في مطلع الألفية الثالثة

تجاوزت الخمسين عاماً بقليل ولا تزال تحتفظ بنضارة وجمال ظاهرين، رغم الحزن البادي في ملامحها، إذ لم تتزوّج قطّ، لأنّها عاشت رهينة سلطة لم تحترم أيّ حقّ لها في الحياة أو الاختيار، بعدما حيّرها ابن عمّها وهي ما تزال طفلة في مقتبل العمر، فبات عليها إمّا القبول به زوجاً لها أو القبول بعنوسة أبدية، ما لم يرجع ابن العمّ عن عضله لها. فكان أن ارتضت لنفسها العزلة الروحية والقهر النفسيّ وانتظار موت الزمن وموتها معاً.

بدايةً، يَشِي اصطلاح “الحيار” لغوياً بالحيرة، وفي اللغة هو كثير المال والولد، ويقال حيّره في الكلام، أي جعله ضمن دائرة، وطوّقه. والحيار اصطلاحاً هو أحد أشكال العضل بمعنى المنع. فيقال عضل فلان ابنته إذ منعها من الزواج. وهو أيضاً الحجر، أي منع الفتاة من الزواج بمن هو نظيرها، وإجبارها على الزواج من ابن عمّها، وتُمنع عمّن سواه مهما تكن الأسباب.

تمتدّ جذور هذه الظاهرة عميقاً في التاريخ وفي القدم، لتصل إلى المجتمع القبليّ بكلّ ما يمثّله من نُظم وقيم قبلية، لسنا في معرض التطرّق لها، إلا أنّ سيادة مفهوم الطاعة المطلقة للكبير وفق تراتبية تنتهي برأس القبيلة، أدّى مع التعصّب القبليّ وهيمنة العقلية الذكورية في عدم خروج الفتاة عن طوق القبيلة. وفي تحويل عادة الحيار إلى حقّ مقدّس تُحجز بموجبه الفتاة لابن عمّها منذ أن تكون طفلة صغيرة في سنواتها الأولى، حتى إذا كبرت تزوّجته راضية أو مرغمة بالقوّة والإكراه. فإن رفضت هذا الزواج فالعنوسة مصيرها، ولو تزوّج هو من أخرى غيرها أكثر من مرّة، فلا تُوهب لها حريتها إلا بإعلانه فكّ حيارها، إمّا لقبوله بمال يُدفع كفدية لها من قبل الأهل، أو لعزوفه عن الزواج بها، وهو نادراً ما يفعل.

في حالات نادرة حاول فيها أهل الفتاة حماية ابنتهم ومساعدتها على الزواج من آخر، خاصة بعدما أعيتهم السبل في فكّ حيارها، فكان مصيرهم فرض عزلة كاملة عليهم ومقاطعة تامّة لهم، من قبل العشيرة بكاملها، فلا تعاملَ معهم ولا تزاوج مع أبنائهم وبناتهم.

تعدّ ظاهرة الحيار من الظواهر المؤلمة في الحياة الاجتماعية للمرأة في مناطق شمال شرق سوريا، وفي الكثير من المجتمعات العربية التي تهيمن فيها البُنى العشائرية والقبلية وسلطة هذه التكوينات الاجتماعية. وقد أدّى الجهل والتخلّف واستمرار التسلّط الذكوريّ، إلى استمرار حضور هذه العادة القبلية في المجتمعات العشائرية في محافظات الجزيرة السورية حتى زمننا هذا، وإن بنسب متفاوتة. فضحاياها ما زلن بالعشرات في المناطق العشائرية من سورية، ، لدرجة يمكن القول معها، إنّ كلمة الحيار تعني مآسي كثيرة وقصص حزينة أودت بحياة الكثير من الفتيات، أيّاً كان المستوى التعليميّ أو المادّيّ لهنّ أو لعائلاتهنّ، قصص لم يصل إلى أسماعنا منها إلا الأكثر فجائعية.

وإن كانت عوامل التطوّر المجتمعيّ وانتشار العلم ولا سيما تعليم الفتاة، أو حضور القانون المدنيّ في تلك المجتمعات، قد أدّت إلى تراجع هذه العادة بشكل ملحوظ، إلا أنها لا تزال مستمرّة. واللافت للانتباه حقا،ً هو رفض المتعلّمين والمتعلّمات والمثقفين والمثقّفات ومنظّمات المجتمع المدنيّ لهذا السلوك المجتمعيّ المتخلّف، وفي الوقت ذاته استسلامهم لعجزهم عن التصدّي له، أو حتى كسر حاجز الصمت الذي يلفّ ضحاياه، وكأنهم بذلك يشاركون الجاني في جرائمه، أو على الأقلّ يوقّعون له وثيقة حسن سلوك.

هنا يؤكّد الباحث التراثي محمود الذخيرة من الرقّة، المدينة القابعة شمال شرق سوريا والتي ما زالت فتياتها تخضعن لهذا العرف: “أنّ الفتاة الجميلة لا تتزوّج سوى أحد أبناء العمّ حتى وإن كان ابن عمّها لا يضاهيها في شيء، حيث يجرّونها إليه جرّاً مهما تكن رغبة الفتاة”.

ويضيف الباحث الذخيرة: “يأتي الحيار أحياناً للمحافظة على الميراث من أن ينتقل إلى غرباء، أو عندما يكون مشهوداً للفتاة بالتعلّم وبالنشاط والمثالية في الأعمال الرعوية أو الحقلية أو المنزلية، والجوهر في هذه الظاهرة أنها عسف يقع على الفتاة، وهي التي تدفع ثمنه غالياً”.

وإن كنّا نتّفق مع الباحث فيما أورده من أسباب، إلا أنّه من المفيد التأكيد بوجود أسباب أخرى تدفع ابن العمّ لممارسة عادة الحيار على ابنة عمّه، ليس أقلّها الخلافات بين أولاد العمومة، أو الانتقام للردّ على حيار سابق من قبلهم، أو بسبب كراهية شخصية للخاطب والبنت إذا علم ابن عمّها أنها على علاقة حبّ بهذا الشابّ، أو أن تكون البنت قد رفضت ابن عمّها سابقا. أو لدوافع أكثر دناءة كالابتزاز المادّيّ، خاصة عندما تكون ابنة العمّ تفوق قريبها علماً وخلقاً.

وثمّة الكثير من القصص المؤلمة التي تؤكّد ذلك، ففي مدينة الرقّة مثلاً، حصل في أواخر عام 2008، أن أقدمت فتاة في مقتبل العمر على شرب مبيد سامّ أودى بحياتها عندما أرغمت على الزواج بابن عمّها. وفاطمة التي أجبرها والدها على الزواج بابن عمّها المحكوم بجرائم متعدّدة، هي اليوم مطلّقة تقيم ببيت والدها مع أطفالها الأربعة، وتتمنّى لو أنها طلّقت قبل وقت طويل.

أمّا مريم التي حُيّرت لابن عمّها أحمد ومن ثمّ تزوّجها، تبيّن لها لاحقا أنّه مدمن مخدرات وأنّه كثيراً ما يفقد السيطرة على نفسه، فيتحوّل إلى شخص عنيف، وقد اضطرّت إلى اللجوء إلى أهلها مرّة هرباً من عنفه، فلحق بها ليرغمها على العودة، حيث نشبت مشادّة بينه وبين أخيها الجامعيّ الذي حاول الدفاع عنها، وفي لحظة هياج ضرب الأخ الزوج على رأسه فأرداه قتلاً، واليوم ينفّذ ذاك الجامعيّ حكماً بالسجن لمدة 12 عاماً، وقد بات قاتلاً.

كثيرة هي القصص التي حدثت وستحدث في تلك المجتمعات طالما نحن نتجاهل هذه العادة السيّئة التي يرفضها العقل والدين، والتي لا مبرّر لها سوى سيادة ليس العرف بالتحديد، وإنما سيادة العقلية الذكورية التي شكل العرف أحد تعبيراتها، وشكّل القانون الذي اعتبر العرف أحد ركائزه الأساسية، أهمّ تجلّيات هذه العقلية. فرغم إدراك المشرع أن الحيار مخالف للإسلام ومتعارض مع مبدأ الإيجاب والقبول الذي يُعدّ ركنا أساسياً في الزواج. وأنّ الإسلام نهى عن الحيار في قوله تعالى: ” فلا تعضلوهنّ أن ينكحن أزواجهنّ إذا تراضوا” البقرة 232. لما يترتّب عليه من مفاسد قد تلحق بالفرد والمجتمع على حدّ سواء. إلا أنّنا نجد مشرّعنا قد صمت عن تحريّم هذا الفعل، أو تجريمه بل وامتنع المشرع عن معاقبة من يقدم على تحيير الفتاة أو عضلها، رغم ما يُلحقه ذلك من عسفٍ وإضرار وأذى بالفتاة، والذي قد يصل حدّ اختيارها الموت على الحياة. الأمر الذي يمكن القول معه، إنّ المشرّع بصمته هذا لا يعطي موافقته الضمنية على إباحة التصرّف فقط، بل يضْفي الحماية القانونية على الجاني مرتكب هذا الفعل. خاصة وأنّ جرائم الحيار كجرائم الشرف تحدث ضمن العائلة الواحدة، والنتيجة غالباً واحدة فالضحيّة دوماً هي الفتاة، لكنها تختلف عن جرائم الشرف إذ لا ترتبط بأيّ فعل من الفتاة، وإنّما ترتبط بتعبيرات وتجلّيات الطاعة المطلقة للعرف والتقاليد، لذا غالباً ما يعقب جريمة الحيار إسقاط الحقّ الشخصيّ عن الفاعل، ممّا يُتيح للقاضي منح الفاعل الأسباب المخفّفة التقديرية والقانونية.

من هنا نجد أنّ القضاء على هذه العادة الاجتماعية وغيرها من العادات المتخلّفة والمنبوذة، واجب المشرع أوّلاً وقبل كلّ شيء، من خلال العمل على إيجاد منظومة حقوقية تحيط بجميع مظاهر النشاط والسلوك البشريّ في المجتمع وترتقي به، خاصة وأنّ القانون من أهمّ الأدوات التنظيمية الدافعة لحركة التقدم بالنسبة للمجتمع ككلّ، وللمرأة بشكل خاصّ. ليس فقط على مستوى الحياة العامّة للمجتمع، وإنما على مستوى حقوق المرأة الأسرية وحقوقها الشخصية. وعليه فإنّ عملية تحديث القوانين هي بلا شكّ المدخل الرئيسي لأيّ إصلاح يهدف إلى إزالة جميع مظاهر الجهل والتخلّف وما يتبعها من تجلّيات كالحيار وزواج المقايضة وغيرها من عادات تسيء للمجتمع عموماً، وللمرأة فيه بوجه خاص.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق