في قراءة تراث لغات اللغة : تجربة أندريه مارتينيه وعلوم الفقه والألسن / قصي الحسين

يقدّم لنا د. نادر سراج، الباحث الألسني اللبناني، كتاب: “وظيفة الألسن وديناميتها) في حلته الجديدة. وهو الذي سبق له أن عرّبه فصدر في العام 1996 عن دار المنتخب العربي في بيروت أيضاً. فشهد من خلاله لـ”مارتينيه” وتياره الوظيفي، ونتاجه الفكري، ومجلته La linguistique وجمعية العلمية /الجمعية الدولية للسانيات الوظيفية Société international de linguistique fonctionnelle (SILF).

ويقول سراج وقد انتسب إلى هذه الجمعية مبكراً في العام 1982، أن مارتينيه ومريديه، كانوا قد صبوا “جهدهم لاكتناه الحقيقة اللغوية الحية، ورصد الوقائع اللغوية بواقعية متناهية”. كذلك يرى أن مارتينيه التزم من خلال مدرسة الألسن هذه التي أسسها، الدراسة العلمية لتوصيف لغاتهم الأم في اللغة، ودراسة مختلف الظواهر اللغوية الاجتماعية، في ضوء تعاليم المدرسة اللسانية الوظيفية، وتطبيق تعاليمهم في دراساتهم الميدانية. حيث استطاع هؤلاء توصيف واقعهم اللغوي واستقراء آليات وكيفيات تواصلهم اليومي. لينصرفوا فيما بعد لدراسة استراتيجيات التخاطب، انطلاقاً من مقاربتهم العلمية لشؤون اللغة الإنسانية وشجونها، والتي لم تنتهِ فصولاً بعد.

والواقع أن تجربة اندريه مارتينيه في كتابه: “وظيفة الألسن وديناميتها” بالإضافة إلى جهوده في المجلة والجمعية، إنما تذكرني بالمصنفات اللغوية التي وضعها رائدان مربيان قديمان هما: أبو علي الفارسي ومريده أبو الفتح عثمان بن جني، وجهودهما العلمية التي بذلاها، ليس في الأمالي وحسب، وإنما في الحلقات المسجدية العلمية، كما في الندوات التي كانا يقيمانها في قصور الأمراء والشيوخ في عواصم العلم عصر ذاك: حلب وبغداد وهمدان، حيث كانت هذه المدن تستضيف كبائر علماء اللغة والفقه وتحتفل بهم وتذيع حلقاتهم ونظرياتهم.

فأبو علي الفارسي هو الذي وضع أسس فقه اللغة من خلال كتابه الذائع: “فقه اللغة الأكبر” في أوائل القرن الرابع الهجري/ التاسع للميلاد. وهو الذي أقام المجالس اللغوية في حلب وبغداد وهمدان لدراسة معاني اللغة من خلال جرسها. ويروى عنه أنه ذهب بهذه النظرية إلى فارس وعقد لها مجالس عديدة، فسأله أحد علمائها فقال: ما مسمى “إذ غاغ”. وكان أبو علي لا يعرف الفارسية. فكان أن صمت قليلاً منصتاً لهاتف اللغة، ثم أجاب: أجد فيه يبساً شديداً، وأراه “الحجر”. فاستدل بذلك عقلياً من خلال جرسه اللفظي على معناه الحقيقي.

وقد أخذ أبو الفتح عثمان بن جني علوم فقه اللغة عن شيخه أبي علي الفارسي وصنف فيه كتابان: كتاب الخصائص، وكتاب فقه اللغة. ويروى أن عثمان انقطع عن شيخه وانتحى رباضاً وأدار حوله حلقة علمية ببغداد. وصادف أن مرّ به أبو علي وهو يملي على طلابه. فدنا منه وقال له: زببت قبل أن تحصرم. فخجل أبو عثمان من شيخه وقال: إنما هو علمي الذي علمتنيه في فقه اللغة، فقال له أبو علي: ولكني “لا أرى في وجنتيك ورد المعرفة”.

ذكرت ذلك لأقول إن علوم فقه اللغة التي بدأها العرب، كانت قد سبقت إلى الظهور قبل علوم الألسن بعشرة قرون على الأقل. ولذلك لا بد من الوقوف على تراث لغات اللغة في عواصم العلم القديمة، لأن جهود القدماء موصولة حتماً بجهود المجدّدين من المحدثين، خصوصاً وأن النظريات العلمية كنت تنتقل من بلد إلى بلد ومن أمة إلى أمة، وهي لا تزال تحتفظ بطوابع البريد خلال رحلتها الإنسانية الشاقة والطويلة منذ القديم حتى اليوم.

وبالعودة إلى علوم الألسن كما في كتاب “وظيفة الألسن وديناميتها” فإن أندريه مارتينيه قد جعل عمله يقع في مقدمة وستة فصول، متحدثاً عن اللسانيات الوظيفية، وتعلم الكلام وتعلم القراءة، وتباين اللغات وضروب استعمالها، والوحدات التمييزية، والوحدات البليغة. ثم ينتهي في الفصل السادس لدراسة المعنى من خلال عنوانين لسانين بارزين: 1- لسان ما والعالم . 2- ما علينا أن نفهم من التضمين

ومن خلال هذه العناوين البارزة في دراسة الألسن ووظيفتها وديناميتها، يتبين لنا أن أندريه مارتينيه إنما يشتغل على التمييز بين الكفاية اللغوية والأداء الكلامي. وبرأينا أن الكفاية اللغوية إنما تتمحور حول معرفة المتكلم الضمنية بقواعد اللغة، أما الأداء الكلامي فإنما يجعل اللغة تتمظهر في عملية التكلم الآني. وهذا ما يجعله يستنتج أن الأداء الكلامي يخضع أية عوامل نفسانية متعددة، دون أن يعكس بالضرورة الكفاية اللغوية.

حاول أندريه مارتينيه في كتابه “وظيفة الألسن وديناميتها”، أن يقدم تصوراً عاماً لمفهوم الرؤية الوظيفية للوقائع اللغوية، كما يقدّم تصوراً آخر عن التطبيقات العملية لهذا المفهوم. ويقول مترجم الكتاب نادر سراج، أن مارتينيه يحدّد في مقالة له بعنوان: “ماهية اللسانيات الوظيفية”، القيمة التي تمتلكها كلمة “وظيفة” بالنسبة إلى أعضاء “الجمعية الدولية للسانيات الوظيفية”، حيث يشرح المعنى الأساسي لهذه الكلمة فيقول: “الدور الذي يضطلع به اللسان في نقل التجربة البشرية” (ص 28). ويضيف سراج أن مارتينيه “يشرح انتماء اللسانيات إلى علوم الثقافات الأمر الذي يسوّغ تخطي اللجوء إلى الاستبطان lintrospection وتحديد ما هو ملائم في هذا العلم. إنها برأيه (مارتينيه) الملاءمة التواصلية La pertinence communicative.

ويعرض مارتينيه أيضاً كما يقول سراج “للسان ما” une langue وليس “للسان” la langue بوصفه أداة مزدوجة الانبناء. مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا المفهوم، ينبغي أن يعمل بمثابة شرطٍ كي يمكننا أن نعين ما هو “لسان ما”، ومن الذي يفرّقه عن الألسن الأخرى. منبهاً إلى محاولة إدراج عناصر ليست بالضرورة مؤلفة أو جوهرية في هذا التحديد” (ص 28)

ويرى سراج وهو أحد أهم الباحثين في سياسة مارتينيه اللسانية، أن هذا العالم كان لا يجد حاجة إلى عزل علم لسانيات اجتماعية، سيضع جانباً وقائع التطور الخاضعة للتبنين structuration الاقتصادي الثقافي للمجتمع، بل علينا بالأحرى معاينة الوقائع ببساطة ودون موقف مسبق آخر، سوى استخدام اللغة لنقل تجربتنا. ويحدد سراج ذلك بقوله: “وهذا هو باختصار لب النظرية الألسنية الوظيفية التي ينتظمها كتاب وظيفة الألسن وديناميتها (ص 36).

حقيقة أن الأبحاث الألسنية التي اشتغل عليها مارتينيه في هذا الكتاب بدت وكأنها تتسم بتنوع واسع وذلك من خلال ما قام به مؤلفها من رصد واسع للنماذج التطبيقية من مختلف الألسن Langues، بما فيها أيضاً اللسان العربي. وكم كنا نرجو لو أشار مترجم الكتاب. نادر سراج بدوره إلى مساهمات العرب القديمة في هذا الموضوع، وهي كثيرة للغاية. أما الأمر الآخر الذي نود الإشارة إليه فهو ما تميز به الكتاب من منهجية تجمع بين العمق والبساطة، في عرض مبادئ اللسانيات الوظيفية، ناهيك عن صدوره بالعربية، بحلة جديدة، تظهر فيها أناقة ولياقة المترجم الأصيل.

 

[أندريه مارتينيه: وظيفة الألسن وديناميتها

[ترجمة نادر سراج

[المنظمة العربية للترجمة

[بيروت، 2011

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل البيروتية 4/9/2011

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق