في كتابها (الأفق السياسي للفكر الإسلامي ..دراسة في علاقة الدين بالفلسفة) – الباحثة التركية رزين قورت أوغلو : السياسة هي الأرضية المشتركة للتوافق بين الدين والفلسفة

يعمل هذا الكتاب )الأفق السياسي للفكر الإسلامي.. دراسة في علاقة الدين بالفلسفة) الذي ترجمه وليد عبد الله القط، وصدر عن مركز المحروسة للنشر والمعلومات، للباحثة التركية رزين قورت أوغلو على تحديد ماهية العلاقة الثلاثية بين الدين والفلسفة والسياسة، وبيان مكان وأهمية الفلسفة الإسلامية في صورة واضحة المعالم، حيث ترى المؤلفة أنّ مصدر المشاكل التي ساهمت في ظهور نوع من التساؤلات الفلسفية الخاصة بالعلاقة بين الدين والفلسفة والسياسة، يكمن في التوتر والخلاف اللاهوتي ـ الميتافيزيقي (الغيبي) الكائن بين الفلسفة والدين، إلا أنّ الظلال السياسية للتناقض والتضارب النظري بين الطرازين، والتي تنعكس بدورها على الحياة الفعلية، تكشف وبوضوح الطبيعة السياسية للقضية اللاهوتية ـ الميتافزيقية، من هنا يظهر جليّا أنّ سياسة كتلك ستصبح عاملا يزيد، ولا يقلل، من حدة التوتّر الموجودة بين الدين والفلسفة، ومع ذلك أصبحت الأرضية المشتركة التي يمكن أن يجري عليها التوافق بين الدين والفلسفة سياسية من جديد خاصة لدى الفلاسفة المسلمين واليهود.
وتؤكد رزين قورت أوغلو وهي باحثة حاصلة على درجتي الماجستير والدكتوراه في تاريخ الفلسفة من معهد العلوم الاجتماعية بجامعة (إيجه) التركية، أنّ عالم اللاهوت يقوم بصناعة علم اللاهوت السياسي الخاص به، انطلاقا من كلام الإله الذي يؤمن بوحدانيته،أمّا الفيلسوف فيصنع فلسفته السياسية انطلاقا من العقل وخده، هذا وقد أخذت العلاقة المباشرة الموجودة بين السياسة والدين الذي ظل موجودا علي الساحة بأشكال وديكورات مختلفة، سياسية تارة وأخلاقية تارة وحقوقية تارة أخرى، أخذت شكلا للعلاقة بين المقدس والمجتمع، وهو الأمر الذي أدى إلى مغادرة الفلسفة الساحة في بعض الأحيان، من هنا نرى أن السياسة هي المجال الذي يظهر الصدام بين الدين والفلسفة في أوضح صورة، ويحتضن المجال السياسي، الذي هو المجال الوحيد الذي يمكن عن طريقه قراءة الدين بعيدا عن التصنيفات الدينية، الفلسفة أيضا، ويجعل المقارنة بين هذين النشاطين؛ الدين والفلسفة، أمرا ممكنا من ناحية التجربة السياسية، لأن النشاطين الذين يقبل أحدهما سلطة الوحي ويقبل الآخر سلطة العقل من الناحية النظرية، لا يقفان على أرضية واحدة ليقارن بينهما من حيث المنهج الخاص بكل منهما، غير أن كلا منهما سواء رضي أم أبى، يتحدث بمناهج متشابهة حتى إن كانت مبرراته مختلفة عن الحياة الإنسانية المادية، ومما لا شك فيه أن الواقع السياسي هو نفسه الذي يحقق هذه الإمكانية. كما أن مشكلة التناقض الموجودة بين الحكمة والرضا والتي يواجهها الفيلسوف، ومشكلة الصدام الموجودة بين النموذج والواقع، والتي يوجهها علماء اللاهوت، هما قضيتان فرضتهما التجربة السياسية الإنسانية على الفلسفة واللاهوت، وهذا يعني أن السياسة في العالم الإسلامي أيضا لم تكن راضية عن القيم التي قدرت لها، وأنها بدأت تستدعي بشكل تدريجي السلطة التي أعارتها للفلسفة وعلم اللاهوت وللمعرفة نفسها. وتتصادف أكثر اللحظات التاريخية التي عرفناها لهذا الاستدعاء ناحية اللاهوت السياسي مع عصر الأمويين، ولكن يمكن التفكير بأنّ الحرب المدنية التي فتحت الطريق إليها مشكلة السلطة السياسية واختيار خليفة بعد محمد، كانت بمثابة تأييد خفيّ للاستقلال الذاتي للواقع السياسي في مواجهة المثل الدينية. وهذا مؤشر على أن الواقع السياسي سيتمكن من أن يطرح جانبا اللحظة التي أراد فيها غطاء إلهيا. إلا أنه من ناحية أخرى كانت هذه اللحظة التي أعلنت فيها السياسة عن وجودها واستقلالها الداخلي، بمثابة تكوين لبداية تحول المفهوم السياسي للإسلام إلي طبيعته الثانية، ولم تؤثر النظرية والتطبيق في هذا الإدراك وفي الفشل الواضح في موضوع الوحدة بين السلطة السياسية والحقوق المقدسة.

تبدأ المؤلفة برصد حالة الوهن والضعف التي ظهرت عليها الحلول الليبرالية والأرثوذكسية الجديدة التي جاء بها علماء اللاهوت، من كاثوليك وبروتستانت بعد الحرب العالمية الأولي، رغبة منهم في إحداث تقارب بين الثقافة الحديثة وبين المسيحية، وظهرت لذلك نظريات مثل موت الإله والنظريات الكونية التاريخية، والنظريات التأويلية، والسياسية السردية والتحررية، وتوجّهت هذه النظريات إلى بحث دور وتأثير الدين في الأزمة الثقافية الحديثة، وذلك لاجتياز أزمة القيمة والمعنى الراديكالي المعاش عن طريق الحلول المسيحية، وظهرت حلول أو نظريات إسلامية كحلّ أمثل لاجتياز هذه الأزمة وذهب معظمها إلي قيام دولة إسلامية على اعتبار أن ذلك هو الحل الوحيد لتلك الأزمة التي دخلت مدار الغرب، وأسمع تأثيرها الدول الإسلامية مستندة على الفرضية التي نادى بها الإسلام، وهي ضرورة وجود علاقة ملزمة وقوية بين الدولة والدين.
وفي فصل آخر المؤلفة للمظاهر المجردة للعلاقة بين الدين والسياسة والفلسفة في العالم الإسلامي، وذلك من خلال سياق العلاقة بين الفيلسوف والمجتمع من خلال ثلاث فلاسفة لهم نفس الاتجاه الفكري، ويحتلون ثلاث مراحل أو محطات، يختلف كل منها عن الآخر وهم الفارابي وابن باجه وابن رشد، حيث تتناول بعد ذلك مباشرة التعاليم والمبادئ السياسية الخاصة بعلماء اللاهوت السياسيين في الإسلام، حيث يمثلها خير تمثيل كل من الغزالي وابن تيمية حيث ينظر إليهما العالم الإسلامي كنموذج وقدوة تحتذى، فهما يحتلان اتجاهين مختلفين، يستند أحدهما إلى الأخذ بالباطن والظاهر، وذلك في تأكيد على أن الشريعة هي بناء مؤسسي يخدم المشروع السياسي للإسلام، ولعل نظام الخلافة يرمز إلى الوحدة بين الدين والدولة وبالتالي الوحدة بين السلطات الدينية والسياسية، وبذلك يصبح الدين هو الذي يمتلك المعايير المنظمة للحياة العامة ويصبح موضوعا للفكر السياسي.
وفي الفصل الأخير تتعرض لنموذج لفهم علم السياسة من خلال الحل العلمي للمشكلة السياسية، عن طريق رائد الاجتماع ابن خلدون، حيث شكل الدين طبائع كل الكائنات وقسم قواها المختلفة بينها، أي أن الإله عند ابن خلدون هو الذي سيجعل أية مناقشة علمية تتعلق بالطبيعة والمجتمع والإنسان أمرا ممكنا، وبذلك يلتقي الفلاسفة الذين يرون أن الإله هو الذي يمنح العقل الإنساني الإمكانية من أجل البحث الحر في قوانينه الخاصة.

وترى رزين قورت أوغلو أن العلاقة بين الدين والسياسة بشكلها الذي أشار إليه كل من الغزالي وابن تيمية في تعاليمهما السياسية، تعبّر عن تفوق القانون الإلهي علي القانون الوضعي المتفق عليه عالميا، وتضيف: إلا أننا رأينا أنّ أيّا منهما لم ينجح في محاولاته الرامية إلي تقديم إمكانية نظرية لإعادة إحياء نموذج دولة دينية على نفس النمط الذي تحقق بالفعل في شريحة معينة من الزمن الماضي، وأنّ كلاّ منهما قد سقط مهزوما أمام الواقع السياسي في عصريهما، ومع هذا فلم يتراجعا ولم يتراجع علماء اللاهوت في الإسلام المعاصر المرشحون ليكونوا ممثلين للعمل أو الممارسة Praxis الإسلامية إلى جانب النموذج الإسلامي لم يتراجعوا جميعا عن دعوتهم من أجل العودة إلى الشكل الأول للإسلام الذي لم يفسده الواقع السياسي.
لقد كان التماثل الموجود الآن بين المجال الأخلاقي والسياسي بمثابة الشرط الفكري الثقافي الذي أعطي الإذن لإدراك الإسلام باعتباره سياسة، لأنه طالما لم يحدث انفصال بين ما هو أخلاقي وما هو سياسي، فسيصبح من السهل استبدال ما هو ديني بما هو سياسي، وهذا هو مبرر العلاقة التي لم يقمها علماء اللاهوت السياسي فحسب، بل أقامها أيضا الفلاسفة في الإسلام بين الدين والسياسة.

وتشير رزين إلى أن الفيلسوف اختزل دور الدين ليضعه في مكانة تابعة للفلسفة، بل وتابعا للسياسة أيضا، لأن عمل الفلسفة السياسية هو إقامة علاقة بين المجتمع والحقيقة. والفلسفة في العالم الإسلامي ليست تفسيرا منهجيا منظما ومجردا له علاقة بالكائن فحسب، بل يقدم نفسه في الوقت نفسه باعتباره دراسة عملية مجردة تهتم بالسعادة الإنسانية أيضا، وتعني الميتافيزيقا، بوصفها وسيلة الوصول إلي السعادة بالنسبة لفلاسفة الإسلام –، البحث عن الحقيقة. أما السياسة فهي البحث عن السعادة من زاوية الاستناد إلى الحقيقة. يقصد هذا التعريف أن العلوم النظرية على ما هي عليه من أهمية توجب تعلمها، إلا أنها ليست كافية وحدها حتى يصل الإنسان إلي هدفه المنشود. وكما أوضحنا من قبل أن استخدام الفيلسوف العقل في إدراك أي شيء قد جعله يبتعد في تناوله لهذا الشيء عن وجوده الفعلي الموجود خارج العقل، وهو الأمر الذي جعله يعود مرة أخرى إلى عالم الانطباعات والآراء غير القاطعة، وجعله من ناحية أخرى يسلم بواقعية الحياة السياسية. وجاءت مواقف الفارابي وابن سينا وابن رشد تجاه الانطباعات، لتعدل من هذه الرؤية، لأننا نعرف أن ثلاثتهم قبل أن تكون نقطة التحرك والانطلاق من عالم الانطباعات على اعتبار أنها المرحلة الأولى التي تبدأ منها دراسة الحقيقة. هذا بالإضافة إلى أن البيان بالنسبة لهؤلاء الفلاسفة هو المنهج الخاص بالسياسة. وسيعني تقديم البيان باعتباره منهجا للسياسة أن مفهوم الإقناع سيستحوذ على مكانة مركزية في المجال السياسي، وفي وضع كهذا يمكننا القول إنه حتى لو اختزلت مكانة السياسة لتصبح مجرد وسيلة، فسيوجد على الأقل جزء من الفلسفات السياسية في الإسلام ستستمر في تقديم إمكانية مهمة في موضوع كشف البناء الخاص بالمجال السياسي.
من هنا يمكن التفكير في أن اعتبار الفضيلة الإنسانية والحكمة اللتين يمكن أن يصل إليهما الإنسان بواسطة العقل وحده دون الاستعانة بأي شيء آخر، هما أساس التعاليم السياسية للفيلسوف في الإسلام، وليس الدين أو العدالة. يمكن التفكير بأن تفكيرا كهذا قد أصبح بمثابة باب فتح على الوجود الدنيوي للإنسان، لأن فهما كهذا يعطي الإذن لإقامة استقلال داخلي أخلاقي للإنسان، وانطلاقا من هذا الاستقلال الذاتي سيتمكن الإنسان الذي أصبح مزودا بإمكانيات تساعده على خلق استقلاله الأخلاقي، من إدراك الفرصة التي ستمكنه من أن يخلق لنفسه مجالا سياسيا مستقلا. لهذا السبب أيضا، يحمل الفهم السياسي للفلاسفة إمكانية لإعادة الإنسان إلى الحياة الإنسانية العامة ولكنها ستعيده إليها هذه المرة وقد حولت وجوده الأخلاقي إلى واقع أيضا.

الكتاب : الأفق السياسي للفكر الإسلامي ..دراسة في علاقة الدين بالفلسفة
المؤلفة رزين قورت أوغلو
الناشر : دار المحروسة
الطبعة الأولي : 2008
عدد الصفحات : 339
القطع الكبير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق