في عقلانيّة الشّـعر: ما الشّعر ؟ بل هل ثمّة فنّ اسمه ” الشّعر” ؟

نقول من موقع الذي تأخذه الرّيبة في الأشياء لا تملّصا من مسؤوليّة موقف يقفه؛ وإنّما حرصا على ألاّ يقف في مزلق فلا يقف البتّة، ولا من موقع الذي ملك عليه سلطان اليقين مداخلَ فكره فيسدّها في وجه كلّ وجيه يجدّ -وقد لا يكون ثمّة ما هو أكثر رفضا لوجاهة المستحدث من المعرفة، من فكر يأسر نفسه وراء أسوار الكلّيّ من المفاهيم- نقول إذن من الموقع الأوّل لا من الثّاني: إنّ القصائد جميعها، بما فيها تلك التي ستقال في مستقبل الأزمنة، وتلك التي هي في طور القول، فضلا عن تلك التي قيلت، لا تعدو أن تكون قصائد، بل قصائد فحسب.

وما كان لنا أن نجزم منذ البدء بكون القصيدة لا تتعدّى كونها قصيدة، إلاّ لأنّنا أنسنا في أنفسنا انجذابا إلى أفق فلسفيّ لا ينكر وجود الكلّيّ ولا ينكر وجود مفهوم كلّيّ للأشياء، ولا ينكر حدّا كلّيا لجنس أو لنوع من الأشياء؛ لكنّه ينكر أن يكون هذا الكلّي، مفهوما كان أو جنسا، وجودا قبليّا على غراره توجد بعديّا الأشياء المنسوبة إليه. وإذا كان لهذا الكلّيّ أن يوجد، فلَهُ أن يوجد من جهة كونه مؤمّلا بعْدُ،أي من جهة كونه رهان الأشياء تختبر كينونتَها الفعليّة على محكّه عساها تدركه. وماهي بمدركته ما دامت تجري في أفق من الوجود مفتوح أبدا. وهذا “المفتوح أبدا” هو الكلّيّ، ومثل هذا لا يقال ولا يحدّ في مفهوم. فإذا ما قيل أو حُدّ فعلى سبيل الافتراض، ليس إلاّ. ذلك أنّ وضع مفهوم كلّي لجنس من الأشياء أو نوع إنّما هو استباق لكينونة هذه الأشياء؛ إذ كيف تُؤْسر في مفهوم يحدّ كلّيتها من حيث كلّيتها مشروع لا متناه أو هو أبدا قيد الإنجاز، وقد لا يُفرغ من إنجازه البتّة، بل المرجّح أن لا يستكمل مادام كلّيا!

وعليه، فإنّ ما هو موجود فعليّا من الأشياء، إنّما يتعلّق بفرديّات لا بكلّيات؛ وهذه الأخيرة إنّما هي حدود يضعها العقل البشريّ بدافع الرّغبة في إدراك حقائق الأشياء. وإنّه لممّا يثير حفيظتنا “النّقديّة” قول أحدهم: “الشّعر هو …”، أو قول غيره: “النّثر هو …”، فهل وَسِع علمُ هذا أو علمُ ذاك حقيقةَ الشّعرِ أو حقيقة النّثر حتّى يقرّر ما هما؟! إنّ الوقوف على ماهية شيء ما يفترض كون ذلك الشّيء قد اكتمل بعْدُ وأتى الوجود على نهايته. أمّا وهو يوجد بعدُ، فضبط حقيقتــه أو ماهيتــه أو غير هاتين المقولتين من مقولات تنتسب إلى نفس العائلة المفهوميّة الكبرى نظير المفهوم والحدّ والجوهر والهويّة… وما إلى ذلك، إنّما هو استباق موهوم.

وتبعا لذلك فإنّ مفهوما للشّعر يزعم الإلمام بكلّيته في جنس أو نوع إنّما هو مفهوم ملتبس في صميمه التباس التّهافت لا التباس الحيرة الخلاّقة والدّهشة القادحة زناد المعرفة. ذلك أنّه يستبق ما سيقال من قصائد استباقا لا تنهض له أسس موضوعيّة كتلك التي تسم “التّنبّؤ” في مجال العلم من جهة كونه إجراء معقودا على معرفة بمقتضيات العلاقات الحتميّة التي تحكم الظّواهر الطّبيعيّة.

هذا على فرض أنّ هذا المفهوم قد اهتدى إلى المشترك بين كلّ القصائد التي قيلت والتي تقال. وهذا فرَض مردود على صاحبه فلا أحد قد ألمّ فعلا بكلّ القصائد.

بل على فرض أنّه قد اهتدى إلى المشترك بين كلّ القصائد التي قيلت والتي تقال في لسان واحد فقط. وهذا فرَض مردود أيضا وإن كان معقودا على صعوبة أقلّ ؛ لأن لا أحد بوسعه أيضا أن يطّلع على كلّ قصائد لسان من الألسن.

بل على فرض أنّه قد اهتدى إلى ما تجتمع عليه القصائدُ التي اطّلع عليها حتّى وإن كانت محدودة العدد. وهذا فرض مردود كذلك؛ إذ ليس ثمّة ما يضمن توافق القصائد التي ستُقال في مستقبل الأزمنة، وما يفترض من مُشْتَركٍ تمّ الاهتداء إليه على ضوء ما قيل من قصائد.

يبدو “الفضاء المعرفيّ” -وما ينحتُ له بعضُ أهلِ الفلسفةِ نحتًا بالتّعريب، مقولة “أبستيميْ”- ونعني ذاك الذي يتمّ ضمنه التّعلّق بإمكانِ مفهوم كلّيّ للشّعر، فضاء منشدّا إلى سقف “النّسق”. ولعلّه يتعيّن علينا حتّى نخفّف من غلواء هذا التّكثيف المفهوميّ أن نبيّن كون المقصود بـ”الفضاء المعرفيّ” جملة الإجراءات المفهوميّة والمنهجيّة التي تسم نشاطا معرفيّا، بل حتّى أنشطة معرفيّة مختلفة الأغراض متباينة الرّهانات. وأمّا مقولة النّسق فتدور على كلّ خطاب معرفيّ، سواء تعلّق بممارسة فكريّةً نظريّة مجرّدة أو بممارسة فكريّة إجرائيّة عمليّةً، حيث تلتقي خواتمه ببواديه، وحيث كلّ جزئيّة فيه معقودة على إمكان الالتقاء بأيّة جزئيّة أخرى مهما تكن المسافة التي تباعد بينهما في الخطاب. تبدو هذه الأبستيمي إذن سندا لمن يأمل في وجود مفهوم كلّيّ للشّعر، باعتبارها فضاء معرفيّا تُستَـنُّ فيه القواعد التي تجمّع المختلف من الظّواهر (القصائد) تحت معايير توسم بالنّقديّة حتّى وإن كانت أحكاما مركّبة من أطراف بعضها واهي الصّلة بالشّعريّة أو هو معدومها. وذلك لما يتبع الإقرار بمثل هذا الفضاء المعرفيّ من قول بالنّسقيّة التي يمكن حصرها –في سياق أطروحتنا- ضمن مقولة “ديوان العرب” أو “الشّـعر العربي”. فمهما تباعدت المسافات بين القصائد، وتفرّقت الأذواق بالشّعراء، وتنازع النّقّاد من الأحكام، فالأمر يتعلّق بقصائد هي لا بدّ آيلة إلى “ديوان العرب” [=النّسق الذي يستوعب المختلِف داخله ليبقى نسقا].

الشّعر يُعرف ولا يعرّف
الأرجح أنّ الذين يتعجّلون تحديد المفهوم بما هو الحدّ الكلّيّ للظّاهرة المدروسة أو للموضوع المتنَاوَل، إنّما هم واقعون تحت خلط بين دلالة “المصطلح” ودلالة “المفهوم”. أمّا الثّانية فلا يفوتنا أن نضيف إلى أنّها من عمل الفكر عامّة، أو عمل الفكر الفلسفيّ حصرا. وأمّا قرينتها فمن عمل التّواضع الجمعيّ بما يعنيه ذلك من بعض الاعتباط قليلا كان أو كثيرا. أي أنّ ما نصطلح عليه شعرا لا نصطلح عليه كذلك، لأنّنا خبرنا ماهية الشّعر أو لأنّنا وقفنا على حقيقته، وإنّما لأنّنا “نحْدس” في ما بيننا خصائص للخطاب الشّعريّ تميّزه عن أيّ خطاب آخر.

وقد لا تخفى النّزعة الإسمانيّة التي تُسند الاعتقاد في المصطلح من حيث هي تفيد الميل إلى إحلال الاسم محلّ الحقيقة، أو تفيد -بتحديد أدقّ – كون حقيقة الشّيء اسمه. ولا يغرينا أن نتوسّع في هذه المسألة بحيث نكتفي بالإشارة إلى أنّ المصطلح في عمومه، بما في ذلك مصطلح الشّعر، إنّما هو حاصلُ سلطان متأتّ من خارج موضوع المصطلح. والذين يصطلحون على حدّه يصدرون في اصطلاحهم عن مؤسّسات من خارج دائرة الشّعر؛ بعضها يتقاطع مع هذه الدّائرة بشكل أو بآخر، ونعني بذلك مؤسّسة النّقد، وبعضها يتخارج عنها ولكنّه لا ينفكّ يتدخّل في تحديدها، ونعني بذلك كثيرا من المؤسّسات الاجتماعيّة سواء اتّخذت طابعا سياسيّا أو فقهيّا أو حتّى اقتصاديّا (تسويقيّا). وهذا لا يسوق إلى إنكار التّداخل بين الشّعريّ وغيره، وإنّما يفيد أنّ الخلط بين المصطلح والمفهوم في شأن الشّعر –وفي شأن غيره أيضا- إنّما هو مسند بتدخّل سلطان ذي هموم نفعيّة في الغالب الأعمّ أكثر منها هموما معرفيّة-جماليّة. وإذا جاز أن نُسقط دلالة المصطلح على دلالة المفهوم فعلى أساس أنّ هذا الأخير –على الأقلّ- مفهوم موحّد اصطناعيّا لجملة من الأحكام؛ ولكنّه ليس على أيّة حال مفهوما بالمعنى الذي يكون فيه المفهوم مجرّدا، أي متَمثَّلا من صميم الشّيء نفسه.

ومع ذلك ينبغي، هاهنا، ألاّ نقع في الخلط بين تصوّر للمفهوم يمكن أن نسمَه بـ”فطرانيّ” (من الفِطرة)، وهو الذي يبحث تحديد الشّيء ضمن بنية الذّات باعتبارها تشتمل على مبادئ فطريّة، وبين موقف يمكن اعتباره “خبرانيّا” ويدور أساسا حول ربط المفهوم بوشائج ممكنة مع العالَم، وهو يلتقط المفهوم من عمليّة تمفصل بين الذّات والمرجع. أي ينبغي عدم التّورّط في الخلط بين تصوّر للمفهوم يعتبره قبْليّا، أي هو موجود حتّى من قبل أن يوجد الشّيء فعليّا وبين تصوّر للمفهوم يعتبره بعْديّا، أي يوجد والشّيء الذي هو مفهوم له موجود بعد؛ إذ ليس المفهوم هاهنا غير المعنى. يقول جيل دولوز: “بإيجاز, إنّ المعنى يكون دائما أثرا. وليس فقط أثرا بالمعنى السّببيّ؛ ولكنّه أثر في معنى “الأثر البصريّ”, “الأثر الصّوتيّ” أو ربّما أثر مساحة، أثر وضع، أثر لغة.” المعنى الذي هو علاقة بين طرفين في عموم تعريفه، وعلاقة بين الذّات والشّيء في مخصوص تعريفه بالنّسبة إلى سياق حديثنا حيث القصيدة هي المعنى. وهما تصوّران يمكن اعتبارهماـ وإن بضرب من التّأويل قد يعتريه بعضُ الشّطط ـ امتدادا للتّقابل بين تصوّرين أنجبتهما الفلسفة الإغريقيّة في القرن الخامس (ق.م)، أحدهما يرجّح القول بما هو بالطّبيعة والآخر يرجّح القول بما ينتج عن الاصطلاح والاتّفاق بين البشر.
وعليه فإنّ مفهوما كلّيا للشّعر لا يمكن أن يكون تأسيسا للخطاب الشّعريّ ما دام ـ كما سلف الذّكر ـ غير سابق على هذا الخطاب؛ وإنّما هو حكم تأليفيّ بعديّ لا يعدو أن يكون غير ظلّ لبعض القصائد. وشأنه شأن الظلّ يرسم تقاليب الضّوء، ولا يستقر ّ على حال، ولا يلبث البتّة في نفس المكان، وإنّما هو في تحوّل أبدا، بل يَغيض في العتمة كلّما غابت الشّمس وجاء اللّيل. كذلك مفهوم الشّعر يغيض أحيانا كثيرة في عتمة القصائد. وبعبارة أخرى هل مفهوم الشّعر غير صيرورة الشّعر وهو يقول نفسه في “تاريخ الشّعر”، وهذا تاريخ مفتوح أبدا ما دام الشّعراء يقولون الشّعر.!

