ضير في ذلك طبعاً لأنهم يؤسسون لعقد إجتماعي آخر فلا بد من استعادة رمز الوحدة وإعادة تكوينه وفقاً لمعادلة أخرى نرجو أن تكون أكثر توازناً من سابقتها. وإعادة الصياغة هذه نراها في الشعار الجديد (الله، سوريا، حرية وبس) المطروح كمقابل ونقيض للعقد القديم والذي نراه في شعار المؤيدين (الله، سوريا، بشار وبس). وفي الحقيقة أعتقد أن شعار المؤيدين أقدم من شعار المعارضين وجاء هذا الأخير رداً عليه. ولو اعتبرنا عناصر كل من الثالوثين السابقين (أي الرب، الوطن، اللحمة الوطنية) متكافئة أو اعتبرناها متكاملة فإن رمزية كل عنصر كدلالة على وحدة الجماعة وعقدها واضحة.

لكن “قتل الأب” ليس بالأمر السهل كما رأينا في مثال الأختين. وحين يأخذنا على غفلة فإنه يثير خوفنا من المستقبل وقلقنا من التغيير وهلعنا من إنفصام عرى الجماعة وشيوع الفوضى. وقد يكون الخوف شديداً إلى درجة نرفض معها التغيير كلياً. وهذا باعتقادي ما نراه في الحالة السورية وخاصة في صفوف الأقليات الدينية. هذا الخوف غذاه النظام بكم هائل من الدعاية المضادة والتهويل وعزل الجماعات ضمن حدودها الجغرافية والطائفية وضخ الشائعات والتضليل وحجب الأخبار والمعلومات عن حقيقة ما يجري. حالات اختطاف وقتل غير منطقية (اختطاف أشخاص لا على التعيين من مختلف الطوائف وقتلهم ورميهم على قارعة الطريق) وشائعات عن حالات مماثلة قد دفعت الناس للتقوقع على عشائرهم وأحيائهم وطوائفهم. شائعات عن اعتراض عصابات من المحتجين يحملون الأسلحة لسيارات المسافرين على الطرقات العامة وإجبارهم على الهتاف ضد بشار الأسد تتناقلها الألسن بشكل مهووس رغم وحدة الشكل العام للخبر أياً كان مصدره. طبعاً هناك اختلافات بسيطة في التفاصيل وتغيير للإسناد لإضافة شيء من الواقعية والمعقولية على الخبر: “عن صديق ابن عمي أخبرني”. حتى السفير السوري في أمريكا روى في تجمع لسوريين مؤيدين قصة مشابهة أعقبها بإسناد “أخبرني صديقي من جسر الشغور على الهاتف” وبقسم “والله العظيم لا أكذب عليكم”. هذا متحدث باسم الدولة وليست لديه معلومات رسمية بل يعتمد على القيل والقال وترويج الإشاعات. الناس لم تعد تخرج من مدنها، وهي إن فعلت استخدمت القطار بدل السيارة حتى لا تتعرض لحواجز المتظاهرين المزعومة. والحقيقة هي أنه عندما حاول أهالي مدينة تلبيسة وسط سوريا قطع الطريق العام بين حمص وحلب لمنع وصول الجيش إلى الشمال حاصرتهم الدبابات والمدرعات وأمطرتهم بوابل من النار لأيام عديدة. هذا الهلع اليومي جعل كثيرين يتمسكون بالنظام لاعتقادهم بأنه ضمانة للأمن والإستقرار. وهم في نقاشاتهم مع المعارضين يتدرجون من الصراخ ونثر الأخبار التي أمطرهم بها النظام، إلى حسابات عقيمة عن ثمن التغيير وضرورة عدم التسرع، إلى الترجي بإعطاء “فرصة أخرى للنظام” وكأن القول الفصل يقع في أيدي المعارضين الذين لا حول لهم ولا قوة ويتلقون الرصاص حين يصرخون الكلمات. المحزن في الأمر أن حالة رفض “موت الأب” تظهر أوضح ما تظهر في المهاجرين الذين تركوا البلد أصلاً هرباً من قمع نظام الأسد الأب، لكنهم أقنعوا أنفسهم أن الإصلاح قادم مع الإبن (وتناسوا أن الأبن ما وصل إلى السلطة إلا وراثة بالقوة، وهم بذلك قد أقنعوا أنفسهم بأن حكم الأسرة الأسدية قدر لا مفر منه وحاولوا التفاؤل بالفتات) وأن حكم الأسد جزء من هويتهم ووجوده أساس وحدة جماعتهم وتماسكها وضمانة لأمانها. إنهم كمهاجرين عندما يدافعون عن النظام القائم فإنهم يدافعون عن ذكرى الوطن مستخدمين رمز القائد-الأب الذي زرعه حافظ الأسد في أنفسهم.

المتظاهرون المطالبون بالحرية أغلبهم من دون سن الخامسة والعشرين، أي أن سنهم كان أقل من خمسة عشرة سنة عندما مات الأسد الأب عام 2000. ولهذا فهم لا يعرفون إلا الإبن، وهو لا يخيفهم بقدر ما نجح الأب في إخافة آبائهم وأجدادهم. وحتى هؤلاء يعلنون موت الأب-الملك حتى بعد موته حين يهتفون “يلعن روحك يا حافظ”. التغيير ليس سهلاً، والخوف من المستقبل الغامض ليس سهلاً أيضاً، وقتل إرث الخوف والكبت أصعب مما تخيلناه سواءاً كنا معارضين مصرحين بمعارضتنا أو معارضين صامتين أو مترجين “فرصة أخرى للنظام”. لكن حان الوقت لكي “يموت الأب”، إنه جاثم على صدورنا يمنعنا من التنفس بحرية. لا أدعو للقتل أو التخريب أو التفرقة لكن آن للقائد-الملك-الأب أن يرحل، فدعوا الذاكرة تذهب مع نهر الحياة الجاري وانصروا أبناءكم الذين يرسمون مستقبلاً أفضل.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

أضف تعليق