في ظل التفجيرات الدامية: حتى «الوطنية» أصبحت مختلفاً عليها / شاكر الأنباري

ما ان يستجد حدث في العراق حتى تظهر الى العلن الآراء المتباينة حوله من قبل القوى، والأحزاب، والتكتلات السياسية. بعض تلك الآراء تبدو متغايرة جذريا، ويستحيل التوفيق بينها. التفجيرات التي حدثت يوم الأحد الماضي وذهب ضحيتها نحو مئة وخمسين شخصا ومئات الجرحى، وكلهم في منطقة صغيرة محصورة في صالحية الكرخ، حيث تقع وزارة العدل ومحافظة بغداد، فجرت الظاهرة ذاتها. ليس هناك موقف موحد للحكومة، ولا للبرلمان، ولا للأحزاب السياسية. كيل الاتهامات سرعان ما ساد بين الجميع.

رئاسة الوزراء وضعت اللوم، كالسابق، على البعثيين والقاعدة. والقوى المناوئة للمالكي وضعت اللوم على فساد أجهزته الأمنية التي تمتلئ، حسب رأيهم، بالضباط السابقين ورجال مخابرات صدام حسين والبعثيين. والقوى خارج السلطة حملت ايران المسؤولية عن كل ما يجري في العراق، وحجتها ان السفارة الايرانية لا تبعد الا بضع مئات من الأمتار عن مكان الانفجارين، ولم تستهدف من قبل الارهاب منذ سنوات، كما اكتشفت أنواع من المتفجرات والعبوات اللاصقة من منشأ ايراني، وهكذا.

وقبل ذلك سادت الاتهامات ذاتها في الأربعاء الدامي الذي طال وزارتي الخارجية والمالية.

القضية عادة لا تنحصر بالتفجيرات اللا منطقية واللامعقولة المستهدفة للمدنيين، بل هي ظاهرة تشمل كثيرا من الملفات. انعكست الصراعات السياسية حول السلطة على مواقفها حتى الوطنية، وهذا ما لاحظه الجميع. اذ لم يعد هناك معنى للوطنية المتفق عليها أو لأي برنامج واضح يتواءم الكل حوله. المعروف ان تفجيرات الأحد تزامنت مع اجتماع المجلس السياسي للأمن الوطني، الذي يفترض أن يناقش قانون الانتخابات بعد فشل المجلس النيابي بحل الموضوع. وعقدة فشل المصادقة على قانون الانتخابات كانت قضية كركوك. بعض القوى تريد أن تصبح كركوك ذات وضع خاص يختلف عن بقية المحافظات، وذلك بتقسيم مقاعدها الى ثلاث حصص، للأكراد والتركمان والعرب. فيما يرفض الأكراد ذلك ويرغبون في أن تمارس كركوك الانتخابات كأي مدينة أخرى. القوى المعترضة على الأكراد تؤكد أن القوى الكردية غيرت سجلات الناخبين باضافة مئات آلاف الأسماء، لكي تجعل لها الأغلبية في الانتخابات، وبالتالي في مجلس المحافظة القادم. وذلك من اجل التصويت في النهاية لالحاقها باقليم كردستان. وهكذا، بين أن يصبح لهذه المدينة الاشكالية وضع خاص، او تكون كأي محافظة عراقية، قد تعصف هذه العقدة بالعملية السياسية برمتها، وتقود الى تأجيل الانتخابات المزمع اجراؤها بعد أقل من ثلاثة اشهر. وكانت العقدة الكأداء تلك تمثل الحالة النموذجية في فقدان المعايير. فقدان المعايير في الساحة العراقية تحول الى فوضى.

وكانت الدولة القامعة، تحديدا، وعلى ما يبدو، هي التي وقفت سببا في عدم ظهور فوضى مثل هذه، وذلك لأن تلك الدولة كانت تفرض معاييرها الخاصة بواسطة العنف، والقوة، وغزارة من الديماغوجيا. فكانت تبدو كما لو انها معايير متفق عليها، رغم انها لم تكن سوى صورة وئام زائفة. ومصطلح المواطنة واحد من المصطلحات الكثيرة التي لم تعد تجد اتفاقا شاملا عليه، اذا ما اخذ التعريف الأبسط للمصطلح باعتبار ان الوطنية هو حب البلد على الأقل، والانتماء اليه، والدفاع عنه، والسعي لتطويره. وهي مستلزمات بسيطة جدا ليست بحاجة لفلسفة.

هناك أحزاب دينية مذهبية، تعتقد أن وطنيتها التي تعلنها دائما تتمثل في تطبيق الشريعة الاسلامية حسب وجهة نظرها المذهبية، فتعمد الى فرض الحجاب على طالبات المدارس، مثلما حدث في عدد من المحافظات الجنوبية، ومنع تداول الخمور وشربها وتجارتها. ومأسسة المناسبات الدينية كعاشوراء وولادة الأئمة، والمواكب، واشاعة الأدعية الدينية والحزن، وفرض رؤيتها للتاريخ على مناهج التعليم في عموم البلد. هذا وغيره تعتقد تلك الأحزاب وأتباعها انه لب الوطنية. ولن يستقيم المصطلح دون ان تكون تلك السلوكيات والمناهج متداولة وموجودة.

القسم الكردي من العراق يعتقد ان الوطنية تعني الاعتراف بوجود الاقليم، والمناطق التابعة له، وأحقية الأكراد بضم كركوك باعتبارها قلب كردستان العراق، اضافة لمناطق متنازع عليها مع الحكومة المركزية في بغداد كخانقين، وسنجار، وجلولاء، ومخمور وغيرها. ان أي ضرب من مقومات هذا الاعتقاد يعني اخلالا بالوطنية التي يطلب من الكردي اعتناتقها، او على الأقل احترامها.

القوى العلمانية اليوم تنسج لنفسها ثوبا وطنيا جديدا. هي من جانبها لا ترغب في عراق تحكمه العمائم ورجال الدين وشرائعهم التي تريد تحويل البلد الى كربلاء جديدة. كما انها تؤمن ان البلد يتكون من افراد يرتبطون بآلية مواطنة، وليسوا تكوينات شيعية وسنية وكردية وأقليات، كما هو عليه اليوم نظام المحاصصة الطائفية. ملايين من العلمانيين، في داخل العراق وفي خارجه، يعتبرون ان البلد انتهى لأنه لم يعد عراق الليبرالية والعلمانية وحرية الملبس والمشرب، وفصل الدين عن السياسة. واذا ما تمّ مدّ صورة الاختلافات الى افق أوسع نرى ان هناك ملايين المهاجرين في بلدان عربية وأوروبية وأجنبية صاروا على قناعة أن عراقهم الذي عرفوه سابقا لم يعد موجودا. وتتباين بينهم الشروحات حول هذه النقطة، فمنهم من ينسب الخلل الى الاحتلال، ومنهم من يعتبر زوال حكم البعث نهاية للعراق الموحد. ومنهم من يعتقد ان العراق قسم وانتهى ما ان تم الاعتراف دستوريا باقليم كردستان. وهناك من يصر على أن العراق أصبح ايرانيا، وذلك لارتباط القوى الحاكمة بايران، مذهبيا وسياسيا، وأمنيا، وروحيا. وكل رؤية من هذه الرؤى تعتقد انها في صلب مصطلح الوطنية، وتلغي أية رؤية خارجها.

الغاء الفهم المقابل للآخر أصبح سمة من سمات العمل السياسي داخل العراق، بين النخب بالذات. اما على الصعيد الشعبي فتكاد الرؤى تتوحد تجاه النظام القائم. في المفهوم الشعبي ان كثيرا من القائمين على الحكم هم لصوص ينهبون خيرات البلد، ولا يهم من أي مذهب او قومية كانوا. وهم مرتبطون بمخابرات أو دول اقليمية محيطة بالعراق مثل ايران وسورية ودول الخليج وتركيا. وهم أميون في الغالب، وهذا ما ظهر في اعداد الشهادات المزورة التي تم اكتشافها من قبل لجنة النزاهة في البرلمان، ودائرة الرقابة والتفتيش في مجلس الوزراء. وهم قتلة، او لا يتورعون عن القتل، ويوردون قصصا وأحداثا كان ابطالها برلمانيين ووزراء وأعضاء مجالس محافظات وزعماء كتل سياسية، أو وجوها اجتماعية بارزة في المجتمع.

واللصوصية، أو النزاهة، تعتمد أيضا على التركيبة الطائفية والقومية. فوجهاء طائفتي اقل اجرامية من وجهاء الطائفة الأخرى، او اكثر أو اقل لصوصية ونزاهة. تلك معايير لم تعد ترتبط بمفهوم موحد للوطنية يشيع في جميع انحاء البلد. على ضوء هذا الالتباس الحاصل يصبح الجميع على خطأ، وعلى صواب في الآن ذاته. من يقف مع المحتل ومن يقف ضده. من ينادي بالفيدرالية ومن يقف ضدها. من يطالب ان تكون كركوك عراقية أو يعتبرها كردستانية. من يطالب بتشييع العراق ام يقف ضد هذا المطلب. من يرغب في اخراج العراق من دائرة العروبة او يعتبره عربيا. فكل رؤية من هذه الرؤى تجد لها محازبين ومناهضين، يمتلكون ذرائع ومبررات تكون مقنعة او غير مقنعة حسب الجهة التي يقف عندها الشخص. وهذا ما يمكن تسميته بانتفاء الثوابت.

قد يكون الثابت الوحيد لدى الجميع اليوم هو الوقوف ضد العنف والارهاب كونه يهدد حياة الكل، وبلغ مراحل لا عقلانية كما في هجمات الأحد الماضي، او الاربعاء الدامي قبل شهرين. لكن حتى هذه يمكن ان يجد المرء من يبرر حدوثها رغم انه يشجبها ويدينها بوضوح. تبرير الارهاب تمارسه قوى سياسية كثيرة بما فيها تلك المشتركة بالسلطة، اما نكاية بقوى سياسية اخرى، او ابتزازا لها، او نقمة على الخارطة المفروضة على اللحظة الحاضرة. وكل ذلك وغيره يؤكد الحدس الشعبي السائد الآن في الشارع في أن معظم القوى السياسية العراقية غير كفوءة، وغير مسؤولة بما فيه الكفاية… وهي بالتالي غير جديرة بالحكم.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق