في شجون “شرعية المقاومة” وشؤونها؟

هل هناك شرعية أخلاقية وفلسفية وسياسية وفقهية اسمها “شرعية المقاومة” الواقع يقول: نعم “انتخابية” استفتائية على مذهب الديمقراطية الشعبية العربية. هل يصح أن نقول أن السلطة المتسلطة تستند إلى شرعية المقاومة التي يذهب أصحابها إلى جعلها “سوبر شرعية” عابرة للأزمان، والإرادات، ومطلقة. كيف حصل أنّ قامت “شرعية المقاومة” بجريمة تقطيع الشرعيات إلى قطع، وأجزاء، ثم أقصتها ووأدتها واختارت المقاومة “بالتقسيط” ولتي ستأتي ذات يوم في “التوقيت المناسب” مظلة وحيدة لحكمها؟ كيف حدث أن جعلت للشرعية الواحدة الوحيدة، التي لا شريك لها، أندادا وشركاء، تعالت عما يشركون؟ هذا السؤال يعبّر عن مدى انشغالنا بإسرائيل، أو إشعالنا بها؟ وهي تستحق الشغل والانشغال والمقاومة والجهاد، لكن ليس إلى درجة تحولها إلى محور حياتنا السياسية الداخلية المهملة. الحاصل أن الشغل ممنوع، لأن الشغل فيه سيفكّ لغز السلطة المستندة إلى عكازة شرعية المقاومة التي تحتكره. احتكار البضاعة شرعا محرم فيكف إذا كانت البضاعة واجبا شرعيا غير مستثنى بإلا؟

كتب صديق سوري انه أبدى تبرمه مرة من ترويج احد الحزبيين الزملاء في العمل للسلام مع إسرائيل على الطالعة والنازلة، إبان هجوم السلام في أوائل التسعينات – لزوم المقايضة بغزو العراق الذي اشترك الجميع في غزوه و”مقاومته” –فتعرض الصديق المسالم إلى السحل: ستقاوم إسرائيل عندما نريد، وتسالمها عندما نريد. لباب القول: إن شرعية المقاومة زئبقية أيضا!

من الواجب “والشرعي” أن تكون شرعية السلطة، شرعية الحق “والصح” والانتخاب، لا شرعية القوة والانقلاب والسيف، الشرعية من الشرع الذي هو السبيل لغة، لكنّ شعبية المقاومة نجحت في أن تبني جسورا تعبر بها إلى السلطة بسيوفها وأسنة رماحها؟ الذين يستندون إلى شرعية المقاومة يحتكرون شرعيتها، أما المقاومة “المشروعة” نفسها، فتتحول إلى فن تأجيل المقاومة أو ترحيلها إلى أزمان قادمة أو أوطان مجاورة وتصبح محرمة أيضا إلا على أصحاب شرعية المقاومة. شرعية المقاومة عصا سحرية تتيح البقاء المديد في السلطة، لأن إسرائيل لن تجد خيرا من هذا المقاومة “العلمانية” العاقلة الباردة، فهي أقوم وأكثر تفضيلا من مقاومة الإسلاميين التي لا ترضى سوى بالجنة بديلا، يمتد الأمر بشرعية المقاومة إلى اتهام كل ناقد أو متذمر بأنه غير مقاوم، وخائن!

احد المطاعن في “بيان الألف” الذي أصدره مثقفون سوريون أنه لم يذكر إسرائيل وأهمل الخارج؟ وهو ما جعله يفتقر إلى “شرعية” المقاومة ومتهما بالخيانة! ربما لم يذكروه لأن أصحابها لم يتركوا “للآخرين” شيئا؟

“شرعية المقاومة” أو مشروعها أو فكرتها أو نية القيام بها، صارت موضوعا فكاهيا لكثير من المسرحيات واللوحات العربية المضحكة، تأجيل الحياة كلها يتم في سبيل الحلم بالمقاومة، المتسترون بشرعية المقاومة، في لحظة شفافية عابرة، وطارئة بحكم حراك العولمة، تنازلوا عن رتبة المقاومة العالية، إلى رتبة اخفض هي الممانعة، المقاومة تعني الذهاب إلى جبهة وهي ما تمنعه القوانين الدولية ضد الربيبة المدللة إسرائيل، لكن الممانعة تعني، أن تقاوم، في مكانك، بسياسة الكلام لا بحد الحسام، يعني المقاومة الستاتيكية. إعلام المقاومة يصيغ اقتحام السماء الوطنية من قبل العدو بجمل طنانة مثل: اجبرتهم نيراننا على الفرار، أما إعلام الممانعة فيصيغها صياغات ناعمة مثل: اضطرتهم مضادتنا على “المغادرة” وكأنهم زوار؟ إعلام المقاومة يقول إنهم اعتدوا على أراضينا أما إعلام الممانعة فيقول: إنهم القوا ببعض “الذخيرة”، أبقانا الله وإياكم ذخرا للأرض والمقاومة!

الاستشهاد مشتهى في غياب حياة كريمة، مع اليقين بأن حب الحياة غريزة بشرية وفطرة، بيت المتنبي الذي يقول “وجنّة بالذل لا نرضى بها” شعار وخيار “استراتيجي” لكن الحاصل أننا نرضى “بجهنم الذل” وننحني للطغام للذين يدعون أنهم مقاومون ووطنيون أكثر منا، ونطأطئ للصوص الذي يقتلون الجمل من أجل أذنه، ويحفرون بئرا بحفارة آبار نفط لشرب كوب ماء، ويهدرون الوطن بسكانه وثرواته من أجل استعادة قطعة منه. تهمل شرعية المقاومة الوطن كله لأنها تزعم أنّ العدو على الأبواب فتكثر فيه الجرذان والفساد الذي يحتاج إلى مقاومة، وقد تذبّح شرعية المقاومة شبابه وتستحي نساؤه من أجل المقاومة والنضال في سوح العقارات والأسواق السوداء والليالي الحمراء. وهكذا تصير المقاومة قناعا تختبئ وراء شرعية المقاومة المؤجلة “إلى الأبد” وهو الأمر الذي دفع الكثيرين من الخاصة والعامة إلى البرم بذكر إسرائيل واللامبالاة إزاء جرائمها، لأن مدّعي شرعية المقاومة استنفدوا ترسانة المقاومة بالكلمات. لأن البكاء يكون على رؤوس الشهداء لا بعد تناثر أشلاؤهم.

المقاومة قد تقع فعلا، كما في بواكير الغزو الأميركي للعراق، لسان حال “شرعية المقاومة”: التي تثبت شرعيتها بالطريقة التالية: نقاوم، فنصيد عصفورين؛ نتخلص من الإسلاميين المقاومين الذين يفضلون حوريات الجنة الرخيصة على حوريات الدنيا الغالية، ونقاوم العدو أيضا، فهو عدو في النهاية.

يقول محمد علي الكبيسي في كتابه ” نشأة الفكر السياسي عند العرب” “أن مخيال المسلم لا يحتمل رؤية انهيار إمبراطوريته، لأن ذلك يعني انهيار عظمته، وقبوله بالإمارة ( الدولة القطرية) إنما هو قبول مؤقت مشروط بتحقيق مبدأين: مبدأ الكفاية في الداخل ومبدأ القوة في الخارج، لهذا نجد أن هذه الدويلات لا تحرز الإجماع إلا في فترات صعودها لانعقاد الأمل حولها في إمكانية أن تتحول إلى إمبراطورية حتى وإن كان القائد غير فاضل، لهذا أفتى الفقهاء بولاية المغتصب والمتغلب والغاشم والفاسق والجاهل”.

في قول الكبيسي صواب طموح العربي إلى العزة الإمبراطورية، وصواب القول بدور الفقهاء في تشريع ولاية «الجاهل” إلى جانب المغتصب لكنه قول ناقص لأن القبول بالمستبد كان يتم بالسيف قبل فتوى الفقيه، لأن الفتوى ” الحصيفة” تساوي بين الجاهل الضعيف والمغتصب القوي! ولأنّ الكفاية في الداخل فقد اختزلت إلى الكفاف!

أما سؤال الفقهاء، تجار الفتيا، عن “أعظم الجهاد عند الله” فنافل، لأن السلطان جائر، وقوي على شعبه فقط لا غير، ولأن الجهاد الوحيد الذي تنتجه مصانع الشرعية هو “المقاومة” المناسبة في الوقت المناسب.

إن الركون إلى القناعة بأن العدو قد “أحتل” الزمان مع المكان، ” انتظار غودو التوازن الاستراتيجي، يعادل تماما احتلال الزمان والمكان الوطني، وغياب التوازن الاستراتيجي بين الشعب والسلطة، أو بين السلطات الثلاث في بلاد شرعية المقاومة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق