في مفهوم الدولة والديموقراطية / زياد حافظ

منذ فترة نتابع الخطاب السياسي للرئيس والشعارات التي رفعها مع فريقه السياسي ك«العبور إلى الدولة» و«الديمقراطية» كمدخل لاستقرار لبنان وشعبه. وإذا كنّا جميعا نسعى إلى ذلك الإستقرار، إلاّ أن ما يعتبرونه عبورا إلى الدولة مسألة غامضة. فقضية «العبور» قد نفهمها جميعا ولكن ما هو المقصود يا ترى بمفهوم الدولة؟ الحقيقة أن الجميع يتكلّم ب«الدولة» وكأنه هناك إجماع حول مضمونها، لكن هذه فرضية في رأينا غير دقيقة. فهناك التباس حتى عند المثقفين والباحثين في الشؤون السياسية في تحديدهم لمفهوم الدولة. منذ بضعة أشهر عقد مركز دراسات الوحدة العربية حلقة نقاشية حول «أزمة الدولة في الوطن العربي». قُدّمت عدّة أوراق بحثية أعدّها باحثون من مختلف الأقطار العربية. غير أن ما لفت إنتباهنا هو الغوص في قضايا «الدولة» و«إشكالياتها» و«أزمتها» وكأن الباحثين يتكلمون عن مفهوم متعارف عليه. لكن حقيقة الوضع أن هناك التباسا كبيرا في مفهوم الدولة حتى عند المثقفين. فالدولة هي منتوج حديث للغاية في تاريخ البشر لا يتجاوز عمره الثلاث مائة سنة.

وجدنا من خلال مطالعاتنا لتلك الأبحاث ولأبحاث مماثلة ولتاريخ هذه الأمة وتراثها، أنه لم يكن لدينا كلبنانيين أو كعرب أو كمسلمين أو شعوب ومجتمعات منحدرة من حضارات قديمة، وحتى في تلك الحضارات، أنه ليس هناك من «دولة»، بل هناك سلطة وملكية مطلقة وخلافة وإمامة وسلطانية. وتساءلنا لماذا لا يوجد في تراثنا الفكري مقاربات حول الدولة؟ هناك «أحكام سلطانية»، وهناك نظريات للخلافة وللإمامة، ولكن يبقى تحديد ماهية «الدولة».

إذا أردنا أن نعود إلى جذر المصطلح في اللسان العربي نرى أنه يدّل على شيء متحرّك ومتغيّر. هناك فعل «دال» ويدول. هنـاك الآية الكريمة: «وتلك ا لآيام نداولها بين الناس». إذا هـناك مفهوم «متغيّر» ومتحرّك. بينما جذر المصطلح المقابل في اللغات اللاتينية أو الأنكلوسكسونيـة يدّل على عكس ذلك. فمصطلح «state» أو «état» يدّل على شيء ثابت أو غير متحرّك. ألا يستوقف ذلك الأمر الباحثين في الشؤون السياسيــة؟ كيف يمكن لنفس المفهوم أن يدّل على شيء ثابت في الغرب وعلى شيء متحرّك في تاريخنا وإرثنا؟ أم هناك اختلاف جوهري في المضـمون والرؤية؟ وبالتالي يمكن أن نسأل ماذا يعنى «العبور» إلى شيء متحرّك؟

ويمكن أن ندقّق أكثر في ذلك المفهوم. فإذا لجأنا إلى التاريخ في الغرب وفي المشرق نرى أن السلطة كانت محصورة تاريخيا في شخص الملك. ألم يقل الملك لويس الرابع عشر: «أنا الدولة والدولة أنا»؟ أي كل السلطات بيده ويحكم كما يشاء؟ ثم أتت الثورة الفرنسية لخلع الملكية ولتفصل السلطات وتحصرها في مؤسسات مستقلّة عن بعضها البعض، على الأقل نظريا، وإن كانت الممارسات والتطبيقات تتراوح بين الإلتصاق بحرفية فصل السلطات، أو الإبتعاد عنها، أو تحويرها بسبب قوة ونفوذ المال. فالسلطات الدستورية المنفصلة والمستقلة عن بعضها بعض، شكّلت قاعدة النظام الجمهوري. ولكن ذلك النظام الجمهوري لا يعنى بالضرورة أن ممارسات ديمقراطية ستضبط إيقاع ممارسة السلطات. فذلك موضوع آخر يختلف كلّيا عن مسألة الدولة.

إذا بسبب فصل واستقلالية السلطات أي السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية، برز نموذج آخر لممارسة السلطة. وهذه التجربة حديثة للغاية في تاريخ البشرية لا تتجاوز الثلاثمائة سنة! فلا يجوز اختزال الجهاز الإداري والأمني بمفهوم الدولة بل هما أداتان لممارسة السلطة. أما الدولة بالمفهوم الغربي، فهي مجموعة مؤسسات تساهم في صياغة القرار السياسي والإقتصادي والإجتماعي والأمني والثقافي، تاركة هامشا محدودا لرأس السلطة الذي يختار من بين الخيارات التي تعدّها تلك المؤسسات. أما في المشرق العربي سابقا وحاليا فنرى أن هامش الحاكم أكبر بكثير، وهو الذي يٌسخّر «المؤسسات» لمشيئته. أما فصل السلطات فيظلّ شكلياً وتخضع لمزاج الحاكم.

من جهة أخرى نرى أن الدولة في الغرب بمضمونها الثابت تتلازم مع اقتصاد منتــج، ومهمتها الأساسية هي ضمان استقرار الأوضاع وخاصـة علاقات الإنتاج للثروة الوطنية وما يرافق ذلك من حراك طبقي منبثق عن ملكية أو عدم ملكية وسائل الإنتاج. غير أن الوضع في المشــرق العربي يختــلف كلّيا. فالسمة الأساسية لاقتصادات المنطقة هي الريع، والمهمة الأساسية للسلطة (ولا نقول الدولة) هي توزيع الريع. فالسلطة مسؤولة عن استقـرار المجتمع والتراتبية وفقا للولاءات في الحصول على الثروة الريعية. أما علاقات الإنتاج والطبـقات الناتجة عنها فالمجتمعات العربية ما زالت غير معنية بذلك.

نتيجة لذلك يصبح المجتمع العربي أقوى من الدولة. فالدولة المشرقية لم تكن في يوم من الآيام معنية بتقديم الخدمات الإقتصادية والاجتماعية للرعايا (وليس للمواطنين). فنظام التكافل الذي سبق الضمان الاجتماعي بأربعة عشر قرناً يقوم به المجتمع وليست السلطة أو «الدولة»، آخذين بعين الإعتبار إقبال السلطنة العثمانية في القرن التاسع عشر على المساهمة في الرعاية، وذلك لـ«تحديث» سلطانها أو «دولتها». ومن مظاهر قوة المجتمع العربي وتفوّقه على «الدولة» أن الأخيرة تنهار بسرعة في الأزمات الأمنية بينما يستمرّ المجتمع في القيام بمهاهمه. هذا لا يعني أن «الدولة» غير مهمة أو ذي جدوى، ولكن نقول ذلك للفت الإنتباه إلى أن مفهوم الدولة بحاجة إلى بحث وتمحيص أكثر عند الذين ينادون به. أي بمعنى آخر يجب إيجاد قاعدة إنتاجية للثروة الوطنية غير الريع لتفعيل وتمكين مؤسسات قادرة على حماية وصيانة المجتمع.

في الغرب تكون الدولة حامية المجتمع وانهيارها يؤدي إلى انهيار المجتمع. بينما في واقعنا مازال المجتمع أقوى من «الدولة» المزعوم إنشاؤها. فالحروب الأهلية وغير الأهلية التي شهدتها المنطقة العربية أفضت إلى تهالك الدولة وثبات المجتمع. فلبنان والعراق مثلان على ذلك. فالبنية الفئوية للأنظمة السياسية القائمة في الوطن العربي تحول دون قيام «الدولة». وإذا قامت، فهي ضعيفة عن سابق وتصميم. النظام الطائفي في لبنان على سبيل المثال يتناقض مع مفهوم الدولة، والذين يتكلّمون عن «العبور إلى الدولة» ليس ببالهم إلغاء القاعدة الطائفية والمذهبية التي أتت بهم إلى الحكم. أي بمعنى آخر ان الطائفية هي «عدة الشغل» أو «الرأس المال التجاري» لهؤلاء والذي لا يستطيعون تقديم أي شيء للمجتمع سواء التبعية لهم وللخارج. فالزعماء الطائفيون بحاجة إلى حماية طرف خارجي في لعبتهم الصفرية المدمّرة للتنافس مع بعضهم. كما أنهم يقمعون بشدّة كل من يفكّر بالتمرّد على ذلك الواقع الذي يلغي شخصية الفرد ويذوّبها ب«الطائفة». ويرتكز أمراء الطوائف والمذاهب على قاعدة ريعية لإنتاج الثروة الوطنية يمتلكونها، أو بالآحرى يسيطرون عليها، بشكل مباشر أو غير مباشر، ويقومون بتوزيعها وفقا لسلّم الولاءات لهم. من هنا نفهم لماذا يصعب إلغاء الطائفية والمذهبية وجميع أشكال الفئويات التي تدمر مجتمعاتنا لأنها متلازمة مع قاعدة ريعية لإنتاج الثروة تمكّن القائمين على السلطة من توزيعها وفقا لتلك الفئويات والولاءات.

وإذا المجتمعات العربية مازالت متمسّكة ببناها الفئوية المتعددة فيمكن التساؤل عن جدوى إيجاد «دولة». يمكن التكلّم عن ضبط إيقاع السلطة وفقا لمعايير أخلاقية أكثر مما تكون قانونية. لذلك نفهم لماذا قيمة العدل أو العدالة هي القيمة الأولى في مجتمعاتنا أكثر من قيمة «الحرية» أو «المشاركة». نعي أن هذا الكلام سيفاجئ المثقفين المستغربين من العرب لكنه هو واقع تاريخي. كما أن التمسّك بالفئويات يتنافى مع إنشاء قاعدة إنتاجية للثروة الوطنية بدلا من المصدر الريعي. فالقاعدة الإنتاجية تتلازم مع المساءلة والمحاسبة بينما التوزيع الفئوي للريع يلغي ذلك. فما قيمة المؤسسات الدستورية إذا انتفت المساءلة والمحاسبة؟ وكيف يمكن إدراج المساءلة والمحاسبة في الثقافة الوطنية طالما الثروة و«الخدمات» تقدّمها «القيادات الفئوية» بدلا من المؤسسات التي يُشارك مبدئــيا كل المواطنين؟ كما أن مفهوم المواطنة في المجتمع الفئــوي يصبح غيرذي معنى. فالمجتمع الريعي الفئوي ينتج رعايا وليس مواطنين. والوطن أصبح مفهوما مجرّدا لا يتفق على مضمونه «الرعايا». من هنا نفهم أزمة الكيان التي تتحوّل إلى أزمة نظام بل إلى أزمة حكم بل إلى فراغ في المؤسسات بل إلى «مزرعة» بدلا من وطن.

أما الرديف الآخر للـ«دولة» بمفهومهم فهو «الديموقراطية». وبغض النظر عن الديمقراطية التي هي في رأينا نظام حكم، وليس قيمة قائمة بحدّ ذاتها تهدف على حد زعم مروّجيها إلى تحقيق سعادة الفرد والمجتمع. فبغض النظر عن السجال الذي لا بد أن يقوم حول ذلك المفهوم، نتساءل كيف يمكن تحقيق «الديموقراطية» في كنف النظام الطائفي المذهبي الفئوي وفي ظل اقتصاد ريعي؟ فالفئوية بكافة أشكالها والإقتصاد الريعي بكافة تداعياته الثقافية يتنافى مع «الديمقراطية». فالولاء هو للفئة ولزعيم الفئة وليس للدولة. كما أن كيان الفرد مذوّب في الفئة وليس لوجوده خارج الفئة أي قيمة. هذه من رواسب التاريخ والبيئة القاسية القائمة في منطقتنا التي تفرض على الفرد الالتحاق بالعشيرة أو القبيلة أو أي نوع من التجمّعات الإجتماعية للحماية وللبقاء. والفرد مدين بكل شيء لزعيم الطائفة، من لقمة العيش إلى التطبيب إلى التعليم. ورجل الأعمال لا يستطيع أن ينشط دون «الحماية» أو دون الإمتيازات التي يمنحها الزعيم أو دون «الخوّة» التي يجب أن يدفعها له بدلا من الضريبة المتوجبة للدولة. كيف يمكن ترويج ثقافة المساءلة والمحاسبة في ظل النظام الفئوي وطالما الإقتصاد سمته الريع الذي يتحكّم به الزعيم وشركاؤه في تقاسم غنائم السلطة؟ كيف يمكن بناء وطن طالما كان الخطاب السياسي مبنيا على ديمومة الطائفية والريعية وتحييد ثقافة المسائلة والمحاسبة؟ كيف يمكننا أن نتكلّم عن مكافحة الفساد طالما لا نقدم على مطالبة إسقاط الفئوية وعلى بناء إقتصاد منتج؟

لذلك ندعو كل من يتكلّم على «الدولة» أو «العبور» إليها أو على الديموقراطية التوقف والتأمل في المضامين وما يجب أن يحصل من تحوّلات في السلوك المجتمعي قبل «العبور». أما مسألة تغيير السلوك فهذا بحث آخر ومن «صلاحية» الثورة.

 

عن جريدة السفير 23/6/2011

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق