في عالمٍ متعرّجٍ ننزلقُ في العالم السّفلي

إلى حوافّه النّاعمة. نعتقدُ أنّنا نحثُّ الخطو باتّجاه السّماءِ فإذا بنا نتجّهُ إلى القاع. اعتدنا على الحكاياتِ المملّة، الصّعودُ والهبوط يمرّان من نفسِ الطّريق، وعلى أطرافهما يقع الخوف من السّقوط. 
على حوّافِ خطّ مستقيمٍ، رسمتْ دوائرَ للتعلّقِ بها عند العبورِ، تنام فيها أحلامي. تطلُّ بين الفينةِ والأخرى من نوافذها كي ترى النّور. تخشى على نفسِها من الظّلمةِ، ومن الموتِ. تحيا في موسم الذّكرياتِ. تتقمّصُ الجمالَ لحظة كي لا يندثرَ في داخلها الحبّ!
 في حياتي ما قبلَ الأخيرةِ بعدّةِ ثوان.
انزلقتُ من على إحدى الحوّاف. رحلتُ إلى القاع. سقطتّ في عمقهِ. تجمّدت المياهُ الآسنة فوقَ السّطحِ، وفوق رأسي. نظرتُ إليها خائفة من البرد. بعد برهةٍ سقطت عليها أمطار سوداء. خفتُ أن تأتي إلى أنفي رائحة عفونتها.
اختبأتُ منها. لم أشعر بها رائحتي من رائحة المستنقع الذي أعيش فيه. رأيت نفسي أنثى هاربة من الحياة. تعاودُ الظهور في أيّ مكانٍ وجدت به حتى لو كان قاع المستنقع الآسن. نسيتُ أين أكون. تحدّثتُ عن الفرحِ. وحدّثتني تلك الأنثى القابعة في داخلي: 
كنتُ في العشرين عندما خرجتُ إلى السّطح. عندما رآني قالَ: أحبّك!
تحبّني. لماذا؟ لا تحبّني يا هذا، فما خلقت لهذه الأشياء. 
أخشى أن تعرفَ أمّي بأمرك. يضربني أبي ويعيدني إلى الأسفل. فكّرت لبرهةٍ: 
سمعتُ كلاماً جميلا، لا أفهمُ معناه، 
أعد ما قلتَ حبيبي، علّني أفهمُ لغتكَ، 
بحثتُ طويلاً عن لغةٍ جميلة أجيدها. 
بدأتُ أتغيّرُ الآن، 
أريدُ أن أغيّرَ كلّ الأشياء في لحظةٍ واحدةٍ. 
أماكني. اسمي. لغتي. خذني إلى أماكنَ تعيشُ فيها كلماتُ الحبِّ، كما تعيشُ الحياة. 

ضمّني إلى صدره: أضاءني هذا الحبّ الكبير يا هذه! 
ضمّة واحدة فقط ثم اختفى. 
كنتُ ألمحُ خيالَهُ أحياناً قادما، يمشي على أصابعِ قدميه. يمسكُ حذاءه بيده، لا يرغبُ أن أستيقظ من غفلتي. واجهتُه بحقيقتهِ. لم يلتفت لي. سمعتُه يتمتم ببعض الكلمات: 
أنتِ مجرّد كائن أتى من القاع!
لم أشعرْ بالإهانةِ. رغبتُ أن أصفعه. مضيتُ في طريقي لأنّني لم أكتشف الفرقَ بين كائناتِ القاع، وكائناتِ السّطح أو التلّ. يا له من مغفّل لا يعرفُ قيمة الجمال!
عدتُ من جديد إلى أماكني التي أحببتها. رائحة وطني “المستنقع الآسن”. نبتت على شكل أميرة تخرجُ في ثوبِ ضفدعةٍ. صعدتُ ثانية على السّطح، خلعتُ ثوبي مثل الحكايات.
تنافس على حبّي الشبّان. اخترتُ أفقرهم. أهديتُه كلّ ما أملكُ من ثروةٍ جلبتها معي من القاع. هربَ بما أعطيته. ضاعَ بين أروقةِ الحياة. عاشَ أحلامَه بطريقته، ولمّا عاد لم أعرفه. أصبحَ باهتاً بطعم ذكرياتٍ من زمن البؤس. 
خرجت بعض النّساء من الأسفل مثلي. مللن الحياة دون شمسٍ تشرقُ كلّ يوم. كم هو جميلٌ هذا الذي نراهُ في المدن المزدانة بأضواء الليل.
يا لها من لحظاتٍ! تاهت النّسوة، وكلّ واحدةٍ مشت في طريق، ومشيتُ في طريقي. 
اخترتُ أن أعيشّ في نقاط متتاليةِ من الخط المستقيم.
وفي كلّ نقطة دائريّة كنتُ أنام لبضعةِ أيّام كي أصل إلى النقطة الأخرى، ثمّ انزلقتُ على الحّافة فإذ بي أسقط في العمق. استمرّت رحلةُ صعودي وهبوطي عدّة أزمان، وفي كلّ مرّة كنتُ أبحث عن أماكن أخرى. وبينما أحاول الكرّة تلوّ الأخرى. اكتشفتُ أنّ إلهاً يسكنُ داخلي. يقدّم الحبّ في كلّ الأماكن، وما صعودي وهبوطي إلا عملٌ تقدّمه آلهة الحبّ والجمال. منذُ ولادتي الأخيرة فقط عرفتُ أنّني إلهة الحبّ تعيشُ في كلّ الأماكن كي تستمرّ الحياة. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق