في كره التاريخ وحب العصر الحالي

"عندما أراك وأسمعك، أخرُّ على ركبتي، وكأنني أقف أمام المسكن النجمي للعذراء (استريا). لأن قضاياك تبلغ عنان السماء، يا هيباتيا المبجلة، معلمة الكلمة الجميلة، ونجمة مدرسة الحكمة الطاهرة" – مؤلف مجهول

دائماً ما يتغنى معظم أفراد المجتمع الذي أعيش فيه بمحاسن الماضي! وكم كانت الحياة أروع! وكم كانت العلاقات الإنسانية أصدق! لكني كنت ومازلت وسأبقى أردد أني سعيدة بولادتي في هذا العصر؟! عصر رغم كل الصعوبات التي تواجهني فيه كامرأة شابة تحاول أن تعيش أفكارها!؟ إلا أنني في النهاية بالإصرار والإيمان والعمل بهذه الأفكار أستطيع أن أحياها!

هناك سؤال لطالما أرعبني التفكير فيه: ماذا لو لم أولد في هذا العصر؟

أيتها النساء المفكرات اللواتي تتغنين بالماضي ماذا لو ولدتن في زمن الفيلسوفة "هيباتيا"؟!، ماذا كان سيحل بكن؟!

تخيُّل نفسي أو أية امرأة من بنات جنسي في عصر سابق يؤلمني، ألمٌ لن يفهمه سوى النساء وكل المضطهدين في الحياة.. وأتساءل: هل أكره التاريخ؟!.. تاريخ لو وجدت فيه لكنت ربما ساحرة.. مشعوذة.. مهرطقة.. وحكماً كافرة –وبئس المصير-.

ما ذرّ الملح على جروحي هو حضوري لفيلم "AGORA" الذي يتناول قصة الفيلسوفة "هيباتيا"، وهي المرأة الوحيدة تقريباً –إضافة لسافو و أسبازيا- التي استطعنا أن نعلم بوجودها في العصور التاريخية السابقة كسيدة لا تؤمن إلا بالفلسفة أم العلوم كلها..

اشتهرت "هيباتا" (380- 415 م) فيلسوفة الأفلاطونية المحدثة وعالمة الرياضيات والمنطق والفلك، وابنة "ثيون" آخر عالم رياضيات في متحف "الاسكندرية" "السيزاريوم"، بدفاعها عن "مبدأ العلم ضد الدين" في الوقت الذي كانت فيه "الاسكندرية" تعاني من تنامي أصولية مسيحية في مواجهة بقايا الوثنيين والأصولية اليهودية.

واسم "هيباتا" Ὑπατία باليونانية مستمد من الصفة ὑπάτη، أي أن اسمها هو تأنيث للصفة التي تعني "الأرفع، الأعلى، الأسمى." استطاعت "هيباتيا" في القرن الرابع الميلادي أن تطور أفكار الفلاسفة "بطليموس" و"أرستارخوس"، لتكتشف أن الأرض تدور حول الشمس بمدار إهليجي، وهو اكتشاف لو طور في زمنه لاختلف تاريخ البشرية جمعاء، ولكن مع مد الديانات الأبوية الذكورية –خاصة المسيحية- بعد مرسوم الإمبراطور" ثيوديسيوس الأول" ومحاولات القضاء على أي فكر مخالف حتى لو كان ديناً آخر يؤمن كما هو مفترض بنفس الإله الواحد الأحد –وأقصد اليهودية-، ماذا نتوقع أن يكون مصير صاحب الفكر المخالف خاصة أنه امرأة!، وليس أية امرأة!، إنها امرأة وهبت نفسها للعلم والمعرفة والفلسفة وفقط.

أشكر الفيلم الذي قدم نهاية درامية لحياة الفيلسوفة الكبيرة "هيباتيا"، فهم جعلوا نهايتها أقل عنفاً وأكثر كرامة، كرسالة تقدير لروح امرأة على الأقل عرفنا أنها قضت شهيدة الفكر، ولكن كم غيرها من النساء الشهيدات عبر عصور التاريخ لم نعلم بهن..!

حزني عميق عليكن، وسعادتي -التي أعلم أنها تشكل عزاء لأرواحكن- تُحيي العصر الحالي وتقول "أحبك"، فرغم كل آلامك وحروبك وأشكال عبودياتك الجديدة إلا أنك وأخيراً اعترفت بي، وبكتاباتي وبأقوالي وبتشخيصاتي الطبية ووصفاتي الدوائية، وآمنت باختراعاتي واكتشافاتي وأعمالي الإبداعية، ومع ذلك فلا الفضل ولا الشكر لك، بل إنه لآلاف النساء والرجال شهيدات وشهداء الفكر عبر التاريخ الذي ورثتُ وتنعمتُ بنتائج ما ناضلن وناضلوا من أجله..

وأخيراً أقول إني امرأة تحيا لتفكر وليسمع التاريخ ذلك بأعلى صوتي..!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق