في شعريّة الألوان: أدونيس نموذجا

إنّ اللون في حدّ ذاته محايد. إنّما المجتمع هو الذي يسبغ عليه معنى أو دلالة. ومن ثم يكتسب اللون رمزيته التي تختلف باختلاف المجتمعات. وفي هذا ما يؤكّد أنّ الفرد لا يرى بعينه بقدر ما يرى بعيون المجتمع الذي يعيش فيه حتى الأعمىكما يقول روجيه باستيد، لا يُستثني من هذه الظاهرة، فصوت محدثه الحاد أو الأجش، يثير في نفسه إذ يدرك أنه موضوع نظر – ردودا واستجابات غرزها المجتمع فيه، وهي عادة ردود واستجابات خاصة بعالم المبصرين، حيث لا قيمة للألوان إلا من حيث هي حاملة لرسالة أو مشحونة بمعنى، وليس من حيث هي مجرّد ظواهر بصرية.
ينبني المرئي – المتخيل في شعر أدونيس حول الألوان مثلما ينبني حول العناصر. وفي ما يخص الألوان، فانّ احتفاء الشاعر بها يبرز في أكثر مجاميعه وخاصة في “مفرد بصيغة الجمع”. وهي مجموعة استغل فيها أدونيس كل منجزات العرفان الصوفي والسيماء القديمة التي يقول عنها ابن خلدون إنها ضرب من السحر والطلمسات غايته إحداث أمثلة وخيالات لا وجود لها في حقيقة الحس. ومن طقوسها تحويل المعادن و التقرب بالأسماء والحروف على مقتضى أدعية مرتبة ولغة سحرية.

إنّ لوحة الألوان في صورة الجسد المرئي و الجسد المتخيّل، لا تشذ كثيرا عن اللوحة القديمة. فمن بين الألوان كلها، يحتفي الشاعر بالألوان الستة الرئيسة في الثقافة العربية وهي:الأحمر والأخضر والأصفر والأزرق والأبيض و الأسود :

الأخضر نار زرقاء
الأزرق يسودّ
هكذا انحدر في إنشاءات الذكورة و الأنوثة …”

“وأنا / مكسوا بالزمان و رماده
يرميني الشجر من نوافذه
يتلقّفني فضاء تسيّجه أفخاذ غير مرئية
بين أمواج من الثمر أبحث فيها عن برعم التيه
حيث ترفعني صارية اللذة وتختلط الصخور بالأشرعة
حيث الجسد سراب والشهوة قلعة محاصرة
وأقول: سيكون فضاؤنا وحشا أخضر …”

” الجسد أطول طريق إلى الجسد
هل اللمس للجسد وحده حقّا ؟
… سلاما أيّها الحيوان
أنت وحدك الملاك الأبيض …
من الزرقة إلى البياض ينتقل الموج …”

“أتكلّم دون أن أتكلّم
أسير دون أن أسير
أتغلغل بين الورقة و غصنها، الشيء و الشيء
حين لا يعود يتميّز الخيط الأبيض من الخيط الأسود
أصرخ منتشيا، تهدم أيّها الوضوح، يا عدوي الجميل.
لم تكن أمه تعرف صنين وهي التي قرأته حجرا حجرا
أخرج أيها الطفل إلى الحجر
الرماديّ الأبيض الأحمر والأسود الأصفر الأزرق الخمري الجادي”

“حجر يتلألأ يجذب
يقول للوجوه أن تنور فتنوّر
للجسد أن يشطح فيشطح
حجر تزاويق طلاسم
الأسود قدرة وسلطان
الأصفر جسد لكل شيء
الأغبر كحل امراة على اسم رجل،
رجل على اسم امرأة”

“و قلت مرّة: لوني الثلج
وأسير متوّجا بالشمس”

” كنت ألبس الأسود
كانت السماء تلبس الرماد …”

” لا أكتب / أعلن تأويلا لجسدي
وأغرق في خلاف معه أو سوء تفاهم
وأعلن شراييني أعراضا للكتابة …
لا أكتب / أبتكر المباهج وأشياء اللذة
أقذف بأهدابي إلى الأمام
الخير شرّ بلون أبيض
الشرّ خير بلون أسود …

يتّضح من هذه المقاطع أنّ اللون نادرا ما يرد مفردا في صورة الجسد المرئي، فهو دائما يقترن بلون آخر. ولئن أعاد الشاعر مزج هذه الألوان، فإنه احتفظ بالكثير من رموزها القديمة. فالأخضر هو لون الحياة ورمز الخصب،وهو النسغ والماء. وهو أيضا السماء الصافية: “الأخضر نار زرقاء” مثلما هو رمز التحوّل والانتقال”من”/”إلى”. والأصفر رمز لإكسير الحياة أو السائل الذي يحوّل إلى ذهب ورمز التحويل والتغيير والحدس : “الأصفر جسر لكل شيء”.

ومن بين هذه الألوان يتميّز “لونان” هما الأبيض والأسود. ولا غرابة فهما في الموروث الصوفي خاصّة والموروث العربي الإسلامي عامّة عنصران رئيسان من عناصر الجمال يحيلان باستمرار إلى صورة الحور العين القرآنية. ويتضايفان ويتكاملان، ليس بسبب تضادّهما الذي يظهر جمال كل منهما كما دأب على ذلك الشرّاح والمفسّرون، وإنما لما ينطويان عليه من رمزية دينيّة ثقافية عميقة. فالأبيض ليس مجرد لون. بل هو ليس بلون أصلا، وإنما هو خلاصة الألوان كلّها. وكلمة بياض تشمل في المرموز الثقافي العربي المجسّدات والمجرّدات معا: الحليب والماء والنهار والضوء والقمر والعين والقلب والسيف. واليد البيضاء (الأيادي البيض) هي يد الإحسان والنّعم والقدرة. والموت الأبيض هو الفجأة والسّهل والرّجل الأبيض هو النقيّ العرض وبيّض صفحة: كتبها بفنّ وعناية. والقلب الأبيض هو البريء الطاهر . وبيضة النهار:بياضه. وبيضة الخدر جاريته …

أماّ الأسود فيحيل على هذه المادة التي تجعل من اللون احتفاليّة تتراسل فيها الحواسّ وتتشابك، ومتعة للعقل والقلب معا فالعيون السّود والشّعر الأسود من سمات الجمال المميّزة التي تستدعي لطافة السّريرة وغموض المجهول وخلوة الليل وطمأنينة الرّوح. والحبر الأسود هو الذي يثبّت الفكرة والعاطفة الجياّشة على الصّفحة البكر البيضاء ويسبغ معنى على المادة الغفل، فيثير حلم المسلم ومخيّلته، إذ يدوّن اللامادّي ويثبّته، فيخفي ويظهر، ويكتم ويفصح، عبر ثنائية من التيه والعودة، مثيرة. وهو، إذا استعيرت عبارة باشلار في النار يحوّل المثالي إلى مادّي، والمادّي إلى مثالي . إنّه “لون” سحريّ مفتوح على المطلق، يحيل على نفسه مثلما يحيل على ألوان أخرى، فالسّواد (بالضم) هو الصّفرة والخضرة أيضا. وهو ذو رمزيّة دينيّة عميقة، فالكعبة الملفوفة بالسّواد والحجر الأسود يمثلان ذروة المقدّس الإسلامي . كما أنّه، في العرفان الصوفي، رمز الجسم في كثافته وبعده عن عالم القدس ونذير الموت والفراق.
ولئن احتفى أدونيس بهذين اللونين في صورة الجسد المرئي- المتخيل، فإنه لا يثبت اسميهما دائما، وإنما يحيل عليهما من خلال تلك الثنائية التي شغف بها الصوفية : ثنائية النهار _ الليل حتى أنه سّمى إحدى مجاميعه المتميّزة بـ” كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل “. وهذه الثنائية ذات دلالة صوفية واضحة من حيث احتجاب وظهور، وجسم وروح، ووجدان وعقل. وإذا كانت كذلك فإن الجسد الذي تنتظمه هذه الثنائية هو أيضا جسد الحب وجسد الموت في آن.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This