في نشأة الجدل العربي حول العلمانية (2)

كان فرح أنطون قد حدّد المكاسب التي تجنيها “الأمة” من الفصل بين السلطتين في ما يلي: الحرية الفكرية، المساواة بين المواطنين، تطوير أحوال المجتمع بما يلائم العصر، تحصيل أسباب القوة، تجاوز وهم الوحدة الدينية. ويمكن أن تختصر هذه المكاسب الخمسة في جملة واحدة: فتح المجال للجميع للمشاركة في الشأن العام. لكن ما هو العائق التاريخي أمام هذه المشاركة؟ ما هو العائق لتحقيق المساواة والتطور والوحدة؟ الجواب من وجهة نظر أنطون أن الدين أداة الاستبداد إذا قامت الدولة باسمه، والجواب عند عبده أن الدولة هي التي تصنع الاستبداد إذا تخلصت من المراقبة الأخلاقية للدين.
لعلنا نتساءل، هل نحن أمام موقفين متناقضين تماما؟ لننظر أوّلا في مستوى الشكل الاستدلالي. يربط أنطون بين الفكرة العلمانية والآية “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”. فيجيبه عبده إنه إذا كان الإنجيل قد فصل بين السلطتين بكلمة واحدة فالقرآن قد أطلق القيد من كل رأي بكلمتين لا كلمة واحدة: “لا إكراه في الدين” و”قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”.

يعلم أنطون أن الآية المذكورة في الإنجيل لم تحل دون سيطرة الكنيسة على العقول ألف سنة وأن الأطروحة العلمانية نشأت في أوروبا في صراع ضد الدين وضد الكنيسة. ويعلم عبده أن الآيتين المنتقاتين من القرآن يمكن لمن شاء معارضتهما بآيات أخرى. لكن أليس كلاهما يحاول أن يجد توافقا بين تراثه الثقافي ومستقبل “الأمة”؟ ألا يبدو عبده مستجيبا لدعوة رينان الأديان أن تلين وتسالم كي لا تحكم على نفسها بالانقراض؟ ألا يستجيب أنطون بدوره إلى نداء فكتور هيغو أن يحرّر الدين من رجاله؟ ألا يحاول كل منهما أن يخفف الطابع الدرامي لاصطدام الفكر الديني بمواقف الحداثة في تراثه الثقافي، فكلاهما من هذه الزاوية يتبنى موقفا شجاعا بالنظر إلى السائد؟ عبده كان يواجه مجتمع الفقهاء الذي لم يتخلّ قيد أنملة عن التشريعات القديمة المنافية لحريّة العقيدة والمتمسّكة بديانة الجهاد، وأنطون كان يرفض الطائفية التي تنغلق على الانتماء والهوية بتغليب العامل الديني.

أما على مستوى المضمون، فقد قال أنطون إن أساس المدنية الحديثة فصل السلطتين الروحية والزمنية، وقال عبده “ليس في الإسلام من سلطة دينية” (ص 57) ووجوب السلطان في الإسلام يعني وجوب تعيين حاكم وليس إقامة نظام سياسي بعينه، فالخليفة “حاكم مدني من جميع الوجوه”، ومثله القاضي. لكن عبده لا يحلّ أصل المشكلة: كيف يكون من شرط الخلافة الاجتهاد ولا يكون حكم الخليفة مصطبغا بالصبغة الدينية؟ وإذا كان الحاكم مدنيا ومنفذا للشرع في آن واحد أفلا يكون نظير ما تصورته الكنسية في العصر الوسيط عندما جعلت الحكم المدني آلة تنفيذ التعاليم الدينيّة؟

لقد خطا عبده خطوة باتجاه رفع القداسة عن السلطة السياسية في الإسلام، لكنّه توقف عند هذا الحدّ لأنه يخوض جدلا ولا يمارس تفكيرا، أو أنه باصطلاح القدامى يتحدث بالبيان دون البرهان. من هذا المنطلق يصحّ اعتبار “الإسلام وأصول الحكم” (1925) لعلي عبد الرازق تواصلا دون قصد وعن طريق الاستتباع لهذا الموقف، وعلامة تحوّل الفكر السياسي الإسلامي من أحكام الفقه التفصيلية إلى أحكام الأخلاق العامة. لكن ذلك لا ينفي أن عبده قد فاته إدراك الفارق الجوهري بين الوضعين القديم والحديث للدولة، فنجده يتساءل بسذاجة: ماذا يفيد الفصل بين السلطتين الدينية والمدنية إذا كان دين الملك يقضي عليه بأحكام معينة؟ لم يدرك أن السلطة الحديثة تقوم على التمييز بين شخص الحاكم والدولة ومؤسساتها، فتغدو المعتقدات الشخصية للحاكم قليلة الأثر في إدارة الشأن العام.

مع ذلك لا يعبّر موقفه عن نفي مبدأ الفصل بكل معانيه بل هو نظر إلى القضية من زاوية تاريخية بدل النظر إليها من زاوية مستقبلية. الفصل في رأيه قد يمنع الدين من التسلط لكنه سيسهل تسلط الساسة إذا خرجوا عن قيود الدين، وهذا في نظره جوهر الاستبداد. ذلك أن الاستبداد في التاريخ الإسلامي لم يكن في حاجة في الغالب إلى الدين كي يفصح عن وجهه الكريه، بل كثيرا ما كان الدين إما حدّا له أو ضحيّة من ضحاياه (لنتذكر مثلا أن ثلاثة من الأئمة الأربعة للمذاهب التي تتقاسم العالم السني قد نالهم اضطهاد الساسة، فضلا عن أئمة الشيعة). هذه وجهة نظر لا بد من الإقرار أنها تحمل الكثير من الصواب. فليست فكرة حصر التسلط في الدين إلا تعميما لا يصحّ في تاريخ أي دين، فكل الأديان استعملت أيضا أداة لرفع التسلط أو هي قابلة لذلك، في العصر الوسيط وفي العصر الحديث. كما أن التسلط قد مورس أيضا باسم المذاهب العلمانية حديثا. إلا أن الحداثة السياسية تقوم على المراهنة على الإنسان نفسه لا على الآلهة كي يحلّ المشكلة بواقعية، فما يمنع الحاكم الحديث من التسلط هي عوامل موضوعيّة مثل تحديد مدة حكمه وخضوعه لانتخابات دوريّة وتقييده بمؤسسات مستقلة تراقب قراراته، الخ. إن عبده الذي ينظر إلى القضية من التاريخ لا يمكن أن يشعر بالجدة التي تتضمنها فكرة كانت تنظر باتجاه المستقبل.

كان أنطون ينظر إلى التاريخ الإسلامي من خلال ابن رشد، وكان عبده ينظر إليه من خلال ابن حنبل. وكان أنطون ينظر إلى الغرب من خلال الجمهورية الثالثة في فرنسا من جهة كونها جمهورية العلمانيين، وكان عبده ينظر من نفس الناحية لكنه يراها جمهورية الاستعماريين. طريقة عبده في طرح المشكلة لا تخلو من منطق، ولو أنه عاش إلى العصر الأيديولوجي لذكر تسلط الجمهوريات الشيوعية والثورية حديثا أمثلة لتسلط دون دين. إلا أن ما فاته هو التصوّر الحديث للدولة، من جهة أنها توازن سلطات لمنع التسلط. وربما لم يقدّم أنطون بدوره نموذجا واضحا للدولة الحديثة. فهي في نظره مؤسسة متعالية اجتماعيا وأيديولوجيا ذات دور سالب يقتصر على احترام الحريات الفردية. هذا التعريف الليبرالي المتشدد ultra-liberal يعبّر عن مأزق الدولة الحديثة بصفتها ملتقى مصالح تحاول التخفي وراء الإجراءات الشكلية للحكم. يبدو أن أنطون لم يقرأ ماركس حتى تلك الفترة ليعيش هذا التساؤل.

إن الدولة الحديثة هي التي تنجح في توفير إطار سلمي لعملية اقتسام المصالح بين القوى الاجتماعية، فتتجنب الاستبداد والفوضى، وهما الشكلان الأعظم للعنف. لا مانع حينئذ أن يكون الدين عاملا إيجابيا في المجتمع إذا كان من جملة وظائفه، كما اقترح عبده، أن يكون سلطة أخلاقية مراقبة للدولة تساهم في منعها من التسلط. لكن السلطة المراقبة غير مشروع الدولة المضادة، ولا يتحقق ذلك المقترح إلا إذا تخلّى الدين عن أن يكون مشروع دولة، وإلا أصبح بدوره ذريعة للتسلط وآلة للاستبداد أو تحوّل طلبه الكمال إلى ذريعة لإحلال الفوضى. ثم إن احتكار طائفة معينة الحديث باسم الله والحقيقة هو أعلى أشكال العنف المسلط على العقول والمانع حق التفكير الفردي والتعبير الحر والمواطنة البناءة. ربما يكون عسيرا على الفكر الإصلاحي أن يقبل العلمانية بعد أن اختلطت عنده بالسياسة اللادينية، لكنه مهيأ أن يقبل مبدأ الحضور الأدنى للدين، أي أن يدافع عن قيم أخلاقية عامّة دون الأحكام الفقهية التفصيلية، أن ينشد دولة الأخلاق لا نظام رجال الدين، أن يساهم في رسم المشتركات والمبادئ الجامعة لا أن يكون طرفا في الإدارة التقنية للمجتمع والمنافسات المباشرة للقوى الاجتماعية من أجل تحصيل المصالح. فالحضور الاجتماعي الأدنى يفرض شكلا من الفصل بين الدين والسياسة، ليس بمعنى اللادينية، بل بمعنى التمييز بين وظيفتين مختلفتين. إن الفصل قد يعني التمييز أو القطع، وهو بالمعنى الأوّل أكثر ملاءمة للوضع العربي الإسلامي.

تعلن الخطابات الدينية عن رغبتها في تحقيق الفضيلة، لكن المطالبة بقدر مثالي من الفضيلة يمنع الاستقرار الاجتماعي لأنه يحمّل الناس ما لا يطيقون. وتعلن الدولة المدنية رغبتها في رعاية الاستقرار، لكن تحقيقه بأي ثمن يفتح مجال الاستبداد. ثم إن الفضيلة والاستقرار يفهم كلاهما من وجهات نظر مختلفة. هذه المفارقة ليست مفارقة الإسلام وحده. لكن التجارب الإسلامية، من الفتنة الكبرى إلى دول ما بعد الاستعمار، تشهد بعسر القضية وغياب حلول الكمال. لذلك قيل عن الديمقراطية إنها الحل الأقل سوءا، فهي المخرج الحديث من مفارقة لم يشهد لها العصر الوسيط حلاّ، لا شرقا ولا غربا. والديمقراطية ليست حكم الفضيلة، فاختلاف تصورات الفضيلة بتعدّد المجموعات البشرية يمنح إمكانيتين، إما أن يفرض طرف واحد قيمه على الجميع وهذا تسلّط، أو أن يحصل توافق لا تتحقق بمقتضاه فضيلة كاملة مقابل أن لا يخضع طرف للتسلط. كما أن الديمقراطية ليست حكم الأغلبية، فهذا التعريف أقرب إلى الفاشية. بل الديمقراطية مجموع آليات إجرائية تضمن أن يحصل التنافس بوسائل سلمية، ما يعني أنها تقوم على الوفاق دون الكمال الذي تختلف مواصفاته بين البشر.

لقد اتفق عبده وأنطون على وصف المشكلة دون طريقة الحل. فالجامع الأعمق بينهما هو النظرة الحذرة من الدولة، من حيث هي مارد يهدد الأفراد في حرياتهم ومصائرهم، لذلك قال عبده “أعوذ بالله من السياسة ومن ساس ويسوس وسائس ومسوس”، وقال أنطون “الدول في جميع أقطار الأرض وخصوصا الكبرى منها إنما هي اليوم بمثابة أغوال هائلة”. ثقل الماضي والحاضر يدفع إلى البدائل المثالية التي تقوم على فضيلة الكمال. ينشد عبده دولة الأخلاق والمثل العليا وأنطون دولة الحرية والمثقفين. إن قرنا يفصل عن المجادلة قد يدفع إلى تعديل الطموح نحو قدر أكبر من التواضع. فالأخلاق والحرية يخضعان بدورهما للنسبية وحدودهما وفاق بين المجموعات البشرية المتعايشة. أما حديث المطلقات فيؤدي إلى المزايدة في المبادئ وترك الممارسة تهوى إلى حضيض، فيستمر غول الدولة باسم الدين أو ضده، وقد يتحوّل التدين إلى إرهاب أو إلى مشروع لدولة العنف البديل، كما يتحوّل خطاب الحداثة والأنوار إلى أيديولوجيا لتبرير العنف دون اكليروس.

فمن الجدير الاحتفاظ بالوجه الإيجابي لهذه المناظرة، إذ عبّر عبده من خلالها عن لحظة انتقال من مشروع دولة الفقهاء إلى مشروع دولة الأخلاق الفطرية، وعبّر أنطون عن لحظة انتقال من أدب مرايا الملوك إلى مشروع دولة الأنوار القائمة على الحرية. حدس التحرر من السياسة الشرعية ومرايا الملوك خطوة ظلت راكدة منذ قرن وهي قابلة أن تتفاعل مجددا وتجارب العصر التي تطورت منذ ذلك الحين وأثبتت أن العنف قد يتسلط بكل الأسماء وتحت كل العناوين.

خطّ أنطون عبارات رائعة في نقد الاستبداد الشرقي وإن لم تعد اليوم جامعة لأسبابه ومظاهره. ويمكن مراجعتها خاصة في الفصلين المعنونين “معنى التساهل الديني الذي هو أساس المدنية الحاضرة” “والفصل بين السلطتين المدنية والدينية هو السبب الحقيقي في التساهل الحقيقي”. كما كان صائبا نقده لمثل السياسة الدينية والفضيلة الكاملة: “من أين للبشر دائما بمستبد عادل نزيه واسع الصدر كالفاروق عمر بن الخطاب ليحكم الأمة والشريعة بالعدل والاستبداد حكما ينقذهم من الاضطراب والفوضى ويعطي كل ذي حق حقه (…). أكثر ما تقع الرئاسة في أيدي الناس كباقي الناس ولهم شهوات وأهواء جميع الناس. فإذا لم يكن هناك ضوابط وروابط تضبط أحكامهم وتربط أهواءهم صارت الشريعة الحرة السمحاء المنزهة من كل قيد ورابطة آلة لاستبداد الظالم بالرعية استبدادا يبتز به خيرها. ولم يكن للشعب من سلطة حقيقية على الحاكم إلا بخلعه. ولكن هذا الخلع يجر وراءه دائما ما وراءه من الفتن والانقسام في الأمة. وهذا كل ما جرّ البلاء في الإسلام” (ابن رشد وفلسفته، ص 280- 281).

إن هذا النقد لا يوجّه إلى الفضيلة الدينية وحدها بل ينسحب أيضا على كل المنظومات الفكرية القائمة على احتكار الحقيقة والتبشير ببلوغ العهد الأسمى ونهاية التاريخ، فالرهان الأكبر هو التحوّل من سياسات المطلقات إلى سياسات الممكنات، حيث تتبوّأ الديمقراطية مكانة محورية باعتبارها دولة الممكن حين يصير مطلوبا والتجربة الأقل سوءا بين محاولات البشر العديدة للتخفيف من غول الدولة دون السقوط في الفتنة.

ولم يقتصر النقد الأنطوني على هذا الجانب فقد كان عميقا في نقد براديغم الإصلاح كله، في مقولة العودة إلى الأصل: “إذا كانت الوحدة الدينية محالا وتغير شروط الأديان وحالاتها بتغير الزمان والمكان أمرا لازما فالرجوع إلى الأصل أمر محال” (ص 297)، ومقولة الجامعة الإسلامية: “الجامعة الإسلامية هي الوحدة الدينية التي ذكرنا استحالتها. وإذا كان الآن لبعض إخواننا المسلمين أمل في هذه الجامعة فما ذلك إلا لأن المصائب تجمع، ولكن متى ذهبت المصائب إذا كان ذهابها في الإمكان وصارت كل أمّة إسلامية مستقلة فإن هذه الأمم المختلفة المشارب والأجناس والمذاهب واللغات تعود إلى الاختلاف والنفار”، ويضيف، كأنه يتنبأ بما يقع بعده “إن الحرب بين القوي والضعيف لا تؤذي إلا الضعيف” (ص 299). ثم مقولة العودة إلى إسلام عربي: “ما معنى الجامعة الإسلامية إذا كانت الشعوب الغريبة تبقى محسوبة غريبة قاصرة عن فهم الإسلام والعمل به ولو مرّ على اعتناقها الإسلام مئات السنين؟” (ص 296)، إلى غير ذلك.

لا يتطوّر الفكر الديني إلا إذا حمل هذه القضايا المهمة التي أثارها أنطون على محمل الجد وناقشها نقاش البرهان ولم يتصورها عدوانا عليه بل هي مساءلات العصر له. بعبارة أخرى: ما ينقص الخطاب الإصلاحي هو رد لعبده على ردود أنطون عليه، رد تحليلي لا جدالي يعتمد الاستدلال لا الانفعال. فتطور الخطاب الإصلاحي رهين قدرته على الانتقال من الكتابة السجالية والوعظية إلى الكتابة التحليلية والاستدلالية، بعد أن نجح في الانتقال من الكتابة الفقهية إلى الكتابة الصحفية.

ذلك أننا إذا تأملنا حجج عبده واستدلالاته نجدها تقوم على الخلط بين واقع الحال وحكم الحال. يستدل مثلا على التسامح في الإسلام بوجود طوائف “أجمع فقهاء الأمة على أنها من قبيل المرتدين والزنادقة” لكنها تعيش بسلام بين المسلمين. لا يشعر بالتناقض في هذا المثال الذي يقدّم، فمنح الفقهاء حق الحكم بالردة والزندقة هو لبّ المشكلة. ثم أن المتسامح في هذه الحال هو رجل السياسة إذا لم يطبّق الحكم “الشرعي” وليست الأحكام الدينية التي تفترض إقامة الحدود. لكن عبده محقّ في أن التسامح، بمعنى التعايش بين الأديان، كان واقعا قائما في التاريخ الإسلامي. المقاربة الجدالية للقضية وغلبة مناخ المنافحة والتمجيد والطابع الطائفي للمعاندة هي عناصر منعت عبده من طرح المشكل طرحا برهانيا، كما يقال في علم الكلام.

لماذا لا يتحوّل واقع الحال إلى حكم الحال؟ لماذا لا يعيش هؤلاء الذين ضرب بهم عبده مثلا متحررين من سيف التكفير المسلّط على أعناقهم يغفله رجل السياسة حينا ويستعمله إذا شعر بالفائدة؟ الخطاب الديني حول الإصلاح يغلب أن يكون حيلا فقهية من أن يكون طروحا مبدئية للقضايا. ولا مناص من أن يترتّب على الخلط بين واقع الحال وحكم الحال عاقبتان ترتبط إحداهما بخطة الخطاب والثانية ببنيته. فخطة الخطاب انتقائية وبنيته مانوية.

تتمثل الانتقائية في اختيار الأحداث التي تشهد على صحة الرأي ثم إهمال الأخرى. إنها خطة قديمة في المجادلة الدينية وإن أضيف إليها حديثا الانتقاء من القول الأجنبيّ بما يفيد الغرض. الأندلس هي عصر الخليفة يوسف الذي قرب الفلاسفة دون المنصور الذي نكبهم. والمسيحية هي محاكم التفتيش دون المسيح المصلوب. أما المانوية فتتمثل في التوزيع الذي تخضع له كلمتا دين وسياسة. الأول هو قطب الإيجاب يتسع ليشمل كل حدث إيجابي ويضيق ليتنصل من كل حدث سلبي. والثاني قطب السلب يعامل على نقيض من ذلك. الدين هو المقدس والسياسة المدنس، ولا مجال بينهما للتقاطع. في هذا المستوى يفصل الدين عن السياسة لحماية تاريخه المقدس. فإذا انتقل الحديث عن المسيحية انقلبت الأدوار، وصار الدين (المسيحي) مرتبطا بأحداث سالبة ومبادئ مذمومة (وقد سمح عبده لنفسه أن يكون واضعها ومقننها!). هل يمكن أن يقوم مجدّدا خطاب للإصلاح الديني يحوّل المقبول من واقع الحال إلى حكم الحال ويتخلّص من الازدواجية التي كانت سبب هزيمته أمام الخطاب الأصولي وهوان أمره في المشروع الحداثي؟

إنّ فكرة توحيد البشر على أساس المشتركات العقلية وليس على أساس العقائد والمذاهب الموروثة هي فكرة قديمة نشأت في الشرق الأوسط، واتخذت شكلا واضح المعالم عتيد الإخراج في بلاد الإغريق، وتحصّنت في الإسكندرية من الذوبان، واستعادت في بغداد إشراقها، وهاجرت إلى الأندلس فرارا من الدمار، ثم منها إلى جامعات باريس وبادوفا وبلاط فريدريك الثاني، ثم صمدت في وجه قرارات التحريم الكنسيّة، وتحوّلت إلى إنسيّة في عصر التمزّق الديني، ثم صارت أنوارا في القرن الثامن عشر، فهي طموح قد تعالى على الانقسامات الدينية والسياسية، وقد ظلّت حاضرة في ضمائر البشر من خلال المثل الأعلى الذي حملته عبر تلك العصور، مثل أن يكون الإنسان واحدا بالمعرفة كما هو واحد بمنشأ الخليقة، وأن يظلّ المثقف كونيّا يتأمّل مشاكل البشر على أنهم نوع لا طوائف.

ليس هذا المثل الأعلى يهوديا ولا مسيحيا ولا مسلما ولا مؤمنا ولا ملحدا ولا لاأدريا، لكنه جميع ذلك في آن واحد. فهو طموح لغة كونية تعبّر عن العقل دون موازين السيطرة وتمنع البشرية من فناء النوع، أي تدمير ذاتها بذاتها. وهذا المثل الأعلى هو الذي صنع الجانب الأكثر إشراقا في الحضارة الإسلامية، ومنح هذه الحضارة ما يتباهى به أبناؤها اليوم. وهو الذي دشن الحداثة الأوروبية أيضا عندما اكتشفت أوروبا بعد الإسلام بعدة قرون التعددية الدينية. كانت أطروحة رينان “ابن رشد والرشدية” محاولة استحواذ غربية على ذلك المثل الأعلى، وكذلك جاءت ردود عبده محاولة إسلامية للاستحواذ. لكن الاستحواذ يعني القبول الضمني بأهمية ذلك المثل الأعلى وتفوقه. وهذا هو العنصر الإيجابي لدى عبده. كما أن كتابته، التي هي وضع انتقال بين القديم والجديد، تمنح للرد معنى غير الذي نفهمه اليوم. فالرد كان قديما استحواذا على المردود عليه وفصل عناصره عن النظام العام لإدماجها في نظام التقبل وإعادة التعبير عن الجديد فيها باللغة المعهودة. ألم تقتحم الرشدية نفسها الفضاء الأوروبي عبر الردود عليها، مع ألبرت الأكبر وتوما الإكويني وريموند لول؟ لكن هذه الوسائل للمحاورة بين الأفكار لم تعد اليوم الوسائل الأكثر رواجا.

أما أنطون فقد أسكت صوته، حقيقة ومجازا، لأن عبده كان يرى معركته الحقيقية مع رينان وأن الأولى به مواجهة الأصل لا النسخة. وفاته أن أنطون هو الأكثر قدرة على محاورة الغرب ومواجهته في آن واحد، لأنه الأكثر قدرة على فهمه. بين أنطون في صورة يوحنا الدمشقي الذي يهاجم الإسلام باسم المسيحية وأنطون في صورة رينان الذي يهاجم الإسلام باسم التقدم ثمة أنطون الحقيقي الذي هو صوت من الأصوات الممكنة لذلك المثل الأعلى. حاول أنطون أن يكون رجل فكر مستقل عن الصراعات الطائفية والمذهبية ومجادلا عن رأي لا عن انتماء، ولو أنه عاش بقية القرن العشرين لأدرك أن رجل الدين ليس الخطر الوحيد على الفكر الحرّ، فقد خلفه رجل الإيديولوجيا، كما أن تمجيد الماضي صار عروبيّا بعد أن كان إسلاميّا دون أن يتخلّص من نزعة العيش على أمجاد السلف ومحاربة الحاضر بقصص الماضين.
لكن هل يمكن أن يلتقي عبده وأنطون على الحقيقة التي عبّر عنها كلاهما بلغته، حقيقة أن الاستبداد عدوّ الحضارة؟ إن قرنا من الأديان العلمانية المتنافسة لاحتلال مواقع الأديان القديمة أثبت أن انسحاب الدين من المجال العام ليس كافيا لارتفاع الاستبداد. وقرن من التراجع الإسلامي عن الإصلاح الديني أثبت أن تجاهل القضية الدينية أو حلّها حلا شكلانيا متسرّعا يترك الخطر كامنا إلى يوم الانفجار. لقد فقد خطاب الإصلاح الديني موقعه في وجه الخطاب الأصولي الذي أحلّ العنف محلّ الدين، وفقد الخطاب العلماني الليبرالي موقعه أمام الإيديولوجيات التي استبدلت العنف الديني بالعنف الثوري والإكليروس بالحزب الطليعي. فإذا كان ثمة اليوم من مراجعة على هدي ما مضى من مجادلات وتجارب فهي لا تكون باتجاه التراجع عن العلمانية ليكون مبدأ التسامح بديلا عنها ولكن باتجاه توسيع استقلالية الفرد ليتخلص من كلّ أشكال الكليانية أكانت دينية أم غير دينيّة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق