فِتنة الاستقصاء / أدونيس

– 1 –

 

تتــجهُ ساحة العمل الأدبي والفني في الحياة العربية إلى أن تكون مختبراً أو «مصنعاً» مفتوحاً علىجميع التقنيات، وجميع التجــــارب. وليـــس الخارج فـــي هذا كلــــه، سواءٌ كـــان عربيّاً أو أجنبيـــّاً، مــصدراً للقواعد والمعايير. يتمثـــل هذا المصدرُ، بالأحرى، فـــــي الداخل الفرديّ: الموهبة، وطاقةِ الإبداع، وفرادةِ العمل، وقوّته. ولا أصولٌ أو مرجعياتٌ إلا في أحضان المبتكَر، الغريب، الفذّ.

 

 

– 2 –

 

 

هكذا يبدو المبدعون العرب، كلٌّ في ميدانه، كأنهم يعملون خارج الانتماءات كلها، وخارج الأعراف والتقاليد، لكن منحازين الى الإنسان في قلقه، وأحلامه، وفي حضوره الثقافي – الاجتماعي.

 

 

وعلـــى هــذا المستوى، نفهم الانشطار العميق في المجتمع العربي والثقافة العربية: بعـــض الـــعــــرب يعيشــون في حركية التغيّرات الثقافية الكونيّة: وبعضهم يصرّون على البقاء في ماضويتهم، متمترسين وراء موروثاتهم. شطرٌ في مكانٍ هوحاضِرُ العالم، وشطرٌ في مكانٍ آخر ليس إلاّ غياباً وإن كانت تحميه المؤسساتُ السائدة، والكارثيّة الحضور.

 

 

التجريبُ، المغامرة، الانفتاح: ذلك هو ثالوث العمل الذي يهدم الثقافة المؤسسيّة – الثقافة المعياريّة، الواحديّة، المغلقة، الكاملة، اليقينيّة. وعلى هذا الثالوث،، تنهض الرؤية الخلاّقة التي تطرح أسساً جديدةً لبناء عالمٍ جديد.

 

 

– 3 –

 

 

لا يمكن فهم الواقع العربيّ الثقافيّ، إلاّ إذا كان هذا الثالوث في أساس هذا الفهم، وفي أساس الرؤية التي ينطلق منها. وآنذاك، سيبدو النّتاج الذي يقدّم نفسه بوصفه سلعةً جماهيرية – مؤسسيّة، سياسيّاً، أو دينيّاً، أو جنسيّاً، كأنه جزءٌ من المؤسسة أو كأنّه امتدادٌ لها. وستبدو الحاجةُ ملحّةً الى رفض هذا النتاج الذي يمكن وصفه بأنّه «صوتُ سيّده»، والى احتضان النّتاج الذي يكون اقتحاماً لإعادة التكوين والتركيبِ في أفقٍ جديدٍ مغاير.

 

 

هكذا تخرج الطبيعة والحبُّ، الجنس والجمال، الحريةُ والرغبةُ من الأنفاق والمنحدرات الغيبيّة – المؤسسيّة. هكذا لا بُدّ من الإفراط لكي يمكن التخلّص من التقتير. الإفراط في التخييل، والحيوية، والفيض، والرّغبة. لا بدّ من الإفراط في إرادة الحركة، والتغيّر، والنمو، والتجاوز.

 

 

في هذا الإفراط، يمكن استخدام كل شيءٍ، فنيّاً، بحيث يتحوّل الى عنصرٍ في تغيير صورة الواقع: الأشياء المهملة التي طمست العقليّة المؤسسية قيمتها، يمكن أن تدخل في تركيباتٍ فنّية تكتسب فيها قيمةً عالية. والمبتذلاتُ، من كل نوعٍ، يمكن أن تتحوّل الى مفرداتٍ فنّية متميّزة، أو تُصبحَ، في كيمياء الكتابة، أضواءً وإشعاعاتٍ، ومعادنَ فنّية كريمة.

 

 

– 4 –

 

 

الواقع، أو ما نُطلق عليه هذه التسمية، هو، في آنٍ، سِطح وعمقٌ، مبتذلٌ وفريد، منخفضٌ وعالٍ. الأساسُ هو: كيف نراه؟ هكذا ينقلب في الإبداع: صورته السطحية تغيبُ، وتحلّ محلّها صورةٌ جديدةٌ، عميقة. يعيد الفنّ تأليفَ الواقع، بظاهره وخفيّه، ويُعيد صياغتَه، مُتيحاً لأشيائه أن تتجاوز أو تتقاطعَ أو تتآلفَ أو تتناقضَ بشكلٍ جديدٍ ومختلف.

 

 

الواقع، في الفنّ، طينةٌ تكوّن ويعادُ تكوينها باستمرار. إنه «نهاية» يحوّله الفن دائماً الى «لا نهاية».

 

 

– 5 –

 

 

بين عملٍ فنّي (قصيدة، لوحة… إلخ) يأخذ هويّته من كونه إقامةً في المكان والتصاقاً به، وعملٍ آخر يأخذ هويّته على العكس من كونه ترحّلاً واستقصاءً وكشفاً، لا يتردّد الخلاّقون الراؤون في الوقوف الى جانب هذا العمل الثاني. ذلك أنّ الاوّلَ استقرارٌ واتكاءٌ، وصفٌ وسَرد. وأن الثاني على العكس ارتيادٌ، وتجريبُ، بحثٌ واستقصاء.

 

 

الأوّل التئَامٌ يُقِرُّ ما تكوّون،

 

 

والثاني انشقاقٌ يُعيد التكوين.

 

 

– 6 –

 

 

أِيّاً كان، في هذا الأفق، تقويمنا للنتاج الثقافي العربيّ، المتنوّع، الغزير، وبخاصّةٍ في مجال الفنون والآداب، فإنني أقول (هل أجازف؟) – أقولُ إنّ فتنةَ التجريب والاكتشاف هي علامةٌ أولـــى للمرحلة الثقافيـــة التي يعيــشها المبدعون العـــرب، اليوم، علىـ الرغــــم مـــن كـــل شيء: الجهــل، القمـــع، الفقـــر، البطالة، امتهان الإنسان وحقوقه وحرّياته.

 

 

هؤلاء المبدعون في الكتابة، فكراً وشعراً وسرداً، وفي الفنون التشكيلية، وفي الموسيقى والرقص، وفي السينما والمسرح والغناء والتصوير الفوتوغرافيَ، يخترقون القواعد والمعايير، فيما يتفهمّونها، ويفتحون عقولهم لينابيعَ تتدفق من جميع الأنحاء.

 

 

ويُدرك المتأمّل، فيما يُقارِنٌ ويروز، أن التّاريخ الثقافي العربيّ يتأرجحُ فوق شفيرٍ عالٍ من الانفصاماتِ والنّهايات. أنّ ثمة ثقافةً آخذةً في التكوّن، مدارُها المحرمُ، المُراقَب، المهمّش، الفرديّ الذّاتيّ. أن الحياة اليومية تُعجَن من جديدٍ، ويعادُ بناؤها من جديد. أنّ الجسدَ، أخيراً، هو قلبُ هذه الفتنة الاستقصائيّة، ومادّتها الأُولى.

 

 

هل أقدرُ، حقّاً؟

 

 

– 1 –

 

 

في عددٍ أخيرٍ من جريدة «ليبراسيون» الفرنسيّة، (16 آب، 2010) رأيت نماذج من الحجارة التي يستخدمها الرّاجمون في إيران. كانت تُحيط بامرأةٍ طُمرت في التّراب حتى صدرها. (يُطمر الرّجل الذي يُرجم حتّى العنق).

 

 

معظم الحجارة سوداء اللون، بأشكالٍ مربعةٍ ومستطيلة. وجه المرأة، كما بدا في الصورة، يشعّ صلابةً واستغراباً.

 

 

تخيّلتُ نفسي بين من يرجمونها حتّى الموت. لكن، سُرعان ما تساءلتُ: هل أقدرُ، حَقّاً، أن أفعل ذلك؟ وشككتُ في قُدرتي. إذ، بأيّ عقلٍ، بأيّ قلبٍ، بأيّة ثقافة، أقذف بالحجارة رأسَ كائنٍ بشريٍّ، مقيِّدٍ ومطمورٍ، حتّى يتهشّم ويموت؟

 

 

وقلتُ: ألن يكونَ رجمي له، رجماً لنفسي أوّلاً؟ ذلك أنني لا أرجمُ فيه مجرّد اللّحم والعظم، وإنما أرجمُ الجوهر الإنسانيّ الذي فيه، الجوهر المشترك بين البشر جميعاً، كأنّني في ذلك أرجم الخليقةَ كلّها.

 

 

– 2 –

 

 

«… وجاءه معلمو الشريعة والفرّيسيون بامرأةٍ أمسكها بعض الناس وهي تزني، فأوقفوها في وسط الحاضرين، وقالوا له: يا معلّم، أَمسكوا هذه المرأةَ في الزنى. وموسى أوصى في شريعته برجم أمثالها، فماذا تقول أنت؟ وكانوا في ذلك يحاولون إحراجَهُ ليتّهموه. فانحنى يسوعُ يكتب بإصبعه في الأرض. فلما ألحوّا عليه في السؤال، رفع رأسه وقال لهم: «من كان منكم بلا خطيئة، فليرمها بأوّل حجر». وانحنى ثانيةً يكتب في الأرض. فلما سمعوا هذا الكلم، أخذت ضمائرهم تُبكّتهم، فخرجوا واحداً بعد واحد، وكبارهم قبلَ صِغارهم، وبقي يسوع وحده، والمرأة في مكانِها. فجلس يسوع وقال لها: «أين هم، يا امرأة؟ أما حكم عليكِ أحدٌ منهم؟» فأجابت: «لا، يا سيّدي» فقال لها يسوع: «وأنا لا أحكم عليكِ. اذهبي، ولا تُخطئي بعد الآن». (إنجيل يوحنا، 8: 1-11).

 

 

أحمد شملو

 

 

«منع السلطات الإيرانية الاحتفاء بذكرى الشاعر الراحل منذ عشر سنوات، أحمد شملو، بعدما تجمّع حشدٌ من المعجبين به حول قبره، وبينهم زوجته».

 

 

(وكالات، جرائد)

 

 

عرفت أحمد شملو. كان مناضِلاً ضدّ دكتاتوريّة الشاه، في صفوف اليسار الشيوعي. لكنــــه فـــي المقــــام الأول، كان شاعراً يشارك، بعمقٍ وفرادةٍ، في إعطاء طهران، مسقط رأسه، بُعدها الخلاّق، إنسانيّاً وفنّياً.

 

 

من «يرجمُ» الشـــعر كــمثل من يقطعُ الغُصن الذي يقفُ عليه في شجرة الوجود. ومنع الاحتفاء به كمنع الاحتفاء بالهواء والضوء.

 

 

الشعر جوهر اللغة والإنسان، فيما وراء الأنظمة وسياساتها، وفيما وراء الإيديولوجيات والتناقضات. السلطة التي «تقتل» الشعر، تقتل اللغة، والهويّة، وتقتل الحياة نفسها.

 

 

ما تكون طهران الثقافة بدون حافظ وسعدي والخيّام، وبقيّة الكواكب؟ ما تكون إذا طُمِس إبداع أبنائها، شعراً وفنّا وفلسفة؟

 

 

التحية لك، ولشعرك، ولذكراك، أيّها الشاعر الصّديق.

 

 

عن جريدة الحياة 2/9/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق