في نقد الرسالة الثانية من الإسلام (3 / 5)

1-البعد الآخر للعقيدتين الكتابيتين :
لا تظهر الإصلاحية الإسلامية المعاصرة، أي اعتناء باليهوديات والمسيحيات التاريخية ولا بالمعالجات الهيرمينوطيقية والتاريخية – الأنثروبولوجية المستحدثة بهدف تحديث القول أو إرهاف المناولة أو إحكام استشكال إحدى الحقائق المفصلية في العقيدتين. إن النظر العالي في راهنية العقيدتين، لمما يفرض على فكر يرفع سقف مطالبه و يطوي تواريخ الآخرين تحت أجنحة هيرمينوطيقاه الخاصة . إلا أن النرجسية الثقافية المستحكمة ، تقتضي-كما في النص الجمهوري- تخصيص اليهودية بالتفريط الروحي والمسيحية بالإفراط، وعقد مفاضلات محبوكة النسج ومصاغة بمادة قدامية وبمنهاج تجريدي كلاني .
 

وعليه تبدو اليهودية وكأنها أوقفت التاريخ في بداية معلقة بلا قدرة على التجاوز و المسيحية وكأنها أعلنت نهاية التاريخ مبكرا ، وصيرت الكائن أثيريا متعاليا عن كل شرط محايث .ففيما تقومن الأولى المعنى الأكبر ، فإن الثانية تحدث قطيعة بين المعنى والتاريخ وتعلن قدوم الإنسان الأخير بقدوم الإنسان –الإله.

تكرس اليهودية تشاؤما كونيا فيما تتمسك المسيحية بتفاؤل أنطولوجي إذ تعلن استبدال منهاج الإسماح بصرامة الناموس . أرادت المسيحية التاريخية-حسب المقتضى الجمهوري- حرق المراحل بنسخ الاشتراع العقابي اليهودي ، و إعلان شريعة الحب ؛ والحال أن ذلك الإحلال قائم – من منظور السفر الجمهوري -على تقويم متسرع لطبيعة الإنسان واستعداده للتطبع بأخلاق الحب والاهتيام بالتحاب وبالغيرية.

والحق أن دائرة التأويل تضيق ، كلما تنوولت قضايا توراتية أو إنجيلية ، مع أن أسفارها تؤولت تأويلات عرفانية غنوصية أو هرمسية أو قبالية مرارا.
فكيف يقبل السفر الجمهوري تكثيف الطاقة الهيرمينوطيقية في تعامله مع النصوص القرآنية ، والوقوف عند المؤدى الاتفاقي في تعامله مع النصوص التوراتية والإنجيلية ؟ هل القراءة الباطنية امتياز برسم الذات ، والوقوف عند عتبات الحرف خصيصة الآخر؟ ألا تنطوي طهرانية و ماورائية الأناجيل على بعد سياسي خفي ؟

(وبالمثل فقد قال المسيح (سلامه علينا) إنني لم آت لأنقض الناموس و إنما جئت لأكمله .ولكن بالتأكيد لو كان المسيح والبروليتاريا المستضعفة قادرة على إسقاط الحكم الروماني القائم على الملكية الإقطاعية والعبودية لما قال المسيح “دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله” أي ادفعوا الضريبة وتواصوا ما بينكم قدر الإمكان ولا حول ولا قوة إلا بالله.)
(-محمد سلمان غانم – القرآن –الصلاتان وزواج الصحبة – مؤسسة الانتشار العربي – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى -2005-ص.58) .

ينطوي وسم اليهودية بالتفريط الروحي والمسيحية بالإفراط ، على نظر تجزيئي ورؤية تفقيرية للعقيدتين ؛ يكتفي النظر الجمهوري هنا ، بتعيين المواقع القارة لكل أطراف الثالوث ، وكأن البداهة الوسيطية فاعلة وسارية المفعول ،والتتويج ممكن بعد انبلاج أنوار الرسالة الثانية الواعدة بأفضل التراكيب العقدية الممكنة بإطلاق .
من الغرابة ، في السياق الراهن ، وسم اليهودية بالشظف الروحي ، و المسيحية بالبذخ الروحي ، علما أن استقصاء حقائق الأنساق العقدية ،يتطلب استقراء شاملا لإضبارتها النصية والإلمام بطرقها في استخراج المعاني ومساءلة ظواهر النصوص و إقامة الترابطات بين الظاهر وبين الباطن ، بين المرئي وبين اللامرئي ، بين الفيزيقي وبين الميتافيزيقي.

هل يمكن تجريد اليهودية التاريخية من رمزياتها وباطنياتها ومجازاتها المؤسسة ؟ هل يمكن حصر اليهودية التاريخية في الناموس الموسوي ؟ ألا تنطوي مجازات المزامير والأمثال والجامعة وسفر أيوب وإشعياء ودانيال ونشيد الإنشاد على رمزيات قابلة للتأويل العرفاني؟ ألا يستدعي شمول الرؤية ،إمعان النظر في الهاغاداه و الهالاخا بدون تمييز ؟ ألم يخفف المدراش التلمودي من صرامة الناموس ؟ألم تنشغل مناهج التفسير والتأويل اليهودية ،بالمعاني الكنائية والمجازية والأخلاقية والصوفية الباطنية ؟
ألم يحول سفر الزهار القبالي الأسفار التوراتية (الأسفار الخمسة وراعوث ونشيد الإنشاد ومراثي ارمياء …الخ)، إلى أرض خصبة لتأويل بلا ضفاف ؟ ألا ينشغل القباليون باختراق ثوب وجسد المعنى للوصول إلى روح المعنى بل إلى روح روحه أي المعنى النهائي ؟ ألا تنطوي التوراة على قانون الحب والتحاب ، بشهادة نصوص توراتية عديدة ؟
(لا تنتقم ولا تحقد على أبناء شعبك بل تحب قريبك كنفسك .أنا الرب . )(لاويين – الإصحاح 19: 18)
( و إذا نزل عندك غريب في أرضكم فلا تظلموه .كالوطني منكم يكون لكم الغريب النازل عندكم وتحبه كنفسك لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر .أنا الرب إلهكم.)
(لاويين-الإصحاح 19: 33)
(فالآن يا إسرائيل ماذا يطلب منك الرب إلهك إلا أن تتقي الرب إلهك لتسلك في كل طرقه وتحبه وتعبد الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك وتحفظ وصايا الرب وفرائضه التي أنا أوصيك بها اليوم لخيرك . )
( تثنية –الإصحاح العاشر -12-13)

ورغم باطنية وإيطيقية المسيحية ، فإنها انطوت ، على أبعاد سياسية ، كامنة في الجذر النظري للبشارة اليسوعية وبين حنايا الكنايات الإنجيلية .لا يمكن تجريد نقود يسوع للفريسيين والصدوقيين ، من حمولتها السياسية ؛ كما لا يمكن قراءة الزهد واللاتملك اليسوعيين ، قراءة تغيب بعدهما السياسي .
(هكذا فإن أيا منكم لا ينبذ كل ما يملك لا يمكنه أن يكون لي تلميذا .)
(الإنجيل للقديس لوقا -–دار المعارف –القاهرة-مصر – الفصل:الرابع عشر : 33)

والواقع أن الكناية والحجاج ، يشتغلان ، في الأناجيل القانونية ، بتأثير وضغط من النصوص المرجعية التوراتية وتأولاتها البعدية ،وإمكانات الإطار السياسي –الروماني والدافعية التخليقية اليسوعية. تتشكل الدلالة ،-هنا- في خضم اصطراع محتدم بين النص وتأويله ، بين التأويل الجماعي والتأويل الفردي ، بين الفعالية التأويلية –السياسية في إطار المشترك الجماعي والاشتغال التأويلي في تماس مع الحقيقة القيصرية .
(وبسبب هذا كان بيلاطس يبتغي أن يطلق سراحه ، ولكن اليهود أخذوا يصيحون قائلين ” إن أنت أطلقت سراحه فلست محبا لقيصر ، لأن كل من يجعل نفسه ملكا إنما يقاوم قيصر “)

(الإنجيل للقديس يوحنا –دار المعارف –القاهرة-مصر –الفصل التاسع عشر : 12).

لم يقف الاختلاف عند حدود التأويل ، بل سار في مسارات مفتوحة على العنف وعلى إرادة الاستئصال .لا يعني التأله وخرق السبوت ، في الإطار التداولي اليهودي ، آنذاك إلا إعلان المفاصلة الكلية والانتقال من العنف الهيرمينوطيقي إلى العنف السياسي .
(أما أعطاكم موسى الشريعة ومع ذلك فما من أحد منكم يعمل بالشريعة ؟ لماذا تسعون إلى قتلي ؟ ” )
((الإنجيل للقديس يوحنا –دار المعارف – القاهرة –مصر – الفصل السابع -19-)
(فاشتدت رغبة اليهود في قتله ، لأنه لم ينقض السبت فحسب ، و إنما قال أيضا : الله أبي ، مساويا نفسه بالله.)
((الإنجيل للقديس يوحنا –دار المعارف – القاهرة –مصر – الفصل الخامس -18-).

لا يمكن قراءة وضع اليهودية والمسيحية ، وكأن الحداثة حدث عرضي لم يؤثر ، إطلاقا ، في مسارهما ؛ كما لا يمكن تدبر وضعها ، بناء على مستندات المقالات الكلامية أو أدبيات الملل والنحل .لا مناص إذن ، من مراعاة كلية النسق العقدي ، وإعادة رسم خطوطه المفصلية ، للتحقق من مراداته وممكناته المعرفية وتكيفه مع الملابسات التاريخية والأنثروبولوجية المختلفة . كما لا يمكن التغافل ، عن مستجدات ومصاعب وأعطال المسيحية الشرقية، وانئسارها لإكراهات إطارها الثقافي-الحضاري، الموغل في التخثر التاريخي وانعدام الأفكار القوانية والأطر الاجتماعية للمعرفة الحداثية .وفيما توغلت النقديات التاريخية الغربية ، في تمحيص المادة التوراتية والإنجيلية، وبناء تاريخية الأفكار استنادا إلى المنهج الفيلولوجي-الأركيولوجي المرذول عند جمهرة الأصلانيين الشرقيين( مثل حسن حنفي أو هادي العلوي )، أو إلى تحيين اللاهوت بالانتهال من المقولات والمفاهيم البيولوجية أو النفسية أو السوسيولوجية، فإن المسيحية الشرقية ، مازالت غائصة في حلقة هيرمينوطيقية مغلقة وفي تدبير وضع سوسيو-لاهوتي إشكالي على أكثر من مستوى .

(فبسبب من تأخر الحضارة العربية الحديثة بأجمعها ، لم تولد الكلمة اللاهوتية الشرقية الأنطاكية المعاصرة الكفيلة بالتعبير عن مكنونات الاختبار الإيماني الذي يحوي في طياته تحديات التقنية والإلحاد والتدين الغربي وحوار الأديان الكبرى وقراع الحضارات الفكرية ، وما إلى ذلك من مواضع مثيرة للفكر الأوروبي ما فتئ الفكر العربي ، بشقيه الإسلامي والمسيحي ، عاجزا عن تبنيها ومعالجتها بحسب عبقريته الخاصة .)
(-مشير باسيل عون –الفكر العربي الديني المسيحي – مقتضيات النهوض والتجديد والمعاصرة-دار الطليعة للطباعة والنشر – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2007-ص.71) .

يستند الثالوث الإسلامي كما يقدمه السفر الجمهوري، على متصور بعدي، بعيد عن التركيب الفكري التاريخي للنسقين اليهودي والمسيحي . ومما لا شك فيه، أن التصور المحتكم إليه –هنا -، ليس إلا تحيينا ، للمستقر العقدي في الأذهان، وفي المخيال الملي الإسلامي، لا كشفا عن ديناميات كل نسق نسق، وعن توالد دلالاته في السياقات التاريخية والأنثروبولوجية المختلفة، وعن آلياته الاجتيافية والاستعارية والتناصية .يبدو أن منطق النسخ المصحوب بتركيب غير جدلي، يمنع الوعي الإصلاحي ، من تفعيل قراءة تراجعية – تقدمية، تؤدى واجب التاريخ وتنهض بمسؤولية فك مغاليق النصوص وتهذيب مناهج التأويل قبل البحث عن شرعية الارتقاء التاريخي واستخراج فلسفة تاريخية مصاقبة لتطور الاستذهان في الشرق الأوسط القديم . واستنادا، إلى هذه المنهجية التراجعية –التقدمية ، المغتنية دوما، بنتائج البحوث الأركيولوجية والفيلولوجية والتاريخية والأنثروبولوجية ، يمكن تعديل الثالوث المقترح جذريا ، ورسم خريطة شاملة للاستذهان في الفضاء السامي –الإغريقي-الفارسي-الهندي .

لا مناص هنا ، من توسيع دائرة الاستقراء والمقارنة وتتبع ارتحال الحدوس والاستعارات الكيانية والمجازات التأسيسية والمفاهيم المرجعية .لا يمكن إذن ، حصر المجاري التاريخية ، في مجرى ثابت، وفي لقاء ثلاثية لا تغتني بل تفتقر دوما بالنسخ والتجاوز غير التركيبي.

تعتمد الإصلاحية الإسلامية المعاصرة ، على إبدال تراثي ،قائم على وضع هيرمينوطيقي دائري مغلق ، وعلى رؤية تصنيفية تراتبية ممجدة للذات ومغلبة للإنهمامات العقدية في المطارحات الفكرية –التاريخية . والحال أن الحدثية الحداثية ، قدمت المؤشر تلو المؤشر ، على انكسار ذلك الإبدال بالذات ، وعلى استشكال الوضعيات الهيرمينوطيقية الوسيطية وسياقاتها الفكرية والتاريخية وعلى بناء ثوابت وضعية لفلسفات تاريخية مستقاة من تأمل الإرادة الإنسية وهي تطوي المكان وتصوغ الزمان بما يمكن الإنسان من إبراز كفاءاته البروميثيوسية .وهذا ما تخطئ إصابته التركيبة الثلاثية كما شغلها محمد سعيد العشماوي بكثير من القصدية الذاتانية .
( لذلك كانت شريعة الحق لبعض الناس ، وكانت شريعة الحب لبعض آخر منهم ، وكانت شريعة الرحمة شريعة لكل الناس في كل العصور لأنها شريعة الفطرة السوية التي تعمل على السمو بنفسها والارتقاء بذاتها من خلال الواقع وفي نطاق الحياة . )
(- محمد سعيد العشماوي – جوهر الإسلام – سينا للنشر – القاهرة – مصر – الطبعة الثالثة – 1993-ص.22)

لا تنير” فلسفة” هذا الثالوث،منطق الإبراهيميات ولا رؤيتها للتاريخ ، بقدر ما تستعيد –ذهنيا-وضعا حضاريا منتهيا ، وفذلكة معرفية،وترتيبا مليا للجدارة الدينية في مناخ نهضوية عاجزة عن الانقطاع عن المنافحة المتنرجسة وعن الاستقطاب والتقاطب الدينيين .يتفق الثالوثان في كوننتهما الناسخة ،لشريعتين طرفيتين ،غير وسطيتين ، و مضادتين-استنتاجا- للفطرة، أي للاستعداد الطبيعي للإنسان .يدين الثالوثان ببنيتهما الارتقائية –بلا شك –للفكر الأنواري ولفلسفات التاريخ الارتقائية ، إلا أنهما يكتفيات باستعارة القالب دون المضمون .وحين نقارن ، هذا الثالوثان ، بثالوث لسنج ، نلاحظ الفارق المعرفي والذهني بين فكرية متأهبة للمجاوزة وتحريك التاريخ وفكرية سكونية مسكونة بالنسخ ، بنسخ طروس الأغيار ونسخ متونها بأمانة حرفية شبه طقوسية.وبين نسخ المحو ونسخ الإثبات ، يضيع منطق الفعل وتتغلب البداهة على الروية إلى المنتهى!
( كلا! سيأتي هذا العصر. سيأتي يقينا هذا العصر – عصر الاكتمال – الذي لا يحتاج الإنسان فيه أن يطلب من المستقبل دافعا لسلوكه بمجرد ما يتم اقتناعه بأن هناك مستقبلا أفضل . حينئذ يفعل الخير لأنه خير لا لأجل الجزاءات التعسفية التي فرضت قبل ذلك جزافا كي تثبت نظرة الإنسان الحائرة ، ولكي يتوصل الإنسان إلى الكشف في ماهية الخير عن الجزاءات الحقيقية المنبثقة من طبيعته.) 
(-لسنج – تربية الجنس البشري – ترجمة وتقديم وتعليق : حسن حنفي – دار التنوير – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 1981-ص.150).

2- من كثافة اللاحق إلى لطافة السابق:
لا تكفي فرضية الكثافة اليهودية، لتسويغ انحصار الفعالية اليهودية في الاشتراع وفي التدين الطقوسي –الشعائري . ثمة سياقات متراكبة وتناصات متشابكة وتقاطعات متنافذة، منحت النسق اليهودي، خصائصه الفارقة. ولا بد من رسم مجال تلك التقاطعات، لإدراك دقائق تلك الخصائص، وكيفية تشكيلها وتأويلها وإعادة صوغها في سياقات الانشقاقات والصراعات التفسيرية والتأويلية والتداولية بين الفرق المشتركة في اقتسام الرأسمال الرمزي الإبراهيمي .ومن البديهي ، أن تنكب المقاربة-هنا- ، على استقراء الأنساق السابقة والمعاصرة واللاحقة ،لانبثاق وتشكل وتبلور النسق العقدي اليهودي.
 ( والمشاهد كثيرة في القرآن التي تتحدث عن غلظة اليهود ، وعن كثافتهم ، وكيف أنهم كلما دعوا إلى رفعة أخلدوا إلى الأرض ، وهذا أمر طبيعي في ذلك الطور المتقدم من أطوار النشأة ، وهم ، على ما كانوا عليه ، قد كانوا صفوة زمانهم ..)
(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص. -144).

من الصعب بناء بيان كوني بناء على افتراضات متعالية عن التاريخ المسطر ومعزولة عن عنفوان المقدس في الفضاء الثقافي والروحي السامي –الفارسي –الهندي .ليس ممكنا ، بناء الخطاب المحكم والكوني على شذرات من تاريخ انتقائي وبعدي، في طور كشفت فيه الكشوفات التاريخية والأركيولوجية عن حقائق معرفية مغمورة ومحجوبة عن الإنسانية الوسيطية وعن الوعي الإبراهيمي .

يتصادى وسم اليهود بالغلظة وبالشظف الوجداني وبالحصر المعرفي ، مع محصلات الاحتراب اليهودي –المسيحي حول شرعية وحدود التأويل و امتلاك الأصول وإعادة ترتيب علاقة ذاكرة الجماعة بحاضرها السياسي –التاريخي .
 (لذلك أكلمهم بأمثال ، لأنهم مبصرون ولا يبصرون ، وسامعون ولا يسمعون ، ولا هم يفهمون . ففيهم قد تمت نبوءة إشعياء القائلة : بالسمع تسمعون ولا تفهمون ، وبالبصر تبصرون ولا ترون . لأن قلب هذا الشعب قد غلظ و أذانهم قد ثقل سمعها ، وعيونهم قد أغمضوها لئلا يبصروا بعيونهم أو يسمعوا بآذانهم أو يفهموا بقلوبهم ، أو يرجعوا إلي فأشفيهم .)
(الإنجيل للقديس متى –دار المعارف –القاهرة –مصر – الفصل الثالث عشر -13-15)
(فقال اذهب وقل لهذا الشعب اسمعوا سمعا ولا تفهموا و أبصروا إبصارا ولا تعرفوا .غلظ قلب الشعب وثقل أذنيه واطمس عينيه لئلا يبصر بعينيه ويسمع بأذنيه ويفهم بقلبه ويرجع فيشفى .) (إشعياء: الإصحاح السادس :9-10) .

لا يستحضر السفر الجمهوري ، ملابسات هذا التوصيف ، في العهدين ، ولا سياق الاصطراع بين المسارات التأويلية اليهودية والمسيحية .كما لم يستحضر ،الصور المتعددة لليهودية في النص المؤسس ، وسياق الاختلاف السياسي-الفكري إبان الطور اليثربي-المدني بين الجماعة الإسلامية والجماعة اليهودية.
 ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم و أني فضلتكم على العالمين “
 ( سورة البقرة : 47)
 (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة و آمنتم برسلي وعززتموهم و أقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل. فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية) .
(سورة المائدة : 12-13) .
(ضربت عليهم الذلة ابن ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضريت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون .) (سورة آل عمران : 112) .

إن قراءة التاريخ العقدي المكثف ، من زاوية الاستعادات البعدية الخادمة لمسوغات إيديولوجية وثقافية مخصوصة ، لا تجدي في إنارة دروب المعرفة أمام الإنسان العولمي .فكيف تحال الانجازات المعرفية الكبرى للمصريين والبابليين والأشوريين والكنعانيين والفرس والهنود ، إلى الغياهب ، ويحتفل أيما احتفال بمنجز عبراني مفصول عن حيثياته و سياقات إنشائه وصقله وتجريبه؟ كيف يخص اليهود بالموقع الأول في الثالوث الجمهوري ، رغم طرفيتهم العقدية ؟
( ولقد بعث موسى في القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، وكان المجتمع بدائيا غليظا ، وكان الفرد شكسا، سيئ الخلق ، وكان قريب عهد بقانون الغابة ، فدعاه التوراة إلى الإنصاف – إلى المعاملة بالمثل – النفس بالنفس ، والعين بالعين – لتكون شريعته ، وتلطفت فرغبته ، من بعيد ، في العفو .فقالت ، فيما حكاه عنها القرآن ، “فمن تصدق به فهو كفارة له”.)
(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص. 144).

يقرأ السفر الجمهوري البدايات بعديا، أي في تمثلها التاريخي واندماجها في نسق فكري لاحق .وعليه ، فهو لا يقدم اليهودية في تشكلها التاريخي وتعضي بنائها المرجعي ، بل بناء على تمثل المعيارية الإسلامية لعناصرها البنائية .والحق أن الاكتفاء بالتمثلات ،عوض الانكباب على تاريخ الأديان المقارن أو على تاريخ حضارات الشرق الأدنى القديم ،لا يمكن من استواء النظر ورسم خريطة الاستذهان الديني في العالم السامي –الإغريقي بالدقة المعرفية المطلوبة في سياقنا المعاصر.

ليس التعميم علامة دالة على المعرفة دوما ، وليس الاستنكاف عن المعينات التاريخية بمفيد في مجرى البحث عن تجلي الحقائق التاريخية .فقد تناولت الحضارات الصينية والهندية والفارسية والبابلية والمصرية واليونانية والرومانية ، أدق المباحث النفسية والميتافيزيقية والإيطيقية والسياسية ،بالارتكان إلى أنوار العقل الطبيعي والى القرائح الجيدة والفطر الفائقة دون أية إحالات متعالية .والأنكى أن النسق اليهودي –العبراني ، مدين للمنجز الميتافيزيقي والأخلاقي المصري والفارسي والبابلي والكنعاني،بكثير من أعمدته النظرية و أركانه التصورية. لا يمكن كذلك، إسقاط خصائص التكوين القبلي –البدوي ، على مجتمعات متمدنة ، خبرت التعايش والتواهب والتساند وخبرات التمدن .فكيف تقوم المنجزات الحضارية بالاستناد إلى فرضية الغلظة اليهودية ؟ثم هل يمكن حصر تاريخ وخبرات شعب في توصيف-تصنيف ماهويين؟ وكيف يوفق السفر الجمهوري بين الغلظة الكيانية الجوهرية والإقرار النصي بتفضيل اليهود على العالمين؟
ثمة تعالق وتناص بين الاشتراع الموسوي وبين قانون عقوبات حمورابي (1700سنة قبل الميلاد ) والمنظومة القانونية البابلية عموما.وقد حملت هذه التناصات البعض ( اوتمار كييل ) إلى اعتبار الناموس الموسوي مجرد استنساخ للمدونة الحمورابية .من الضروري ، الإلمام بحيثيات هذا التعالق ، لفهم تاريخية التنافذ القانوني اليهودي –البابلي ، وتطور النظر القانوني في الإطار التاريخي السامي عموما .
( وتحقيقا لمبدإ تكوين القلب وتربية الضمير فإن شريعة موسى في الأصل كانت تتضمن مجرد وصايا تدعو إلى العمل الصالح والحسن في عيني الرب وتشير إلى أن أجزية الله هي البركة أو اللعنة . لكن هذه الشريعة السامية لم تلائم العبرانيين البدو البدائيين ، و الذين لم يكونوا فاهمين ولا قادرين على تربية الضمير وتنقية القلب ، فساء ذلك موسى ، وضايقه بشدة ، تظهر في نصوص التوراة . )
(-محمد سعيد العشماوي-الأصول المصرية لليهودية –مؤسسة الانتشار العربي – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2004-ص.149) .

ينحو الشاهد –كما هو ملاحظ-منحى التقويم السلبي ، دون تقديم مسوغات وملابسات انطباع اليهودية –الجوهري-بالقانونية البرانية .فاليهودية ، ديانة أورثوبراكسية في المقام الأول حسب تقدير موسى مندلسون ،ولذلك فإنها تحرص على تطابق الحياة مع الناموس أكثر مما تحرص على تطابقها مع إطار نظري تأملي محدد أو نسق تصوري أخلاقي معين .لا محيد هنا ، عن قراءة الفرادة اليهودية ، قراءة سياسية –لاهوتية ، حتى تتضح ، منحنيات ومنعطفات ومنعرجات هذا المنحى الأورثوبراكسي ، وعن مستتبعاته التاريخية وتأثيراته اللاحقة .

وفيما انصرفت اليهودية ، إلى تبئير الاشتراع وتأويله تأويلات مدراشية تلمودية في إطار جدلية المنغلق والمنفتح ، فإن الثقافات/الحضارات الشرقية الكلاسيكية ، واصلت التأمل في المؤسسات الأخلاقية للقانون ،وفي صياغة فلسفات شاملة لإدارة النفس والتحكم في الأنا والتفاعل التحابي مع السوى .

ينص الضابط الأخلاقي الثالث من ضوابط الياما الخمسة على ما يلي :
 (وعدم السرقة ، وهو الضابط الأخلاقي الثالث ، يستبعد أخذ ما هو ملك الآخر . ولكنه يمضي إلى عمق أكبر ، ذلك أنه يهدف في الواقع ، إلى القضاء على الحالة الذهنية التي ترغب فيما يملكه شخص آخر . وينظر إلى التفوق(كذا في النص) إلى ممتلكات شخص آخر ، في حد ذاته ، باعتباره نوعا من إيذاء هذا الشخص ، ومن ثم فإنه يتعين محوه من الذهن . )
( جون كولر –ترجمة : كامل يوسف حسين –مراجعة : إمام عبد الفتاح إمام – عالم المعرفة –العدد 199-يوليو-1995-ص.101) .

لا تنحصر الضوابط الأخلاقية الخمسة لليوغا ، في “التحريم” ، بل تتعمق في استكناه الدافعية النفسية ، وفي تخليص الأنا من نوازعها الأنانية والإنسان من الوجود المادي البراكريتي ومن الرغبة في الامتلاك ومن حجب الوعي الخالص.
(فإذا كان هذا الحديث صحيحا ، وهو صحيح ، بلا أدنى ريب ، فإنه له أثرا بعيدا في مستقبل الفكر الإسلامي ، ذلك بأنه يعني أن الإسلام ، كما جاء به القرآن ، ليس رسالة واحدة ، و إنما هو رسالتان : رسالة في طرف البداية ، أو هي مما يلي اليهودية ، ورسالة في طرف النهاية ، أو هي مما يلي المسيحية ، وقد بلغ المعصوم كلتا الرسالتين ، بما بلغ القرآن وبما سار السيرة ، ولكنه فصل الرسالة الأولى بتشريعه تفصيلا ، و أجمل الرسالة الثانية إجمالا ، اللهم إلا ما يكون من أمر التشريع المتداخل بين الرسالة الأولى ، والرسالة الثانية ، فإن ذلك يعتبر تفصيلا في حق الرسالة الثانية أيضا ، ومن ذلك ، بشكل خاص ، تشريع العبادات ، ما خلا الزكاة ذات المقادير .)
(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص. 147)

ليس الإسلام ، في الاعتبار الجمهوري ، إلا نتاج ارتقاء نظري نتج عنه بلورة تراكب تجاوري بين اليهودية والمسيحية ؛فقد مال الإيمان إلى الناموس ،أما الإسلام فسيميل إلى المثالية الإيطيقية المسيحية .ففيما نسخ الإسلام اليثربي –المدني ، الأخلاق اليسوعية ، فإن الإسلام المكتمل ، سيستعيد الشريعة الكونية، ويقترب من النهج المسيحي .
من الصعب إصابة الاستهداف في غياب كل عناصر المشهد ولا كل تفاعلات المركبات الروحية في السياق السامي –الإغريقي .كما أن تغييب التفاعلات والتناصات والاستعارات الفكرية باسم نقد المنهج التاريخي وآليات مناهج الأثر والتأثر ومحورية المناهج الفيلولوجية والتاريخانية ،لا يفيد في الإلمام بدينامية الأفكار وانتقالها المتنكر والمقنع من نسق إلى نسق ، من تاريخ إلى تاريخ ، من مسرى نظري إلى مسرى أخر مختلف .

تتشابك على سطوح الطروس الإبراهيمية ،نداءات المهج وبوارقها ولوائحها ولوامعها ؛ ومن الحيف حصر كل تلك التدفقات في ثالوث مفرط في الاختزال ومدار بعديا بما يحول السوابق إلى ممهدات لا غير لا مؤسسات لأنساق مكتملة ومستقلة ظاهريا.من الصعب إذن تسويغ إحاطة الزرادشتية والمندائية بالصمت ، ورسم مجرى ثابت بدون روافد ، لتهذيب الأفراد والمجتمعات في الشرق الأدنى القديم .
فالإسلام لا ينوس إذن بين الاشتراع الموسوي والحب اليسوعي ، إلا تجريدا وتجردا من تفاصيل الحدث المنسوج بخيوط الطروس وفرادة الفعل في الزمان العربي.كما أن شريعة الحب اليسوعية ، ليست بالصفاء القلبي المكتمل ،إذ تشف ، هي الأخرى ، عن مكنونات توراتية ، اقتحامية، ترتد فيها الوداعة الحالمة إلى الوراء فيما يتقدم العنف الشامل ،ليحتل واجهة المشهد.
 ( لا تظنوا أني جئت لأحمل سلاما إلى الأرض .ما جئت لأحمل سلاما ، بل سيفا . جئت لأجعل الابن يختلف مع أبيه ، والابنة مع أمها ، وزوجة الابن مع حماتها ، فيكون خصوم المرء من أهل بيته .من أحب أباه أو أمه أكثر مني فلا يستحقني.ومن أحب ابنه أو ابنته أكثر مني فلا يستحقني . ومن لا يحمل أحب صليبه ويتبعني فلا يستحقني . من ربح حياته خسرها . ومن خسر حياته من أجلي ربحها .)
(الإنجيل للقديس متى –دار المعارف –القاهرة –مصر – الفصل العاشر -34-39).

كيف يمكن إقرار الفرادة العبرانية ، فيما تفصح الشواهد والأمارات والقرائن على اقتدار المصريين والفرس والإغريق والرومان وتمرسهم بأفانين المعرفة والسياسية والإيطيقا ؟كيف ينكر ارتحال النظريات الروحية والإيطيقية واستعارة النماذج في الشرق الأوسط القديم والوسيط ؟ هل يمكن الحديث عن اليهودية ، هنا والآن ، دون التنصيص على دينها الكبير ، للروحيات المصرية والبابلية والأشورية والكنعانية والفارسية ؟ كيف يبلور الأشوريون والفرس والمصريون بالنور الطبيعي للعقل ، تمثلات متعالية ، لم يتمثلها العقل اليهودي إلا بعديا ؟

أليست الإحالة إلى الديمقراطية الأثينية ، في السفر الجمهوري ، قرينة دالة على جدارة السياسة العقلية وعلى ترقي الإنسية الإغريقية رغم انتمائها إلى نسق روحي مخالف ، كليا ، للنسق التوحيدي ؟ ألم تقدم الحضارة الصينية ، تأملات نضيجة ، في إدارة الذات والتذاوت ، ونهج سلوك التيقظ الإيطيقي ، بدون مثيرات أو محفزات متعالية ؟
نقرأ في نص، للاو تسه ، تقريظا للرقة والرهافة ،وللمرونة السلوكية .

(يولد الإنسان رقيقا واهنا
ويموت صلبا يابسا
يبدأ النبات غضبا مترعا بالنسغ
ويموت ذابلا جافا
من هنا ، اليابس وغير المنحني قرينان للموت
والرقة والطوعان قرينان للحياة
وهكذا ، لن ينتصر جيش بلا مرونة
والشجرة التي لا تنحني سهلة الكسر
يسقط الشديد والصلد
ويعيش الناعم والضعيف .)
(-لاوتسه/ تشانغ تسه -كتاب التاو –ترجمة ودراسة : هادي العلوي – دار المدى للثقافة والنشر – دمشق –سوريا –الطبعة الأولى -2002-ص.104) .

من خصائص الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر ، الذهول عن تعقد المقدس واتساع فسحه خارج المدار السامي – الإغريقي .فكيف لمن يحمل بشارة كونية ، أن يتقن الاستدلال و أن يحسن الاستقراء ، وهو لا يستفرغ الوسع ، للاغتناء بمحمول أغياره ممن كرسوا حيواتهم لتقنين مسالك السكينة وإرهاف الارتياض وتقوية الملكات الإيطيقية على درب التجوهر ؟ هل يمكن إحلال” الرومانسية” العرفانية ، محل إنعام النظر في مسالك المقدس اللاسامي ؟ أليست الاستكانة إلى النرجسية الثقافية ، نفيا للحب المجبول بالتذاوت؟أليس تحويل التناغم الأنطولوجي إلى مجرد توازن نفسي وتغلب على الرين ، إشارة إلى التذبذب في طرق الاستذهان ؟هل يكفي التلويح بالحب اليسوعي المستعاد عرفانيا ، لإعادة الوحدة إلى الإنسان المنشطر المنقسم بين مثالات شرعية –عرفانية وبين واقعات حداثية منزوعة الأطر النظرية ؟ كيف يمكن التفكير في كوننة المهاد المكي ، مع نسيان تام للحب الكوني البوذي وللإفاضات الفيدية والأوبانيشادية والهندوسية واليوغية والبوذية عن الجهل وعن التحرر من المعاناة الكونية ؟
نقرأ نصا لتزو سو ، حفيد كونوفشويس ، تتجلى فيه قدرة الكونفوشيوسية على التجوهر الفكري وعلى استنباط الحقائق الكلية وتعيين مسالك الاكتمال. 

(تزوسو :
1-إن الحقيقية هي اكتمال الذات والسبيل إليها هو التوجه الذاتي . الحقيقية هي البداية والنهاية للأشياء .إذ إنه بدون الحقيقية لن يكون شيء أبدا . وهو السبب في أن الصادق يكافئ على كل شيء يتوسم فيه الحقيقي . الحقيقية ليست هي محض أن يكمل الفرد نفسه هي أيضا ما يكون به كل شيء كاملا . إن اكتمال النفس المفردة يتضمن المروءة( جن) . واكتمال الأشياء في كليتها يتضمن المعرفة . والمروءة والمعرفة هما قوتان روحيتان (تي) متأصلتان في الإنسان . وهما الجسر الموصل ما بين البراني والجواني . وهذا دليل ذاتي على وجود استمرار الحقيقية في “دينونتها “. )

 (-هادي العلوي – لوامع كونفوشية – مواقف-العدد : 68-صيف 1992-ص.249) .

 من المحقق ، إذن ، أن الاشتراع ليس القاعدة التأسيسية ، و أن الثقافات والحضارات المصرية والفارسية والهندية والصينية واليونانية والرومانية بلورت أنساقا فكرية وأخلاقية وإبستيمولوجية وميتافيزيقية ، يصعب إدراجها في متون الكثافة والثقالة والعلاظة .فهي أدنى إلى اللطافة والرهافة الإبستيميتين ، والى الوداعة والحب المتعاطف مع الأغيار وكل الكائنات (الجينية والبوذية مثلا ) .

3- الحبّ الكوني :
لقد كرست المتصورات النفسية الفيدية والأوبانيشادية والبوذية والطاوية ، تأملات معمقة ، في آليات نيل الهناءة النفسية وتجاوز المعاناة الكونية وبلوغ الاستنارة الكاملة.من البين إذن ، أن الأنساق الفلسفية القديمة ، كرست المتون تلو المتون ، لاستجلاء حقيقة النفس البشرية وجوهر المعاناة الكونية ولاستكشاف مواطن الاكتمال والتواهب والتحاب .لا يمكن إذن ، بلورة خطاطة تصنيفية للمعتقدات دون الانكباب على هذا الموروث الإنساني ،المتغلغل ، بطريقة أو بأخرى في متون وهوامش الإبراهيميات ذاتها.
(ولن يكون الإنسان خليفة الله على خليقته إلا إذا اتسع قلبه للحب المطلق لكل صورها و ألوانها ، وكان تصرفه فيها تصرف الحكيم ، الذي يصلح ولا يفسد . ولا يعوق الحب في القلوب مثل الخوف .فالخوف هو الأب الشرعي لكل الآفات التي إيف بها السلوك البشري في جميع عصور التاريخ ..ولا يصلح الإنسان للخلافة على الأرض ، ولا للتصرف السليم في مملكته وهو خائف.)
(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص. -138) .

لا يمكن أداء وظيفة الخلافة -حسب السفر الجمهوري – إلا بامتلاك الحب الكوني،المسنود بالحكمة والاستبصار والتحرر الكلي من ربقة الخوف الشال للإرادة وللقدرة الإنسانيتين .وحيث إن الإسلام تفرد ، في الاعتبار الجمهوري ، بهذه الخصائص ، فالحكمة إسلامية اقتضاء ولزوما .يمكن الإنسان ، استنتاجا ، من نيل السكينة والهناءة ، والتلاؤم والتواؤم مع نظام الأشياء ومع الإرادة المتعالية .ويبدو أن واقع التناص يغلب ، هنا ، إرادة الأسلمة البعدية ؛ إذ ينطق النص بامتياحه المداور من شريعة الحب الإنجيلية ، ومن القلبية اليسوعيةّ، دون أن يمتلك جرأة الانتساب الصريح إلى نسخها لمقام العبادية أو العبودية وتكريسها لمقام التجلي أو الفيض الحبي . 
(ولكنني أقول لكم أيها السامعون : أحبوا أعداءكم ، أحسنوا إلى مبغضيكم. باركوا لاعنيكم ، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم .)
(الإنجيل للقديس لوقا – دار المعارف – مصر –الفصل السادس -27-28)
(هذه وصيتي ، أن تحبوا بعضكم بعضا ، كما أحببتكم أنا . ما من حب أعظم من أن يبذل أحد نفسه عن أحبائه . و أنتم تكونون أحبائي إن عملتم بما أوصيكم به.لا أدعوكم عبيدا بعد ، لأن العبد لا يعلم بما يعمل سيده ، و أما أنتم فقد دعوتكم أحباء لأنني عرفتكم بكل ما سمعته من أبي .)
(الإنجيل للقديس يوحنا –دار المعارف – القاهرة –مصر – الفصل الخامس عشر -12-15) .

ثمة اتصال بموارد عرفانية وبمناهل حبية ، كثيرا ما تستعاد دون دراية بملابساتها المعرفية وحيثياتها التاريخية ؛فالإطلالة على التاريخ من موقع الحاجة السوسيو-تاريخية العاجلة ، كثيرا ما يقود إلى توزيع الأدوار على الفاعلين ، لا بناء على استقراء موضوعي للممكن التاريخي ولأمارات الفاعلين التاريخيين ، بل على قصدية الفاعل المتأول الباحث عن مخرج تاريخي للغمة المزمنة .
 (ولا يمكن أن يبلغ الفرد الحرية الفردية المطلقة وهو منقسم على نفسه ، وبعضه حرب على بعض .بل لا بد له من إعادة الوحدة إلى بنيته ، حتى يكون في سلام مع نفسه ، قبل أن يحاول أن يكون في سلام مع الآخرين ، فإن فاقد الشيء لا يعطيه . وهو إنما يكون في سلام مع نفسه حين لا يكون العقل الواعي في تضاد ، وتعارض مع العقل الباطن ، ويومئذ تتحقق سلامة القلب ، وصفاء الفكر .)
(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص. 137)

لا يمكن تحقيق الوحدة الكيانية والتوحد بالأغيار وبالكون، إلا بتصفية الوعي من الكدورات والشوائب وتجنب التطوح في وهدة الشكوك والارتياب. وبما أن الإسلام استكمل فنون التربية الوجدانية –من منظور الفكرية الجمهورية – ، فإن الإنسان المتطلع إلى السكينة والى الطمأنينة الأنطولوجية مدعو لنهج نهج المتعبدين أولا ونهج السالكين ثانيا.

من مهام النقد ، الكشف عن القيعان ، وعن ارتحال الأفكار والأنساق ، وامتزاجها في سياقات التلاقح الحضاري المكثف.تتبع الأفكار مسارات لولبية في الغالب ، وتغتني دوما ، بعنفوان اللحظة وبقوة تجوهر الأفراد الكاريزميين.ثمة اعادات واستعادات ،مباشرة أو غير مباشرة ، قصدية أو غير قصدية ، تغتني بها الأنا الحضارية وتصيرها جزءا من رصيدها دون أن تكشف عن المأتى.

فالحب والتحاب الكونيان ، ليسا ، تحقيقا ، إلا إعادة تحيين ، لأكثر الحقائق الفلسفية ، تجوهرا في الفلسفات الفيدية والهندوسية والبوذية والجينية والطاوية .فلئن اكتفى الناموس بالاشتراع القانوني البراني كما جاء في النص الجمهوري ، فإن الفلسفات الشرقية المحايثة ، انكبت على سبر خفايا النفس البشرية ، والعلائق البيذاتية ، وعلى تهذيب النفوس وتحصيل السعادة.

فكيف يبدأ سفر عرفاني ، ثالوثه بقانونية اليهود ، فيما يحفل العالم القديم بعرفانيات وأخلاقيات ،هي الأولى بالافتحاص بحكم الأسبقية الزمانية وبحكم شمولية النظرة الميتافيزيقية ؟ كيف يسوغ السفر الجمهوري ، وضع اليهودية موضع المدماك ، فيما يحفل العالم القديم بأنساق أخلاقية محكمة، هي الأولى بموقع الفرض المؤسس ؟
.Ahimsa (هكذا فإن الضابط أو الكابح الأول هو أهمسا وعلى الرغم من أن هذه الكلمة تعني بصورة حرفية “اللاأذى” إلا أنها مفهوم إيجابي بصورة أساسية . وبينما هي تستبعد كافة التصرفات التي تؤذي الكائنات الأخرى ، وكل الأعمال التي تقوم على أساس الكراهية ، وسوء النية ، حيث المخلوقات الأخرى ، فإنها بصفة جوهرية تعبر عن الحب المفعم بالتعاطف حيال كل المخلوقات الحية . وتطوير هذا الحب الشامل يتم إقراره كوسيلة فعالة للتخلص من النوازع الأنانية للأنا . )
 ( جون كولر –ترجمة : كامل يوسف حسين –مراجعة : إمام عبد الفتاح إمام – عالم المعرفة –العدد 199-يوليو-1995-ص.100) .

فالأهمسا ، تعبير عن التعلق الوجداني العميق بكل الكائنات ، وعن التخلص من التنرجس المانع للتذاوت والانسجام مع المجرى العميق للسيرورة .
فكيف تتحول البيداغوجيا الفلسفية الشرقية ، إلى ميراث عقدي إسلامي حصري في السفر الجمهوري؟ هل يصح ربط أداء وظيفية الخلافة باستكمال مقتضيات الحب المطلق ؟ ألا يتنافى اشتراط الحب المطلق مع قانون المعاوضة أساسا ؟ ألا ينفي هذا الاشتراط ، غلظة الطبع البشري وكثافة السيكولوجيا البشرية ، المشار إليهما كثيرا في السفر الجمهوري ؟ ألا يفترض ربط الاستخلاف بالحب الكوني ، تقديم الإيطيقا وتأخير الاشتراع أي تقديم تهذيب النفس والوجدان وتأخير التفنن في تقنين قانون العقوبات ؟ ألا ينفي هذا الاشتراط ، حكمة التدرج التشريعي والانتقال من أمة المؤمنين إلى أمة المسلمين أصلا ؟ألا تنفي قاعدة الحب المطلق قاعدة مراعاة “عقول الناس ” وقابليتهم الذهنية ؟كيف يمكن تسويغ الحب الكوني من منظور عرفاني ؟ألا يختلف مراد الحكيم عن مراد المتصوف ؟ ألا تقوم المجاهدة على المجاوزة لا على المساكنة ؟

 ألا يتأسس العرفان على التحير وعلى مجاهدة النفس بالنفس ؟ أليس الحزن من شروط التصوف بشهادة محيي الدين بن عربي ؟ 
(المعرفة والسرور لا يجتمعان لأحد في الدنيا أبدا ، والمعرفة والحزن لا يجتمعان في الآخرة لأحد أبدا ، واعلم أنه ما دام الرجل في هذه الدار ، فهو على قدم الخطر ، ولو بلغ ما بلغ ؛ لأنها دار المكر والتبديل ، وقد ذم الفرح ، لعدم تحقيق أسبابه من جميع الوجوه ، فإذا انتقلنا إلى دار التمييز والتخليص ، وترائي الجمعان ، وتميز الفريقان ، وانصبغ من انصبغ في الفضل والرحمة حينئذ يحق له الفرح….)
 (محيي الدين بن عربي – المسائل لإيضاح المسائل –تحقيق : قاسم محمد عباس – دار المدى للثقافة والنشر – دمشق- سوريا – الطبعة الأولى -2004-ص.147-148).

تحيل الهناءة الأنطولوجية ، إذن ، إلى إفصاح عن رغبة عارمة في الانعتاق من محدودية الشرط البشري .ومن المؤكد أن الطمأنينة الكلية ، المطلوبة ، لا تطابق جوهر المسلك العرفاني من جهة ، ولا حوليات التاريخ الإسلامي.إذ ينهض ذلك المسلك ، على الاستيحاش والارتياض وترك حظوظ النفوس وقطع المألوفات والمستحسنات واجتياز المقامات والأحوال وعلى غلبة الرحمة على المجاهدة بشهادة محمد بن عبد الجبار النفري . 
( أوقفني في الموت ، فرأيت الأعمال كلها سيئات ، ورأيت الخوف يتحكم على الرجاء، ورأيت الغنى قد صار نارا ولحق بالنار ، ورأيت الفقر خصما يحتج ، ورأيت كل شيء لا يقدر على شيء ، ورأيت الملك غرورا ، ورأيت الملكوت خداعا ، و ناديت يا علم ، فلم يجبني ، و ناديت يا معرفة فلم تجبني ، ورأيت كل شيء قد أسلمني ، ورأيت كل خليقة قد هرب مني ، وبقيت وحدي ، وجاءني العمل ، فرأيت فيه الوهم الخفي والخفي الغابر ، فما نفعني إلا رحمة ربي …)
(-النفري –الأعمال الصوفية – راجعها وقدم لها : سعيد الغانمي – منشورات الجمل – كولونيا – بغداد -2007-ص.89) .

4- من الوسطية إلى الطرفية :
مثلت المسيحية لحظة الإفراط في التروحن ، بالقياس إلى الناموس .ينطوي هذا الاستشكال ، على مفارقة ، بالنظر إلى مناقضته للقصد المحوري للعرفان عموما ولإسلام الحقيقة خصوصا .والحقيقة ، أن وسم المسيحية بالإفراط ، هنا ، هو مجرد فرض إجرائي تميليه آلية الثالوث لا غير . فالسفر الجمهوري ، يتناغم ، كليا ، مع المعرفة الباطنية ، ويدعو -صراحة –إلى نسخ الشريعة واعتناق السنة والسير في دروب الحقيقة العرفانية .
( ثم جاء الإسلام ، على عهد محمد ، بين طرفي الإفراط والتفريط ، فكأنه من “ثالوث الإسلام ” مقام “مازاغ البصر ، وما طغى ” من ثالوث القوى المودعة في البنية البشرية ، قال تعالى في هذا ” وكذلك جعلناكم أمة وسطا ، لتكونوا شهداء على الناس ، ويكون الرسول عليكم شهيدا ” .”أمة وسطا ” بين الإفراط والتفريط ، و”لتكونوا شهداء على الناس ” يعني لتكون فيكم كل الخصائص التي يلتقي عندها الناس ، وقوله”أهدنا الصراط المستقيم .صراط الذين أنعمت عليهم ، غير المغضوب عليهم ، ولا الضالين ” فالصراط المستقيم هو الوسط بين الطرفين اللذين يكون في أحدهما غضب الله ، وهو طرف التفريط ، وفي ثانيهما الضلال ، وهو طرف الإفراط في الروحانية.)
(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص. 146).

يبحث السفر الجمهوري عن تعميق مجرى الوسطية ، الجامع لأفضل ما في عقيدتي “التفريط “و”الإفراط”.والحق أنه يصعب التوفيق بين التموقع الوسطي ، وبين نسخ الشريعة المدنية والاقتراب من المثال المكي المتصادي مع اليسوعية .يروم التفصيل الرسالي الثاني ،تفصيل ناموس المجاهدة ،وإيضاح طرق الاستيقان والتمكين .وحيث إن المجاهدة والحرية فرديتان،اقتضاء ، فإنهما لا تنسجمان ، تماما ، مع المقتضى الملي وعلى الشهادة على العالمين .لا يتشاكل التفريد العرفاني ، مع البنية النظرية للوسطية ، ولمستتبعاتها الفكرية والسياسية .وبما أن السفر الجمهوري ، سفر نسخ لا سفر اجتياف على مستوى الشريعة ، سفر التساكن التجاوري لا التركيب الصاهر للطرفين المجتافين على مستوى الفكرية ، فإن فكرية الوسطية المذكورة هنا ،تعاند- أصلا- قصد السفر .
إن الشهادة على العالمين من مقتضيات الإيمان لا من متضمنات الإسلام .يقتضي مقام الإسلام المعراجي، التدرج من الشهادة على الآخرين إلى الشهادة على النفس ، ومن الشهادة إلى المعاينة .وعليه ، فلا تجد فكرية الوسطية البيانية ، مسوغات داعمة في البنية النظرية ، لإسلام الحقيقة .

والملاحظ ، أن السفر يقلل-هنا- من تشغيل آلة التأويل العرفاني ويتماس مع التفسير البياني ويركن إلى دعم الفهم التراثي- التاريخي لنص “الفاتحة “.
قال ابن أبي حاتم : لا أعلم خلافا بين المفسرين في تفسير المغضوب عليهم باليهود ، والضالين بالنصارى . ويشهد لهذا التفسير النبوي آيات من القرآن ، قال الله تعالى في خطابه لبني إسرائيل في سورة البقرة بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين )[البقرة :90].وقال في المائدة : ( قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا و أضل عن سواء السبيل ) [المائدة : 60].)
(الشوكاني –فتح القدير – الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير – اعتنى به وراجع أصوله : يوسف الغوش – دار المعرفة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى2002-ص.20 ) .

فكرية الوسطية ، محكومة إذن ، بحيثيات التدافع بين الجماعات ،وبمحورية الأمة والشخص المؤسسين . أما إسلام الحقيقة ، فمشغول ، تعيينا ،بالتثبت فيما سماه محيي الدين بن عربي ب” ثبوت التوحيد في الجمع والتفرقة “.ينقل إسلام الحقيقة ، التدافع من دائرة الملل والنحل إلى دائرة الذات ، من حيز الأمة المفضلة إلى حيز الفرد المتفرد ، من أمة الدعوة إلى فرد الاستجابة .
(…فوصفت (=الذات) ما رأت بقولها ( الصراط المستقيم ) الذي هو معرفة ذاتك ، قال صاحب المواقف : لا تأثير للعلم وقال أنت لها هلكت فيه ( صراط الذين أنعمت عليهم ) وقرئ في الشاذ صراط من أنعم عليه إشارة إلى الروح القدسي وتفسير الكل من أنعم الله عليه من رسول ونبي ( غير المغضوب عليهم ) ليس كذلك ( ولا الضالين ) يقول تعالى : فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل ، فأجابها وأقام معوجها و أوضح صراطها ورفع بساطها يقول ربها أثر تمام دعائها آمين فحصلت الإجابة بالأمن تأمين الملائكة وصار تأمين الروح تابعا له إتباع الأجناد بل أطوع لكون الإرادة متحدة وصح لها النطق فسماها النفس الناطقة وهي عرش الروح والعقل صورة الاستواء ….)
(-محيي الدين بن عربي – الفتوحات المكية –دار الفكر –بيروت –لبنان-2002- الجزء 1-ص.315)

من البين أن التأويل العرفاني الأكبري ، أكثر تشاكلا مع فحوى السفر الجمهوري من الفهم البياني التراثي المحمل ببرانية عقدية لا يهضمها النسق العرفاني مطلقا .وهذا يعكس ، امتياح العرفان المعاصر ، من المدونات الفقهية والتفسيرية التراثية رغم اختلافه العميق مع مراداتها ومع برنامجها الاستدلالي .

يتجلى ذلك الامتياح كذلك في تقويمه المختزل للنسق العقدي اليهودي والمسيحي وعدم انفتاحه على مستجدات النسقين منذ عصر النهضة والإصلاح الديني وعصر الأنوار.لا يمكن استعارة مفاهيم توصيفية تراثية غير مطابقة للمستجد في الأنساق التأويلية من جهة ، وللقصد العرفاني للنص الجمهوري من جهة ثانية .ومن المعلوم ، أن دائرة العرفان ، استنكفت –أحيانا –عن خوض المجاذبات الملية ، وسعت إلى استجماع الأفكار العرفانية بمعزل عن نسبها الملي أو الفلسفي كما في أقوال مأثورة لابن عربي والبسطامي والحلاج وابن سبعين .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق