في مواجهة الثقافة العنصرية

غادرنا منذ أيّام المفكّر العراقيّ محسن مهدي عن واحد وثمانين عاماً، هو الذي ولد في كربلاء في العراق في 1926 ودرس في الجامعة الأميركيّة ببيروت في أواسط الأربعينيّات من القرن المنصرم، وأمضى عقوداً عديدة يعمل أستاذاً للفكر الإسلاميّ في جامعة هارفرد في الولايات المتحدة الأميركيّة، وعُرف، إلى جانب تحقيقه نصوصاً عديدة للفارابي، بدراسات عديدة وضعها بالعربيّة والإنجليزيّة، منها “فلسفة ابن خلدون في التاريخ” (لندن، 1957) و”فلسفة أرسطو عند الفارابي” (بيروت، 1961)، و”كتاب الفارابي في الأدبيّات” (بيروت، 1969) و”الاستشراق ودراسة الفلسفة الإسلاميّة” (أكسفورد، 1990).

عني محسن مهدي، كما أسلفنا في الإشارة إليه، عناية خاصّة بفكر أبي نصر الفارابي، المعروف بـ “المعلّم الثاني”، فحقّق العديد من نصوصه وقدّم لها بالعربيّة وترجم بعضها إلى الإنجليزيّة، وشرَحها باللغتين، ودرسها من منظور مقارن، واضعاً إيّاها بمواجهة كتابات فلسفيّة عربيّة وغربيّة قديمة وحديثة. ولعلّ الكتاب الذي يجمع في ترجمة فرنسية محاضراته التي ألقاها في معهد “العالم العربيّ” بباريس في 1991 ، والذي صدر في منشورات “فايار” الفرنسية تحت عنوان: “مدينة الفارابي الفاضلة – ولادة الفلسفة السياسية الإسلامية”(1)، لعلّ هذا الكتاب يقدّم خلاصة دقيقة ومركّزة للشاكلة التي بها كان مهدي يرى عمق تفكير الفارابي وراهنيّته.

من خلال الفارابي، وبالاستناد إليه دوماً، انطلق مهدي إلى دراسة المفكّرين الآخرين، شرقيّين كانوا أم غربيّين. وبالبحث عن نقاط التلاقي مع المعلّم الثاني أو الافتراق عنه، تبحّر في دراسة فكر إفلاطون وأرسطو وتوما الإكوينيّ ونصوص الإفلاطونية المحدثة والموسوعيّين الفرنسيّين وفكر الأنوار كلّه، وأعمال ابن رشد وابن خلدون وابن سينا وأبي بكر الرّازي وآخرين، دون أن ينسى الوقوف عند المعاصرين من أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمّد إقبال وطه حسين. وغالباً ما كان يمارس السبّاحة ضدّ التيّارات السّائدة ويعارض القناعات الرّاسخة. فبمواجهة القائلين برفض ابن خلدون للفلسفة، كان هو يرى في المؤرّخ التونسيّ “فيلسوفاً مخفيّاً”، أي صاحب فلسفة تُقرأ بين السّطور. وخلافاً لما هو مسكوت عنه، كان يرى أنّ ابن رشد يستلهم الفارابي وإن كان لا يُسميّه، ويالتالي فهناك طبقات من تفكير الفارابيّ منبثّة في الفكر الرّشديّ يكشف عنها الفكر المقارن والقراءة الدّؤوب.

هذا يخلص بنا إلى القول إنّ محسن مهدي كان مولَعاً بفكر الفارابيّ، يشدّه إليه شغف معرفيّ تحوّل إلى مرافقة طويلة الأمد وإلى بحث. كان هذا الولع ينبع من كون الفارابي أوّل من وظّف في الفكر الإسلامي، في القرن العاشر الميلاديّ، الفكر الأفلاطونيّ-الأرسطيّ، وأوّل من أدخل الفلسفة السياسيّة إلى الثقافة العربية-الإسلامية. في هذا الفكر وفي هذه الفلسفة، وجد الفارابي الإجابة الناجعة الوحيدة على التحديّات التي تطرحها الأديان التنزيليّة أو ديانات الوحي على الفلسفة وعلى نظريات القضاء والحُكم. وليفرض اختياره هذا، كان عليه أن يجابه سيادة الإفلاطونية المحدثة، سيادة قادت الفكر إلى ممارسات إشراقيّة وصوفيّة لا تتقدّم باعتبارها كذلك، وإلى عرفانية بعيدة عن الفكر البرهانيّ والمعالجة الفلسفية العقلانية. من دون الرّجوع إلى هذا السياق التاريخيّ والثقافيّ الذي قام فيه الفارابي بمبادرته الرّائدة يصعب – هذا ما أبان عنه محسن مهدي بقوّة – تقدير فكر الفارابي حقّ قدره. وإذا ما رجعنا إلى محاضرات محسن مهدي السّابقة الذّكر في ترجمتها الفرنسية وجدنا أنّه لا يكتفي بدراسة السياق الذي نشأ فيه فكر الفارابي، عبر عمله الأساس “المدينة الفاضلة” بخاصّة، بل يشمل بالبحث السياق اللاحق الذي ساهم المعلّم الثاني في صنعه، سواء داخل الفكر الإسلاميّ أو الفكر اليهوديّ، عبر الأندلسيّ ابن ميمون (القرن الثاني عشر الميلاديّ) أو المسيحيّ توما الإكوينيّ (لقرن الثالث عشر الميلاديّ).

جاء الفارابي كما يشرح محسن مهدي فعله الفسلفيّ ليُنهي التجاهل الذي كان الفلاسفة المسلمون يبدونه للحياة العامّة، ولمزجهم بين الجماعة الدينيّة أو المؤمنة والجماعة السياسيّة، ولإرجائهم البتّ في مسألة النّظام السياسيّ أو نمط الحُكم الأمثل. هكذا كان عليه أن يقرّب الفلسفة السياسية من الإسلام وأن يسبغ على الفكر الإسلاميّ طابعاً سياسيّاً. وكان عليه من أجل ذلك أن يعود إلى فكر أفلاطون وأرسطو، وأن يُظهر إلى العيان أفلاطون السياسيّ المطموس يومذاك في الغرب نفسه، راجعاً لا إلى كتاب “الجمهورية” المعروف بل إلى محاورة “القوانين”. وبالمواءمة أو التقريب بين التفكير اليونانيّ القديم وواقع الأمّة الإسلاميّة قدّم الفارابي مقترحه الأساسيّ في مسألة الحُكم: الفيلسوف الحاكم أو النبيّ الفيلسوف هو في رأيه الأكثر اقتداراً على إدارة الأمّة بمقتضى روح العدل. لكنّ لمّا كان من النّادر أن يجتمع النبيّ الفيلسوف والفيلسوف الحاكم في شخص بذاته، فإنّ العمل بمقتضى تشريع واضح ودقيق وشامل يظلّ هو الأمثل. إلى هذه الرّوح القانونيّة، يحمل الحاكم الأمثل صفة القائد العادل الذي لا يستجيب إلى نداء الحرب إلاّ عن ضرورة. وهنا أيضاً، قام الفارابي بزحزحة أساسيّة إذ اجتذب مفهوم الجهاد كحرب مقدّسة إلى مفهومه لحرب ضروريّة وعادلة.

بالمقارنة مع فكر الفارابي، وبالاهتداء به في كلّ مرّة، قدّم مهدي بالإنكليزيّة قراءات عديدة لمفكّرين آخرين، قدامى ومعاصرين. شأنه شأن مفكّرين علمانيّين عديدين، أبدى المفكّر العراقيّ غير مرّة استغرابه من موقفَين متطرّفين ومتساوقين في تطرّفهما. الأوّل لا ينظر إلى العالَم إلاّ من منظور الدّين، والثاني لا ينظر إليه إلاّ من منظور العِلم أو المعرفة. الموقف الأوّل هو منبع جميع الأصوليّات المعروفة، ويقود إلى ما ذكرناه من نسيان للشأن السّياسيّ. وحتّى عندما ينادي أصحاب هذا الموقف بشعارات سياسيّة أو يعمدون إلى اختراق المجال السياسيّ بصورة لافتة أو صاخبة، فهم لا يفعلون في الحقيقة سوى أن يختزلوا السياسيّ إلى الدينيّ، عامدين إلى المطابقة القسريّة بين الجماعتين الدينيّة والسياسيّة. والموقف الثاني يتنكّر لصبوات الأفراد ولحاجات بعضهم الروّحية أو المعتقديّة، فيمارس بدوره إرهاباً أو يُحدث التباسات متساوقة مع هذه التي تنجم عن الموقف الأوّل. ويجد مهدي مثال هذا المنحى في فكر الموسوعيين الفرنسيّين، الذين كانوا يصدرون عن إمكان فرض العقلانية على كافة مناحي الحياة الإنسانيّة ويرون المعرفة العلمية كفيلة بالإجابة على جميع أسئلة الإنسان. وبصورة شديدة الدّلالة يتوقّف مهدي عند رسالة فولتير الشهيرة إلى دولامبير، التي يتساءل فيها كالآتي: إذا كان المسيح وحواريّوه الإثنا عشر قد أحدثوا انقلاباً في الفكر البشريّ، أفلن يكون ممكناً لستّة مفكّرين متنوّرين (مؤلّفي الموسوعة) أن يحدثوا الانقلاب نفسه؟ (2). هكذا، تحاكي أغلب الحركات الفكريّة السّاعية إلى التغيير الشّامل منطق الدّين وتسقط في أواليّاته حيثما تعمل هي للخروج عليه وتنادي بإمكان إزالته.

بحثَ مهدي في الفكر الإسلاميّ القديم والحديث عن نماذج تجسّد هذين الموقفين عبر تنويعاتهما المتعدّدة. فتحتَ قناع التوفيق بين الدّين والعلم، عمل البعض على تغليب سطوة الدّين على سواه، وعمل بعض آخر بالمنطق المعاكس تماماً. من ممثّلي التيّار الأوّل الإمام الغزالي الذي استعرض في “المنقذ من الضلال” العلوم الدينية وغيرالدينية، و”ابتدع طريقة لإدماج الفلسفة والعلوم في سياق علوم الدين، وذلك من خلال وجهة نظر ليست فلسفية تماماً ولاعلمية حقّاً” (3). بالتضادّ مع هذا الموقف تجد من يرون في الدّين مجرّد وهم وخداعويعتقدون بأنّ بإمكان الفرد أن يعيش بصورة أفضل بدونه. وبين أشهر القائلينبهذا المذهب العالِم الفيزيائيّ أبو بكر الرازي، ومن قبله السرخسيّ الذي كان أحد تلاميذ الكندي، وآخرون. هؤلاء ما كان في مقدورهم، في نظر مهدي، النّجاح لأنّهم لم يكونوا فلاسفة حقّاً، بل هم أشبه ما يكونون بمَن يُدعون اليومَ “مفكّرينراديكاليّين”.

خلافاً لهذين التيّارين،نجد تقليداً سعى إلى الانطلاق من العلم، وحاول التوفيق بينه وبين الدين بقدرالمستطاع، ومن دون التخلّي عن ثوابت العلم. هنا يصبح الدّين موضوع دراسة، بل موضوع علممحدَّد. ففي كتابه “إحصاء العلوم”، قسّم الفارابي العلوم إلى اللّغة والمنطقوالرياضيّات والفيزياء وما وراء الطبيعة وعلم السياسة أو الفلسفةالسياسية. هنا “يجد الدين مكانته داخلوجهة نظر علمية كونيّة. فالدّين والعلوم الدينية تُفهم ويُحكم عليها على أساس تفسيرفلسفيّ أو علمي للوحي والنبوّة وعلى أساس وظيفة العلوم الدينية بما في ذلك علماللاهوت، ضمن الجماعة الدينيّة”. ويتبنى ابن رشد الموقف نفسه عندما يسأل الغزالي ما هي في نظره النقاط الأساسية للخلاف بين الفلسفة أو العلم من جهة والدّين من جهة أخرى،ويرى “أنّ القضية برمتهاتقوم على سوء فهم، بل لا توجد هنا قضيّة على الإطلاق. ولذلك قرّر أن يرمي بها خارج المحكمة، وأعلن إضافة إلى ذلك أنّ الغزاليقد أضرّ بالدّين وبالعلوم بخلطه بين الأمور”.

في الفكر إلاسلاميّ الحديث، لاحظ محسن مهدي تناحراً مشابهاً بين مواقف متماثلة في تطرّفها. فهناك تيّار يرى أنّ العلم الغربيّ هو علم عربيّ أو علم إسلاميّتمّ تطويره والإضافة إليه، وعليه فبالإمكان تداوله مرّة أخرى بحريّة دون خشية أيّةإشكاليات جديّة. وتيّار آخر يقترح أن العالم العربيّ هو جزء من الغرب وعليه فلن يكون هناك مشكل في تبنّي العلوم الحديثة. التّيار الأوّل، الذي يجد أبرز ممثّليه في جمال الدّين الأفغانيّ ومحمّد عبده وتلميذه رشيد رضا يُلقي على العلم نظرة نفعيّة أو استعماليّة ويغفل عن إشكالات صارخة تتعلّق بارتباط العلم بالإيديولوجيا ومجمل المنظومات السياسيّة والمعرفيّة. والتّيار الثاني، الذي يرى مهدي أبرز دعاته في الهنديّ محمّد إقبال والمصريّ طه حسين، يشي بافتتان بأورّبا يذهب أحياناً إلى حدّ الدّعوة إلى الذّوبان فيها.

لكنّ مهدي يلاحظ بالمقابل لدى المفكّرين العرب والمسلمين المعاصرين وعياً متزايداً بالإشكالات الأساسية للتخلّف والتبعيّة فيالعلاقة مع الغرب. ولقد أدّى هذا الوعي إلى إثارة أسئلة جادة فيما يتعلق بدور العلم الحديثفي المجتمعات المسلمة، كالسؤال المتعلق بدور العلم في الثقافة السياسيّة، وبالشّاكلة التي بها أصبحت العلوم والتقنية الحديثة أداة في أيدي الطغاة بدلاً من أن تدفع إلى الاحتكامإلى القانون. وهناك السؤال الأساسيّ عن خطر توليد هذه العلوم والتقنيات الحديثة نخباًتكنوقراطيّة متخصصة معزولة عن النظام التعليميّ العامّالذي يُصار إلى إهماله، وخاضعة لدوائر القرار السياسيّ.

إلى هذا المجهود الفلسفيّ المحض، ينبغي أن نضيف إسهامات محسن مهدي في ميدانَي اللّغة والأدب. هناك أوّلاً تحقيقه لعدد من مؤلّفات الفارابي في اللّغة والمنطق وتقديمه لها، وفي أوّلها “كتاب الحروف” (4)، و”كتاب الألفاظ المستعملة في المنطق” (5). وهنا أيضاً نلاحظ ارتباط اللّغة بالفلسفة لدى الفارابي كما لدى مهدي. فلمّا كانت صناعة النّحو تشتمل على أصناف الألفاظ والحروف، فإنّ معرفتها تُسعف “قوى النفس وقوى التّمييز والذّهن”. ولمّا كانت الألفاظ هي “الأقاويل التي بها يسهل الشّروع في صناعة المنطق” فإنّ لها مساساً مباشراً بـ”القوّة التي تفيدها صناعة المنطق، والكمال الذي يكسبه الإنسان بها وبتحديد هذه القوّة” (6).

على أنّ أهمّ إسهامات مهدي في هذا المجال تتمثّل في تحقيقه نسخة مجهولة لـ”ألف ليلة وليلة” أصدرها مسبوقة بدراسة ضافية وعميقة عن منشورات “بريل” الهولنديّة المعروفة بسلسة كتبها المخصّصة للدراسات العربيّة والإسلاميّة. تشمل هذه الطبعة ما يقرب من أربعمائة ليلة ولكنّ محقّقها اعتبرها كتاباً كاملاً نظراً لطبيعة الحكايات البنائيّة التي تسمح بتمديدها إلى ما لا نهاية، وباعتبار أنّ العدد “ألف ولية وليلة” يمكن تحميله بدلالة مجازيّة تفيد الكثرة وليس من الضروريّ التقيّد بدلالته الحرفيّة. ميزة هذه النّسخة تتمثّل في كونها محرَّرة بعربيّة عاميّة تجتمع فيها لهجات عديدة، وفي كونها سلمتْ من كلّ رقابة أو تنقيح أو تفصيح قسريّ لاحق. فمن المعروف أنّ طبعتَي بولاق الأولى والثانية للّيالي، اللتين تستند إليهما الطبعات المتداولة للعمل، قد تداولتهما أيدٍ عديدة عبثت بهما تنقيحاً وتهذيباً. وفي دراسته التمهيديّة يورد مهدي أقوالاً لوجوه هامّة من التراث العربيّ تعارض التّصحيح النحويّ واللفظيّ والأخلاقيّ للنصوص التي تتقصّد العاميّة والتحرّر الأخلاقيّ وتجد فيهما غايتهما الإبداعيّة. فها هو ابن قتيبة ينصح قارئ كتابه “عيون الأخبار” بألاّ يبدي امتعاضه إذا ما قابل وصفاً جنسياً أو إيروسيّاً، لأنّ ما يستحقّ الملامة ليس وصف أعضاء الجسد بل اغتياب النّاس وانتهاش كيانهم بالذمّ والنّميمة والسّعي. أمّا التّصحيح النحويّ فيمكن في اعتقاده أن يُذهِب ملوحة بعض الحكايات ويُفقدها متعتها. وها هو الشاعر الأندلسيّ العاميّ ابن قزمان يصرّح مزهوّاً بأنّه استلّ كلامه من النّحو استلال الحسام من غمده. وأخيراً، ها هو الشاعر صفيّ الدين الحلّي يقرّر أنّك تلفي في بعض الأحيان نفسك أمام نصوص تصبح فيها سلامة النّحو خطأً واستقامة النّطق عيباً. إلى هذه الآراء يمكن أن نضيف تنويه الجاحظ في “كتاب البخلاء” إلى كونه حافظ في كتابه على جميع أشكال اللحن والخطأ النحويّ والاستعمال العاميّ لأنّ تفصيحها وتهذيبها إنّما يُخرجانها من الوسط الذي انبثقتْ هي فيه.

وبالفعل فإنّ اللّغة التي بها تتخاطب شخوص الليالي كما أظهرها محسن مهدي إلى النّور تشمل لهجات لا يمكن فحسب عزوها إلى أمصار مختلفة، بل كذلك إلى فئات اجتماعيّة وأوساط مهنيّة متباينة. فالخادمات مثلاً لا يتكلّمن كسيّدات القصور، بل تراهنّ يؤنّثن الذّكر ويذكّرن الأنثى وتختلط لديهنّ الضمائر والأسماء بصورة عجيبة. وبانغراس صيَغ الكلام هذه بمنشئها الاجتماعيّ والطبقيّ تمنح هي في تضافرها العملَ عفويّة فائقة وتسبغ عليه طبيعة كرنفاليّة أو احتفاليّة وبوليفونيّة (تعددّية صوتيّة) ينبغي في اعتقادنا أن تأخذها الترجمات القادمة للّيالي بنظر الاعتبار، ما دام أصبح معروفاً لدى الجميع أنّ نبر الأصوات المتخاطبة في النصّ ومعجمها اللفظيّ وبناء عباراتها ودرجة قربها من سلامة النحو أو خرقها للقاعدة النحويّة تساهم إلى حدّ بعيد في صناعة المعنى وأثر المعنى، وتشكّل في الأوان نفسه مؤشّرات تاريخيّة واجتماعيّة-ثقافيّة بالغة الدّلالة على أصحابها.
كاظم جهاد

{{المصادر:}}

(1): أنظر: Musin Mahdi, La Cité vertueuse d’Al-Farabi – La Fondation de la philosophie politique en Islam, trad. de l’anglais par Fr. Zabbal, éd. Albin Michel, Paris, 2000.

(2): أنظر محسن مهدي، “المسالك والتحدّرات الترشيديّة-العقلانية في الإسلام”، ضمن المؤلّف الجماعيّ “المناهج والأعراف العقلانية في الإسلام”، هيّأه للنشر فرهاد دفتري، منشورات دار الساقي، بالاشتراك مع معهد الدراسات الإسماعيليّة، لندن، 2004، ص 83-112. (وقد نجدنا مضطرّين إلى الإشارة هنا ببالغ الأسف إلى الطابع الشائك وغير الدّقيق للترجمة العربيّة لهذا الكتاب. فما هو متعارَف على تسميته “الأفلاطونية المحدثة” ينقلب لدى المترجم إلى “الأفلاطونية الجديدة”، التي يُعزي المترجم تأسيسها إلى أفلاطون نفسه وليس إلى أفلوطين. و”جمهورية الآداب” La République des Lettres تصبح تحت يراعه “جمهورية الرّسائل”. كما يتكرّر لديه عشرات المرّات التعبير الغريب: “التحداريّة العقلانيّة”، ولأنّه لا يضع البتّة مقابلات أجنبية للمصطلحات الأساسيّة، فلا تدري هل المقصود نشأة الفكر العقلانيّ أم تحدّره الثقافيّ (جينيالوجيّته) أم شيء آخر. هذا إلى اعتياص العبارة وعسر فهم مراد المؤلّفين في مواضع عديدة. كان الأجدر بدار السّاقي، وهي دار جادّة ومهمّة، أن تبدي عناية أكثر بترجمة هذا الكتاب الذي يضمّ مقالات مجموعة من أهمّ علماء الشرق والغرب).

(3):أنظرMuhsin Mahdi, “Religious Belief and Scientific Belief” in The American Journal of Islamic Social Sciences, vol. 11: 2,1994. pp.245-259.. وقد صدرت الدراسة نفسها في ترجمة عربيّة قام بها أبو بكر با قادر، في مجلة “دراسات شرقية”، العدد المزدوج 23/24، باريس، 2005، ص 165-185. وإلى هذه الدّراسة تحيل الخلاصة التي نتقدّم بها في الفقرات التالية.

(4) أبو نصر الفارابي، “كتاب الحروف”، حقّقه وقدّم له محسن مهدي، دار المشرق، بيروت، ط 2 في 1999،

(5) أبو نصر الفارابي، “كتاب الألفاظ المستعملة في المنطق”، حقّقه وقدّم له محسن مهدي، دار المشرق، بيروت، ط 2 في 1986.

(6): من مقدّمة محسن مهدي لـ “”كتاب الألفاظ المستعملة في المنطق”، مصدر سبق ذكره.

(7): أنظر The Thousand and one Nights, From the Earliest Known Sources, Arabic Text Edited with Introduction by Muhsin Mahdi, éd. Brill, Leiden, 1984..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق