قانون يـُبيح القتل!

أتمنى أن يصدم العنوان القارئ، فهذا ما أريده! فهل يُعقل أن يتضمن قانون ما في أي دولة مادة تبيح القتل؟ أي تسهّل للقاتل مهمته وتضمن له إتمامها بعقاب بسيط لا يتعدى السجن ستة أشهر، هذه المادة هي تلك المتعلقة بجرائم الشرف في قانون العقوبات المستمدة في فلسطين من القانون الأردني بل ومن قوانين عربية أخرى.

كيف نردع الجريمة في مجتمعنا ونمنع القيام بقتل الإنسان -حتى لو كان هذا الإنسان مخطئاً- في الوقت الذي نسنّ فيه قانوناً لا يعاقب بالإعدام أو حتى المؤبّد بالأشغال الشاقّة من يقوم بهذا الجرم؟ هل يعني هذا غير أنّنا نشجّع كدولة وقانون كلّ من يشكّ ولو مجرد شكّ -في أمّه أو أخته أو ابنته أو زوجته أو أي أنثى تخصّه- أن يقتلها ويريح نفسه من الظنون، وحتى إن كان الأمر ليس ظنّاً ورآها مع أحدهم، فهل يُثبت هذا عليها جرم الزنا الذي يحتاج في الإسلام لأربعة شهود عدول؟! وهذا طبعاً ما يصعب جداً حدوثه. بل دعونا نفترض أنه ضبطها على سرير واحد مع ذكر ما، فهل يستدعي هذا القيام بجريمة قتل يكافئها عليه القانون بإطلاق سراحه سريعاً؟ إن القانون هو الذي عليه أن يأخذ بزمام الأمور ويعاقب على أي جريمة زنا ما دامت هناك دولة ذات سيادة، ولو ناقصة مثل حالتنا الفلسطينية. أمّا أن يرأف القانون بالقاتل فكأنّه يشجّعه على القتل ويعطيه الرخصة ليقوم مكانه (أي مكان القانون).

إنّ قانون جريمة الشرف ليس متعلقاً فقط بمسألة قضائية بل إن المسألة تتّسع لتشمل حقّاً من حقوق الإنسان في المساواة بأخيه/أخته الإنسان/ة، فمن المفروض أنّ للمرأة حقوقا مساوية للرجل في المجتمعات المدنية التي تحترم ذاتها، ومن المفروض أيضاً أننا غادرنا –أو نحاول أن نغادر- المرحلة الذكورية (أو البطرياركية كما يحب أن يسمّيها الباحث المرحوم هشام شرابي)، لذا هل يسمح القانون والمجتمع للمرأة أن تقتل أخاها أو أباها أو ابنها أو زوجها أو أيّ ذكر يخصّها لأنها ضبطته مع أنثى ما؟ أنا متأكّد أنّ هذا السؤال سيثير استهجان الكثير من القرّاء من شعبنا، بل حتى القانونيين أنفسهم، لأننا تعودنا من باب التربية والعادة أن نهضم ضمنياً حقوق المرأة ولا نشعر أنّها تساوينا. إنّ الدين الإسلامي ذاته لا يفرّق في جريمة الزنا بين رجل وامرأة، فكيف يفرّق المجتمع المفترض إسلاميته والقانون الذي يجعل من الإسلام أساساً له في سنّ شرائعه بين الرجل والمرأة في جريمة الشرف؟ إننا لا ندعو بالطبع إلى أن يكون للمرأة حقّ القتل مثل الرجل، بل ندعو لما يدعو له المنطق وهو أن يكون للقانون سيادته، أي أن تكون له المسؤولية عن عقاب المخطئ رجلا كان أو امرأة، وبالمقابل أن يعاقب وبشدّة الرجل أو المرأة الذي يقوم بالقتل ويخرق القانون.

يكفينا ما نحن فيه من فلتان أمني وخرق للقوانين، فلا داعي لتكون القوانين ذاتها جزءا من هذه الفوضى الأمنية والانفلات الأخلاقي، فقانون يبيح القتل أو يسهّل مهمّة القاتل يزيد الطين بلة في ظروفنا هذه، مثل هذا القانون لا يقبله منطق ولا دين فكيف يقبله إنسان وكيف يبرّره؟!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق