في مفهوم العفو

رغم قدم معاني “العفو” و”الصفح” و”الغفران” …والمصطلحات المرتبطة بها، من قبيل “الاعتذار” و”الاعتراف” و”الإقرار” و”التوبة”،…وذلك في الثقافة الإنسانية على اختلاف ميادينها، في الدين والقانون والسياسة والأدب والفلسفة، فإنّ طرح مسألة “العفو العامّ” على نطاق الإنسانية قاطبة لم يظهر إلاّ في القرن العشرين، مع ظهور مصطلح “الجرائم ضد الإنسانية” بعد الحرب العالمية الثانية. لأوّل مرة تنتصب الإنسانية بشكل قانوني لمحاسبة نفسها أو بعض أعضائها على نطاق كوني، وباسم نوع جديد تماما من العدالة. ولأوّل مرة يقْدم “النوع البشري” على إقامة محكمة عالمية لمقاضاة من أساؤوا إلى الشخص الإنساني بما هو كذلك، دون أيّ مكانة أخرى. ومنذئذ تحوّل “العفو” إلى تقنية أخلاقية تلجأ إليها الشعوب لتأمين انتقال مدني سلمي للسلطة، نحو مرحلة جديدة من التصالح بين أعضاء المجتمع الواحد. وهو يأتي عادة مخلوطا بأنواع من المحاسبة والمحاكمة تحت مسمّى العدالة الانتقالية.

– ولكن إلى أيّ مدى يحقّ لأي هيئة أو فرد محاسبة “المخطئين” أو “المجرمين” باسم “فكرة” الإنسانية، التي هي فكرة ثقافية من اختراع كانط وأنوار القرن الثامن الأوروبي؟ أليست هناك طريقة أخرى للتأريخ لمعنى الانتماء إلى النوع البشري لا تمرّ ضرورة بفكرة الإنسانية الأوروبية؟ ثمّ: من يحقّ له أن يعفو؟ وعمّن؟ ووفق أيّة صلاحية أخلاقية يمكننا أن نبرّر الصفح عن المجرمين؟ وهل يمكن أن يكون العفو حقّا؟ حقّا في الإنسانية نفسها؟
خليط من المعاني والمصطلحات يهاجم كلّ محاولة لتخريج مفهوم مناسب عن ثقافة العفو وآلياتها. – علينا أن نميّز عندئذ بين “الصفح” (الأخلاقي) و”الغفران” (الديني)، ما هو في استطاعة البشر، وما هو من اختصاص الآلهة. وحده الإله التوحيدي، مثلا، يحق له أن “يغفر” الذنوب والآثام والخطايا للبشر “المخطئين” أو “الخطّائين”؛ وهو لا يفعل ذلك إلاّ من أجل أنّه يوجد بالنسبة إليهم على فرضية أنّهم “مخلوقات” وأنّه “خالق”. ولكن ما إن نخرج من نطاق ثقافة التوحيد الإبراهيمي، وفكرة الغفران العمودية التي تصاحبها، وندخل في مساحة الإنسانية الشاسعة، أكانت وثنية أو علمانية أو، كما هو الحال الآن، “ما بعد علمانية” و”ما بعد دينية” معا، حتى ندخل في ثقافة “الصفح” وآداب “العفو” الأفقية تماما، والتي لا تتمّ إلاّ بين البشر المتساوين على صعيد البشرية وحدها.
إنّ أوكد ما يجعل الحاجة إلى ثقافة العفو مطلبا مدنيا للعيش معاً بين أعضاء “شعب” ما فهم أخيرا أنّه “كثرة” بشرية محكوم عليها بأن تؤلّف “جماعة” روحية لا خارج لها، هو ما سمّته حنّا أرندت “استحالة الرجوع إلى الوراء”: ما إن توجد كثرة بشرية أخذت في “العمل” حتى يحتاج كل “أنا” إلى “صفح الآخرين” عنه حتى يستمرّ. قالت: “لولا صفح الآخرين عنا، الذي به نتخلص من تبعات أعمالنا، لبدت قدرتنا على الفعل كما لو كانت حبيسة فعل واحد يلتصق بنا إلى الأبد، ولبقينا ضحايا عواقبه..”. ولكن لماذا؟ قالت: لأنّه “لولا التزامنا بالوفاء بالوعود، لكنّا عاجزين عن الحفاظ على هوياتنا”. أية علاقة بين الصفح والوعد؟ وخاصة: أية صلة وعديّة بين الصفح والهوية؟

تحتاج كل هوية إلى نوع ما من التصالح مع نفسها حتى تستمر. لكنّ ذلك لا يتمّ من دون بلورة نوع ما من “المستقبل” المناسب. المستقبل كشكل من الوعد. إلاّ أنّه من دون آخرين يأتون في أفقنا من أجل مساعدتنا على احتمال الريبة من أنفسنا القديمة، لن يتحقق أيّ نوع من الأمن الهووي، وخاصة الأمن على المستقبل. ولذلك تؤكّد أرندت على ما تسمّيه تسمية رشيقة بعبارة “ملكة الصفح”. لا يتحقق أيّ نوع من العمل المدني الذي يخلق الجماعة الحرة إلاّ استعمال مناسب لملكة الصفح. ولا يمكن تصوّر كثرة بشرية من دون صفح. قالت: “الخلاص الممكن من الوضعية التي يستحيل فيها الرجوع إلى الوراء…يتحقق عبر ملكة الصفح”.
بيد أنّه حذار من فهم الصفح بوصفه صفقة مع الخاسرين. بل القصد هو أنّه “لا يوجد من يستطيع الصفح عن نفسه”. وبالتالي نحن نحتاج إلى حضور الآخرين في مجالنا العمومي لتأكيد هذه الواقعة الأخلاقية والمدنية الكبرى: ” هوية الإنسان الذي يعد والإنسان الذي يفي بوعده”. حضور الغير هو الذي يجعل الصفح ممكنا. ومن ثم فالصفح مشكل هووي بامتياز.
ولذلك ليس من العجيب أنّ الدين هو أوّل من قدّم صياغة عامة عن الصفح. وتمّ ذلك حسب أرندت مع المسيح الناصري: هو الذي اكتشف الدور الذي يؤديه الصفح في أفق الإنسانية. ولكن هل يكفي أن نعيب على الصفح أصله الديني ونطرده خارج المنظور العلماني؟ تنبّهنا أرندت ضدّ هذه الصفويّة في غير موضعها. وتحاول الكشف عن الطابع الإنساني للصفح الذي أشار إليه يسوع الناصري باعتباره هو من نقل الصفح من نطاق الاحتكار الكهنوتي إلى أفق البشر، كنوع من الهدية الإلهية . ليس فقط لأنّ الله المسيحي لا يصفح عن بشر لا يصفح لبشر مثله، بل لأنّ الحرية غير ممكنة في أفق البشر من دون علاقة أخلاقية مع ما فعلوه من قبل. حرية من دون ماض أخلاقي أو ديني هي دعوة حمقاء بلا وعد. وذلك يعني من جهة غير مباشرة: أنّ البشر لا يمكنهم الصفح عمّا يتجاوز طبيعتهم البشرية، أي ما لا يمكن لهم أن ينزلوا به العقاب. قالت: “إنّهم غير قادرين عن الصفح عمّا لا يستطيعون معاقبته”.
ولا تجد أرندت أفضل دليل على ثقافة الصفح من عاطفة الحبّ: “الحبّ وحده يستطيع الصفح”. إلاّ أنّه حبّ لا يكاد يميّز نفسه عن “الصداقة المدنية” (philia politiké ) التي رآها اليونان، ولا هو غريب عن المفهوم الحديث للاحترام كما ضبطه كانط : “إنّه تقدير للشخص من خلال المسافة التي يضعها العالم بيننا”.
ليس ثمّة عفو إلاّ عن إنسان آخر. ولذلك فإنّ تطوير مفهوم مناسب عن “الآخر” هو شرط التفكير في معنى كونيّ للصفح. ليس أيّ آخر هو موضوع عفو : بل الآخر الذي أساء إلينا، ليس فقط بالإساءة إلى حرمة الجسد التي تخصّنا، بل إلى تصوّر معيّن لهويتنا أو لأنفسنا. آلام الجسد البشري جزء من هويته. وكلّ ما يدخل في قصّة أنفسنا هو جزء منها. وبالتالي هو عرضة للإساءة. لا يكون عفو غلاّ عن إساءة. لا يمكن أن نزعم أنّنا نعفو عن هدية أو عن شكل من السعادة أو من المحبة.
ولأنّ مصدر السؤال عن معنى العفو وعن ضرورته هو الألم البشري، وليس أيّ شيء آخر، فإنّ ما يسبق العفو هو دائما ثقافة الثأر السحيقة القدم. كلّ ثأر هو انفعال حزين نجح في الاستقرار في القلب الإنساني وحوّله إلى مرجل للكراهية. لا يعني ذلك أنّ الثأر هو نفسه خطأ أو إساءة للإنسانية. بل أنّه طريقة غير مناسبة لمساعدة الإنسانية على الخروج من الحاجة إلى الإساءة كشكل من التواصل. قد يبدو أنّ من يعفو هو شخص تخلّى عن نفسه أو عن حقّه في الثأر. ومن ثمّ أنّه قد قبل بالإساءة، مثل أيّ حيوان خائف أو جبان أو مهزوم. لكنّ ثقافة العفو تشير إلى شيء آخر.
لا يتعلق الأمر بالقبول بالإساءة، بل بأنّنا عرضة للإساءة على نحو جذريّ. وبعامّة هو قبول بهشاشة الكيان الإنساني، ومن ثمّ بالطبيعة البشرية بما هي كذلك. – لا أحد من الذين أخذوا بالثأر يمكنه أن يزعم أنّه حقّق العدالة المنشودة من كلّ عملية ثأر: يظلّ الثأر رغبة في عدالة مستحيلة. وربما لذلك تبدو كلّ رغبة في تحقيق العدالة، رغم وجاهتها، انفعالا ثأريّا حزينا.
هل طلب الإنسان شيئا لا يمكن لطبيعته البشرية أن تحققه؟ هل العدالة مستحيل أخلاقيّ في أفق الكائن البشريّ؟ ولذلك هو يلجأ إلى ثقافة العفو والصفح، كما لجأ سابقا، إلى ثقافة الغفران؟
يبدو أنّ فشلا ما في جهازنا الأخلاقي ومن ثمّ في تقنيات السلطة وآليات القانون، التي طوّرها الإنسان إلى حدّ الآن، هو المسؤول عن تعثّر فكرة العدالة وعن اللجوء إلى ثقافة العفو. وعلينا أن نتساءل مؤقتا: هل اللجوء إلى ثقافة العفو هو نتيجة معقّدة لهشاشة فكرة العدل في أفقنا الأخلاقي والقانوني ؟
ما يثير في كلام الفلاسفة المعاصرين عن العفو، مثل يانكليفيتش ودريدا وريكور، بخاصة، هو التوق إلى بلورة مفهوم كلّيّ عن غفران يكون في أفق البشر، ومن ثمّ لا نكاد نميّز في كلامهم بين الغفران والصفح. لكنّ الكلّيّ في هذه الحالة قد جاء قاسيا جدّا ومتغطرسا أي بلا مضمون إنساني. ولذلك يلاحظ عالم اجتماع مثل إدغار موران أنّ دريدا مثلا، حين يتكلّم عن عفو محض ولامشروط ويبلغ إلى حدّ الصفح عمّا لا يمكن الصفح عنه، قد فصل العفو عن سياقاته أو خلفياته التاريخية، والحال أنّ ” الصفح مقاومة لبشاعة العالم”.
لكنّ ما تسأل عنه الفلسفة ليس شيئا مفصولا عن الواقع إلى هذا الحدّ: إذ لا يتعلّق الأمر بالبحث عن صفح كلّيّ يطال الجميع، بل بالسؤال عن مفهوم كلّيّ للصفح، بفضله يصبح التفكير في جملة إشكالية الصفح أمرا ممكنا.
وما حاوله دريدا في ندواته الأخيرة عن العفو ليس بلورة عفو مجرّد وبلا مرجع، بل إضاءة طريفة عن إقبال الإنسانية بعد الحرب على طلب الصفح تحت عنوان غير مسبوق: محاكمة دولية للمسيئين باسم مفهوم للعفو يزعم أنّه كونيّ، والحال أنّ هذا المفهوم عن العفو هو من أصل إبراهيميّ، ولا يخصّ الإنسانية بما هي كذلك. كيف نطالب شعوب الشرق الأقصى، مثل اليابان أو كوريا، بالدخول في ثقافة الغفران التوحيدية؟ أيّة وجاهة كونية لمثل هذا الموقف الأخلاقيّ؟ كيف يمكننا أن نقفز ما وراء نطاق الدولة الأمة الحديثة والبحث عن نوع من الغفران الذي لا يمكن أبدا أن يخلو من رواسب دينية؟ ما تمّ باسم الدولة الحديثة أصبح شيئا لا يمكن تحمّله أو تجاوزه إلاّ بتنشيط ذاكرة غفرانية توحيدية فرضت نفسها على الإنسانية الحديثة فرضًا.
وسوف ندين لدريدا طويلا بهذا التنبيه الفلسفيّ من ظاهرة “العفو الكبير والمشهد الضخم للتوبة” الذي انتصب في أفق الإنسانية المعاصرة كردّ أخلاقيّ واسع النطاق على “الجرائم ضدّ الإنسانية”. وبعبارة دقيقة: ثمّة ما يسمّيه دريدا “عولمة العفو” وهو أمر يشبه “مشهدا ضخماً للاعتراف” المسيحي.
ما يخيف الفلاسفة هو هذا التنشيط غير الواعي للاهوت توحيدي في الغفران لا أحد يمكنه الزعم بأنّه يسيطر على نتائجه السياسية على الإنسانية، ولاسيما إذا تمّت عولمته.
في هذا السياق بالذات يعلن دريدا أنّ الصفح متى كان في خدمة غائية معيّنة فهو ليس صفحا خالصا. لا يهدف الصفح إلى أيّ شيء، ولو كان علاج الإنسانية أو نحوا من “إيكولوجيا الذاكرة”. قال: “عليه أن يظلّ استثنائيا وخارقا، في احتكاك مع المستحيل”.
يعني المستحيل هنا معنى بعينه: هو “ما لا يقبل الصفح”. وأطروحة دريدا المركزية والطريفة، والتي هي استئناف عال لبعض تردّدات يانكلفيتش: لا يكون الصفح صفحا خالصا إلاّ حين يكون صفحا عمّا لا يقبل الصفح. وبهذه الشجاعة الفلسفية على المضيّ قدماً نحو بلورة مفهوم لامشروط للصفح ينفصل دريدا عن موقف يانكلفيتش الذي تعثّر وانحسر في الدفاع عن الدعوى القائلة بأنّ الجرائم ضدّ الإنسانية “لا تقبل التقادم”. في لحظة من الوهن الأخلاقيّ تخلّى يانكلفيتش عن شجاعته الفلسفية والحال أنّ شأن الفلسفة مع الصفح كما ضبطه دريدا هو أن تتوق من نفسها إلى الدفاع عن صفح بلا شروط وخالص من أيّ واجب سابق أو غائية غريبة عنه. ويبدو أنّ لبّ المشكل هنا هو التالي: كيف نحرّر العفو الحقوقي من ثقافة الغفران الدينية؟ – هو عفوٌ حقوقيّ وليس قانونيا. لا يمكن سنّ قانون يرغم الناس على الصفح عمّن أساء إليهم. لكنّ الثقافة المدنية بإمكانها أن تدرّب شعبا من الشعوب على مسامحة نفسه من الداخل. والقصد هو حسب دريدا العمل على فصل المذنب عمّا اقترفت يداه: الصفح عن المذنب ولكن إدانة الإساءة.
ويبدو أنّ ريكور، ومحاولته تخريج إشكالية الصفح هي آخر محاولة فلسفية كبيرة يُعتدّ بها في أفق الغرب،- لم يجد بدّا من موافقة دريدا على أطروحته: إنّ الصفح الحقيقي هو لا مشروط أو لا يكون، وبالتالي يتعلق بما لا يمكن الصفح عنه بما كذلك. لكنّ مقصد ريكور السرّي هو تدارك النقاش المعاصر عن الصفح، والذي سيطر فيه المفكّرون اليهود (يانكلفيتش، دريدا،..)، وذلك بالعمل التأويليّ على نقل مشكل الصفح من نطاق الآخرية وقضية المسؤولية المنجرّة عنها منذ ليفناس بخاصة، إلى أفق السؤال عن الهوية وخاصة في “قلب الإنّية” (ipséité): ورغم أنّ ريكور قد نشّط الصلة بين “الصفح” و”الهبة” أو “العطاء”، وهي صلة متاحة في عديد اللغات (don-pardon, givt-forgiving, Geben-Vergeben) ومنها العربية،- إلاّ أنّه سرعان ما عاد إلى قراءة الصفح-الهبة في ضوء الترسانة العقدية المسيحية، القائمة على فكرة التوبة أو الندم ودورها الرئيسي في تشكيل معنى الذات. وبالتالي فإنّ ريكور ينتهي إلى الدعوة إلى نوع من النسيان الذي يجعل بناء “ذاكرة سعيدة” أمرا ممكنا، وذلك من دون الطمع في إقامة مؤسسات رسمية للعفو قائمة على الاتهام العمومي، لأنّ المحاولات المعاصرة لمأسسة العفو وأشكال الصفح تنمّ عن مفارقات عجيبة بين الصفح والوعد. والكلمة الأولى والأخيرة لريكور هي: “العفو العسير”(le pardon difficile). لا يزال الصفح مشكلا عسيرا في أفق المعاصرين.

بقي علينا أن نسأل: ما هو نوع المساهمة التي يمكن لثقافتنا العربية الإسلامية أن تشارك بها في النقاش العالمي (ولا نقول الكونيّ) حول مسألة العفو أو الصفح؟ أليس لها أيّة ميزة خاصة في بلورة مفهوم العفو؟
في نطاق الدين التوحيديّ بعامّة، كان العفو مرادفا للغفران: كان تجاوزا عن الذنب وتركا للعقاب عليه تكرّماً أو صدقةً. كان العفو “طمسا ومحوا” لذنوب المسيء طمعاً في جزاء من نوع آخر. كان الغفران قائما على عائلة الصفح التالية: العفو عن الذنب، أي محوه، والعافية من السقم، أي الشفاء منه، والمعافاة عن الناس، أي الاستغناء عنهم. وكلّ ذلك تحت عنوان الله، “العفوّ” الأكبر.
بيد أنّه علينا أن نعلم أنّ العفو في مصادرنا القديمة لم يكن مفهوما عقديّا مغلقا على مسألة الذنوب. بل كان يشير أيضا إلى معنى سياسيّ طريف تماما: هو أن تُقبل الدية عن القتل العمد. وخاصة بناءً على افتراض خطير تماما هو أنّ هذه خاصية تتميّز بها “هذه الأمّة” عن سائر الأمم. ويُقدّم ذلك على أنّه “عفو من الله وفضل منه” أي شيء وهبه الله الإسلاميّ للمؤمنين به دون غيرهم.
ما تتميّز به تجربة الإسلام مع العفو إذن هو إدخال مفهوم الاختيار في أخطر طرح لمسألة العفو في جميع الثقافات، ونعني خاصة العفو عن القتل العمد، ولاسيّما تأويل هذا العفو باعتباره شيئا تُرك لنا تكرّماً من الإله نفسه.- ثمّة إذن أدب للعفو يمكن أن يضع لاهوت الثأر جانبا، ويفتح الطريق واسعا نحو ثقافة الصفح كتقنية شرعية للإبقاء على الإنسانية في شخص المسيء. إنّه العفو عن الحياة بما هي كذلك. والعقل الإسلامي كان واعيا تماما بأنّه يضيف شيئا غير مسبوق إلى الفهم التوحيدي للعفو عن الإنسان: إنّه إمكانية تعليق حكم القصاص استجابة إلى أدب من آداب الإله التوحيدي نفسه: أدب العفو كضرب مخصوص من “الفضل”، والعرب كانت تأخذ الفضل مباشرة في معنى : عفا فلان لفلان بماله إذا أفضل له، والإفضال هو إعطاء المرء ما لا يجب عليه. وقضية الحال: إعطاء الحياة كهبة تتجاوز صفة الواجب إلى فهم “الوجود” البشري بوصفه في ماهيته العميقة ضربا من “الجود”. قال ابن عربي: “لولا الجود لما كان الوجود” !
العفو نوع من العطاء الذي لا يجب علينا. ومن ثمّ هو في نواته الخاصة حالة كرم استثنائية مبرّرها الأكبر هو التخلّق بأخلاق بالإله بقدر طاقة الإنسان. أن نعفو هو أن نترك للغير حقّا ليس علينا تركه. ورغم ذلك نحن نتركه تفضّلا.
في هذا المقام تحديدا يمكننا أن نقرأ الحديث الرائع: “اذهبوا فأنتم الطلقاء!”. نعني العفو التاريخي عن أهل مكة بعد فتحها. ورغم أنّ العفو تقنية سياسية فظيعة هنا إلاّ أنّ إنجازها بذلك الشكل الدقيق من الحبكة في اللحظة التاريخية تلك كان بحدّ ذاته مراجعة عميقة لفكرة الغفران التوحيدية. لقد كان عفوا سياسيا بامتياز. إلاّ أنّه كان أيضا عفوا نقل مشكل الغفران من مساحة الضمير المسيحية إلى أفق التاريخ الكلي للجماعة المدنية المنشودة تحت فكرة الإسلام. وحده عفو عموميّ حرّ ولا مشروط يمكنه أن يفتح الباب أمام تكوين جماعة من المواطنين الأحرار، ولو كان ذلك باسم الدين في ذلك العصر.
ما يثير في هذا التخريج لمعنى العفو هو كونه لا يعوّل على فكرة القانون الأخلاقي أو المدني من أجل إقامة طقوس للعفو العامّ. ولذلك لا مجال لتنصيب لاهوت في العفو تكون له صلاحية أمرية أو زجرية. ليس العفو حكماً عقديّا بل هو أدب أو لا يكون.
وهناك مثال يذكره القرآن هو تجسيد طريف لمعنى العفو المقصود: يمكن للمرأة التي طلّقها زوجها دون الدخول بها أن تعفو له عن نصف المهر، كما يمكن أن يعفو الذي بيده عقدة النكاح، بأن يتمّم لها المهر كلّه. عفو المرأة هو أن تعفو عن النصف الواجب لها فتتركه للزوج، أو يعفو الزوج بالنصف فيعطيها الكلّ. – العفو هنا موقف شخصيّ وسكوك إتيقيّ حميم وليس قضية فقهية لها أحكامها. كذلك ليس للعفو حدّ كمّي: العفو عن النصف مثل إعطاء الكلّ هو هو. إنّه “معروف” أي أدب سيرة وليس تجارة. لكنّ ميزة العفو الخفية هنا هو كونه عفوا بلا مسألة ولا كلفة ولا مزاحمة. ومن ثمّ هو عفو غير مشروط بأيّ تجربة توبة أو شعائر ندم مخصوصة. – ويبدو لنا أنّ النقاش المعاصر عن آداب الصفح لم تضف جديداً لعناصر المسألة كما طوّرتها تجارب العفو في الإسلام الكلاسيكي. بل ربما ثمّة تراجع عنها، لاسيّما عندما يتمّ تنشيط التراث اليهودي عن الغفران تحت راية الآخرية المطلقة، أو تنشيط التراث المسيحي عن الغفران تحت عنوان التوبة كتجربة تشكيل ذاتي للضمير الذي لا يبحث إلاّ عن ذاكرة مريحة. في حين أنّ تحقق في أفق الإسلام الكلاسيكي هو رسم آداب صفح حرة ولا مشروطة، هي أقرب إلى الأدب الأرستقراطي للعفو عند العرب القدامى منها إلى أيّة عقيدة توحيدية في الغفران.
– بقي أن نسأل: ما الذي جعل الثورات العربية “ما بعد الحديثة” (ما بعد القومية) تنقلب فجأة في جوفها الأخلاقي إلى محاكم غفران حزينة؟ لقد تكرّر نفس ما وقع للإنسانية بعد الحرب العالمية الثانية: نصب محاكمات ضدّ جرائم الإنسانية ما فتئت أن انقلبت إلى خطابات محمومة في آداب الصفح والغفران. ولا يخلو أيّ خطاب عن الغفران أو عن العفو من إساءة إلى الضحايا، إساءة فتح باب النسيان عليهم.
ولكن: أليست هناك طريقة مناسبة للتحلّي بآداب العفو، وخاصة في معنى العبارة القرآنية الرائعة: “الصفح الجميل” ؟ ألا يوجد مكان للصفح الجميل بين الفرقاء؟ وخاصة بين أعضاء شعب يزعم أنّه واحد أو يؤلف جماعة واحدة ؟ – الصفح الجميل هو ذاك الذي يطال منطقة من العفو لا يمكن لأيّ صفح مشروط أن يبلغها. لا يحتاج الصفح الجميل توبة ولا ندما ولا إلى خجل في وجه المذنب حتى يصبح ممكنا. إنّه ممكن بل لازم باسم أدب آخر تماما، لا علاقة له بأيّ ضرب من التفاوض الثأري عن الاعتراف. ثمّة وعد كبير هو الذي يجعل الصفح الجميل ممكنا. وقد ندين للإسلام بخطوة عملاقة على الطريق نحو هذا الصفح الجميل: إنّه الوعد بعالم آخر. لكنّ فكرة “العالم الآخر” الرشيقة قد سقطت تحت براثن الفقهاء وعبدة الطاغوت وانقلبت إلى مجرّد “آخرة” بلا أيّ وعود بشرية. وعندئذ فقدت فكرة الصفح الجميل تسويغها المتعالي. لا يكون الصفح جميلا طالما هو يشترط توبة المسيء أو يشترط تحقيق نوع ما من الثأر أو المحاسبة أو العدالة،…إنّ الصفح الجميل خطوة خارج نطاق الآخرية الحزينة التي ربطتنا بالمجرمين والمسيئين. وليس ذلك بسنّ أيّ قانون للعدالة الانتقالية. بل بمساعدة الشعوب على الانتقال إلى “مستقبل” آخر، وذلك بتحريرهم من عقلية المحاسبة “الأخروية”. ولا يتمّ ذلك إلاّ بتوسيع مفهوم المسؤولية عمّا وقع، وتوزيعه بإنصاف ما على أعضاء الجماعة الأخلاقية التي ننتمي إليها. فقد يبدو المستبدّ فردا، وفي الحقيقة هو كان جهازا أخلاقيا عميقا لأنفسنا. ولذلك فالعفو لا يتعلّق بفرد أبدا، بل بطبقة أخلاقية من طبقات أنفسنا، من العسير جدّا أن نصفّي علاقتنا بها من خلال سنّ القوانين ولو كانت قوانين العدالة الانتقالية.
قال دريدا سنة 1999: “نحن جميعا، على الأقل، ورثة أشخاص أو أحداث مطبوعة، بصورة جوهرية، داخلية، بجرائم ضد الإنسانية”. وقال سارتر سنة 1943: “أنا مسئول عن الحرب مسؤولية عميقة كما لو أنّني أنا الذي أعلنتها”.
هذا النوع من الإضاءة حقيق به أن يوسّع من مجال المسؤولية عن الذنب بعامّة في أفق شعب ما، وأن يساعده على تبيّن الرهان السقيم الذي يتوارى داخل كلّ نقاش رسميّ عن العفو: أنّ كلّ خطاب في العفو أو الصفح يخفي ضربا معيّنا من الكبرياء.
قال كانط: “أمّا دين محمّد فهو يتميّز بالكبرياء، إذ بدلا من المعجزات، هو قد وجد التأييد الخاص بإيمانه في الانتصارات وفي قهر الشعوب الأخرى، وطقوس عبادته كلها من نوع شجاع”.
هل نحتاج اليوم هذا النوع من الكبرياء؟ وكيف يمكن أن نجمع بين خلق الكبرياء وأدب العفو؟
لا يمكن للمسلم الأخير، نمط الانتماء الذي هو نحن تحت عناوين مختلفة، أن يعتنق ثقافة الصفح والعفو المدنيّ إلاّ إذا نجح أوّلا في العفو عن نفسه: إنّ الصفح عن الذات هو أرقى وأوكد أشكال العفو. وهو شرط متعالٍ لكلّ نوع آخر من الصفح في أفق البشر. على المسلم أن ينجح في العفو عن نفسه في معنى أنّ عليه قبل كلّ واجب أخلاقيّ أو دينيّ آخر، أن يعفو عن كلّ إمكانيات الخطأ أو الذنب التي تحملها ثقافته العميقة وتنطوي عليها مصادر ذاته، ونعني بذلك كلّ الجرائم التي تمّت باسم تاريخه أو قيمه العميقة أو أحلامه القومية أو أصوله العقدية.
لن نبدأ أبدا في بلورة مفهوم مناسب للصفح وممارسته في أفق معاركنا الحالية إلاّ متى نجحنا أوّلا في الصفح عن أنفسنا وذلك يعني نجحنا في القبول بأنفسنا الجديدة في هشاشتها الحديثة وعرضيّتها التاريخية وطرافتها الفجّة. لا يمكن معالجة مسألة الصفح عن الآخر من دون أن ننجح أوّلا في التصالح مع ذواتنا الجديدة، والقبول بها كشكل مشروع من الانتماء الأصيل لأنفسنا وكقاعدة محمودة للإجابة عن السؤال “من” نحن؟. ومن لا يقبل بنفسه كما هو، في صيرورته البريئة، لن يمكنه أبدا أن يصفح عن غيره. لأنّ الصفح عن هذا الغير هو في سرّه صفح عن الجماعة الأخلاقية التي ننتمي لها، وبالتالي صفح عن طبقة ما من طبقات أنفسنا.

إنّ العفو على الذات هو الذي يجعل ثقافة ما تتخلى عن أخلاق الكبرياء وتقبل أخيرا بآداب الصفح. فطالما يحتفظ شعب ما بآخر داخلي أو خارجي يمارس عليه آخرية حمقاء يقتات منها كل انفعالاته الكئيبة، هو لن ينجح أبدا في اعتناق ثقافة العفو والتحلي بها كأدب عمومي لمواطنيه. ولا يكون المواطن عفوّاً إلاّ إذا بدأ أولا بالفصل الاختياري بين خُلق الكبرياء، الذي تحتاج إليه كل ممارسة دعويّة، وأدب الصفح، الذي تقوم عليه كل حياة حرة.

{{ المراجع.}}
1- في القرآن، مثلا، كأحد مصادر أنفسنا القديمة، تأتي هذه المعاني في كرة واحدة: التغابن، 14. أو تتكرر الإشارة إلى العفو والصفح معاً (النور، 22؛ المائدة 13؛ البقرة، 109).
2- راجع: الإنجيل، متى 18: 35؛ مرقس 11: 25؛ متى 6: 14-15.
3 – راجع: القرآن، البقرة، 178.
4- راجع: القرآن، البقرة، 237.
5- وردت في: القرآن، الحجر، 85.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This