ليس ثمّة شعر وإنّما قصائد متنوّعة لا تصدر عن مبدأ أعلى، أو أصل واحد هو ما درجنا على تسميته” الشّعر”، لسبب قد لا يخفى وهو أنّ الشّعر من حيث هو مفهوم أو فنّ بصيغة المفرد، لاحق على القصيدة. وهو لاشكّ مفهوم رجراج يتظافر في صياغته، مجموع القصائد علىاختلافها، ولكن دون أن يكون بميسوره امتصاص اختلافها أو تباينها. ونحن إنّما نكون في الشّعر لحظة إنشاء القصيدة أو أدائها أو الاستمتاع بها. فإذا كان من الشّائع السّائغ الكلام على هذا الفنّ بصيغة المفرد, فليس ذلك إلاّ في مستوى وحدة مفهوميّة تتنوّع طرائق إجرائها بتنوّع القصائد. وكلّ قصيدة تضع لبنة في هذه الوحدة المفتوحة على قدر ما تضع مفهوم الشّعر, من جديد موضع تساؤل؛ مادام” الشّعر” لا يوجد قبل الكلام الحيّ أو قبل إجراء اللـّغة على طريقة خاصّة, إلاّ إذا سوّغنا القول بشعريّة اللـّغة نفسها أي ما لا يسمع إلاّ فيها أي في صمتها أو طابعها الخاصّ؛ وكأنّ كلاّ منهما: الشّعر واللّغة يتوكّأ على الآخر، أو هما يتبادلان الأدوار باستمرار. بل لعلّهما أشبه بالعلاقة بين اللّغة والفكر، حيث كلّ منهما يستنبت فرعا في الآخر. بل ربّما كان البحث في أصل اللّغة وهو بحث لا طائل منه- بحثا في أصل الشّعر نفسه أي في “اللّغة الأمّ للجنس البشري ّ”. والعربيّة ـ على ما يبدو من تاريخها ـ لغة شاعرة ذات أنظمة إيقاعيّة دقيقة محكمة إذ كانت لغة المقدّس الشّعري في الجاهليّة ثمّ المقدّس الدّيني ( القرآن).يقول ابن قتيبة:

” وللعرب الشّعر الذي أقامه الله تعالى لها مقام الكتاب لغيرها وجعله لعلومها مستودعا ولآدابها حافظا ولأنسابها مقيدا ولأخبارها ديوانا لا يرث على الدهر ولا يبيد على مر الزّمان وحرسه بالوزن والقوافي وحسن النظم وجودة التّحبير من التّدليس والتّغيير. فمن أراد أن يحدث فيه شيئا لم يخف له كما يخفى في الكلام المنثور. وقد تجد الشّاعر منهم ربما زال عن سننه شيئا فيقولون له ساندت وأقويت وأكفأت وأوطأت”. وكلاهما عزّز هذا الطّابع الفنّي المثير فيها. وفي ما عدا هذا الطّابع فإنّ ” الشّعر” – إذا استخدمنا عبارة مجازيّة – يبدأ من منتهى القصيدة, ويكون في عقبها أو طرفها. فلا مناص من الإقرار بأنّ القصيدة هي التي تصنع الشّعر حدّا أو مفهوما لا يثبت على حال, وليس الشّعر هو الذي يصنع القصيدة أو بأنّ القصيدة هي التي تستدعي أبدا تعريف الشّعر،هذا الفنّ الذي “يُعرف” ولا “يُعرّف”.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This