قتل الأب

بغضّ النظر إن كان قتل الأب قد حدث فعلاً عند الإنسان البدائيّ، أو أنه بقي مجرّد رغبة في قتله، فإنّ الناتج كان واحداً، وهو الشعور بالذنب والندم والتبكيت، وبالتالي تماهي الأولاد مع سلطة الأب وتبنّيها تعويضا عن شعورهم بالذنب، هذا ما يستنتجه فرويد في “الطوطم والتابو” ثمّ يؤكده في “قلق في الحضارة”، وهذه الصيرورة المستمرّة من الرغبة بالقتل ثمّ الشعور بالذنب فالتماهي، جعلت فرويد يقول إنّ الشعور بالذنب لصيق بالحضارة وتَشّكُل الحضارة وصانعها، كما أنّ المُراقبة والمُعاقبة التي بدأت كفعل خارجيّ تمّ استبطانها لتصبح داخلية، وهذا ما أوجد الضمير أو “الأنا الأعلى”، وهذا “الأنا الأعلى” الذي بدأ استبطاناً لسلطة الأب تطوّر ليُصبح استبطاناً لسلطة المجتمع، ثمّ مؤخّراً استبطاناً للرأي العامّ، هو في الأصل “أنا أعلى” ذكريّ ناتج عن السلطة الأبوية، ولذلك ما زال الطابع العامّ للحضارة طابعا ذكوريّا.

بالمعنى الفرديّ قد تستمرّ المرحلة الأوديبية (من عقدة أوديب) مدى الحياة لتنتج أفراداً تابعين بشكل أو بآخر لسلطة الآباء والأجداد ومتماهين معها ومدافعين عنها، ولذلك لا يرتبط النضج بالضرورة بتقدّم العمر بقدر ما يقترن بقتل الأب مرّة أخرى، القتل الواعي هذه المرّة لسلطة الأب داخل الذات دون ندم أو شعور بالذنب، وهذا ما يتأتّى من الاستبطان فالتماهي، فالتجاوز ثم أخيراً الاستقلال.

سأنقل فكرة قتل الأب من معناها الفرديّ إلى معنى أوسع هو المعنى الجماعيّ والحضاريّ، لأتناولها من وجهتين: تقوم الأولى على افتراض أنّ المجتمعات، كما الأفراد، تمرّ بمراحل شبيهة بتلك التي يمرّ بها كلّ فرد على حدة، وبالتالي فإن ما هو سلطة أبوية بالنسبة للمجتمعات هو تاريخها الذكوري وتقاليدها الحاكمة، والثانية، وهي الأهمّ، تبرز ما لم يكن حاضراً بقوّة زمن فرويد وحتى وفاته، وهو صعود المرأة كعنصر مشارك، وبشكل متصاعد، إلى جانب الرجل في صناعة الحضارة.

يمكننا القول إنّنا نعيش في حضارة يمكن تسميتها “حضارة الذّكر”، فمنذ نهاية ما يسمّيه علماء الأنثربولوجيا “عصر الأمومة” الذي يتحدّثون عنه بطريقة علمية أحياناً وبطريقة ميتافيزيقية لا تخلو من الأيديولوجيا أحياناً أخرى، مذاك التاريخ الذي يفصلنا عنه آلاف السنوات غير محددة بدقة، والتاريخ يصنعه الرجل بشكل مباشر، وإن كانت المرأة قد لعبت الدور الخفيّ وغير المباشر، كما عبّر نابليون ذات مرّة، فإنّ ذلك لم يغيّر شيئاً من الصبغة الذكورية للحضارة.

إنّ الرجل، الذي تأقلمت بيئته البيولوجية الطبيعية مع موقعه المسيطر، فهو بيولوجياً أطول وأكثر خشونة وأقوى وأكبر حجماً من المرأة، يصنع حضارته على شاكلته منذ عصر الزراعة الأوّل وتدجين الحيوان وخلق الأدوات إلى يومنا هذا، وإن كانت الحضارة الأكثر تقدماً وتطوراً اليوم، أي الحضارة الغربية، تعيش وبشكل متصاعد ردّة فعل أنثوية، وحتى ذكورية، على ما يسمى ذكورية الحضارة، ذلك التصاعد الذي بدأ يأخذ شكله الحاسم مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948، فإن ذلك لم يصل بعد لقلب صفحة الذكورة من الحضارة.

ردّة الفعل تلك لها عدّة أوجه وعدّة مشكلات، فالوعي الحقوقيّ للمرأة، ما زال في ذهنها وذهن الرجل، وخاصة في العالم اللاغربي، يتعامل مع المرأة على أنها تابع ومن درجة ثانية، وهذا الوعي المُعبّر عنه موضوعياً في التشاريع والدساتير هو صنيعة الديانات المقدسة، التوحيدية والوضعية، التي خلقها الرجل وأيضاً ضمن تراتبية تناسبه، وإذا أخذنا في اعتبارنا أنّ الغالبية العظمى من البشر هم أتباع ديانات، نجد أن اللاوعي الديني التراتبي هو عقبة ابستمولوجية إن صحّ القول أمام الوعي الحقوقي الحديث للمرأة، هذا من جهة أولى، أمّا من الجهة الأخرى لردّة الفعل تلك فهناك أمر في غاية الأهمية وهو ما يطلق عليه بيير داكو، في كتابه “المرأة.. سيكولوجيا الأعماق” مشكلة أنّ المرأة تصنع نفسها في عالم الرجل وحسب مقاييسه ورؤاه للعالم، بمعنى أنّ المثل الأعلى لحرّية المرأة ونشاطها هو حرّية الرجل ونشاطه، وبالتالي تنتقل حالة البحث عن المساواة في الحقوق إلى البحث عن المساواة في الوجود، مع تناسي، طبعاً، أنه لا مساواة وجودية بين الكائنات البشرية.

إن الحضارة الغربية التي لها الفضل في إبراز أزمة ذكورية الحضارة ومن ثمّ في تصديرها إلى باقي أنحاء العالم، تعيش اليوم أزمة مختلفة هي ما يمكن تسميته بأزمة ما بعد موت الأب (وهذا ما سيكون مدار بحث آخر)، فيما يعيش باقي العالم تحت الضغط النفسيّ والاجتماعيّ الناتج عن المحاولات المستمرّة لقتل الأب، قتل الصورة الرمزية والتاريخية للذكر.

من الطبيعي أنّ الأزمات عندما تنتقل من عصر إلى عصر أو من مجتمع إلى مجتمع آخر، لا تنتقل صافية أو كما هي، بل مشوبة بعوامل عديدة وجديدة منها ما يعود إلى تغيّر زمن الأزمة، ومنها ما يعود إلى تغيّر مكانها، فأزمة الذكورة التي يعيشها مجتمع كالمجتمع العربي مثلاً، ذي التاريخ الإسلامي الذكوري الطويل، هي أزمة شاملة تبدأ بالسياسة ثم القوانين والدساتير مروراً بالمجتمع وتنتهي بالثقافة، ففي السياسة مازالت صورة القائد الأب الذكر الحامي والمخلّص، القاسي والمسيطر، الواجبة طاعته، لها بعض الحضور الاجتماعي، وإن كانت تشهد نهاياتها الأيديولوجية والواقعية وخاصة منذ إعدام صدام حسين، الصورة الرمزية المثلى للأب المقتول.

وفي التشريعات والقوانين كانت تشريعات “بورقيبة” الجريئة في تونس فيما يخص تعدد الزوجات وتوزيع الميراث يتيمة في العالم العربي القرن العشرين وما زالت، إلا أننا نشهد هنا وهناك بعض المحاولات الخجولة والمتعثرة لسنّ التشريعات الآنتي – ذكرية لصالح إنصاف أكبر للدور الأنثويّ في الحياة العملية بكافة تفرعاتها، وهذا ما يُلاحظ مثلاً في سوريا، الكويت، العراق، المغرب…وحتى السعودية قلعة الرمزية الذكورية، وما المحاولات المتطرّفة لتثبيت ما هو قديم (كما يحدث مثلاً لقانون الأحوال الشخصية السوري) سوى ردّات فعل ناقمة على الميل التاريخي العام نحو دور أنثوي أكبر في الحياة العامة والخاصة.

أما اجتماعياً، ففي المجتمع العربي تتجلى أزمة الذكورة بأبهى صورها، فيبدو المجتمع العربي كقدر تغلي بتفاعلات الفعل وردّ الفعل، تفاعلات الديني والأخلاقي والاقتصادي والثقافي والتاريخي، كافة هذه التفاعلات تبرز يومياً في العلاقات الاجتماعية بكافة صورها، فابتداء من تفكّك مركزية الأسرة النووية التي يشغل فيها الأب الدور الحاسم والأهم، مروراً بتفكك المركزية الاجتماعية للذكر، وانتهاء بتفكك مركزية المنظومات الأخلاقية البطريركية الجامدة والقارّة في ركودها التراتبي، نجد أن الأمور في تغير متصاعد، وما انتشار حالات الطلاق الواسعة والمتزايدة من المحيط إلى الخليج، والزواج العرفي واللاتقليدي، وعمل المرأة المتزايد في المواقع المخصصة سابقاً للذكور سوى مظاهر متفرقة للأزمة العامة في القيم والتقاليد والعادات الاجتماعية، وما الفتاوى الدينية المتزايدة والمخصص معظمها للتحريمات المتعلقة بالنساء سوى مظاهر لردّات الفعل الذكرية على الإمكانية المتصاعدة لنهاية عصر السيطرة الذكورية المطلقة. ومن الجدير بالذكر أنّ ما يحدث في المجتمع من انقلابات جذرية لا يحدث بشكل أساسي بأيدٍ نسوية، وإن كنَّ يشاركن في ذلك بالتأكيد، بل هو يحدث في معظمه بأيدي الرجال، فحاجة الرجل إلى أن تتقاسم المرأة معه هموم الحياة، إن كان بالمعنى الاقتصادي أو الاجتماعي، التربوي، الثقافي أو العاطفي، هي من أكثر الحاجات الضاغطة والمتناقضة لديه، فالرجل العربي المحمّل نفسياً واجتماعياً بتاريخه الذكوري الضاغط والمتباهي سيبقى في هذا التاريخ، أو في (مزبلة التاريخ) إن لم ير الواقع الاجتماعي الاقتصادي (الحضاري) الجديد والمتجدد ويشارك فيه، لكنه وهو يفعل ذلك يقتل نفسه أو صورته أو رمزه القديم كمسيطر ومتسلط وحاكم، بمعنى آخر عليه التنازل عن صورته القديمة، التي يشربها مع حليب الأمّ إذا صحّ القول، لصالح وضعية جديدة تخلّصه من سوء سلطته أولاً، وتُبرزُ الأنثى شريكا وندّا ومساويا في الحقوق والواجبات ثانياً. وما حالة التراجع الاجتماعي لسلطة الأب أو دوره كمرجع ديني أو علمي أو تربوي أساسي ووحيد لأبنائه سوى مظهرٍ من مظاهر التغيّر الشامل.

بالمعنى الثقافي لا بد من النقاش بطريقة مختلفة، وأنا سأتناول الموضوع الثقافي هنا عبر التحليل السيكولوجي لمشكلة التراث والمعاصرة التي ما فتئت تشغل الأنتلجنسيا العربية.

تواجه الثقافة العربية منذ عصر النهضة وإلى اليوم انقساماً يزداد تطرفاً بين من يدافع عن سلطة الآباء والأجداد الأوائل، ويحاول ترسيخ أقدامهم في الوجود (المثقف التراثي)، وبين من يريد قتل سلطة الآباء الثقافية، ليبرز استقلاله التاريخي عن سلطة التراث وتبنيه لما يفرزه الإنجاز الإنساني العالمي من وعي بالإنسان بغضّ النظر عن مصدره، حتى لو كان هذا المصدر بالمعنى النفسيّ هو من بدأ بقتل سلطة التراث الراكدة، (المثقف الحداثوي) وما بدأ ثقافياً في عصر النهضة أصبح اليوم سياسيأ، وما حصل ويحصل اليوم في لبنان وفلسطين يعتبر أمثلة ساطعة على ذاك الانقسام (يذكر خالد غزال مثالاً طريفاً حول الدعاية في لبنان في مقاله ثقافة الموت وثقافة الحياة، يقول الإعلان الأول “أحبُّ الحياة” يردّ الطرف الأخر “أحبُّ الحياة، ولكن بكرامة)، إذاً مفاهيم كالكرامة، الهوية، الأصالة…، تُعطى معنىً تراثياً، وتصبح هي العدّة الرمزية التي يمثل التخلّي عنها بمثابة خيانة لتراث الآباء، وهذا ما يترك شعوراً بالذنب والحصر لا يمكن احتماله، وبالتالي الدفاع عنه حتى الموت. وبالمقابل فإن المثقف الحداثوي مرّ بمرحلة مازالت بقاياها باقية، خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين، وهي ما يمكن تسميته بالتخلص من الأب باستبداله بأبٍ جديد دون نقده وتجاوزه والاستقلال عنه(هذا ما حدث مثلاً مع الجزء الأكبر من الماركسيين العرب)، ومازال من المبكّر الحديث عن حسم الصراع الثقافيّ الذي أصبح السياسي هو طريقه المحتوم كما أشرنا أعلاه.

هذا هو الجزء الأوّل من الأزمة الثقافية العربية، أمّا الجزء الآخر فهو ما يتعلّق بصعود المرأة إلى واجهة الثقافة العربية وما يمثّله من تحدٍ لسلطة الذكر الثقافية، فالمرأة العربية المثقفة تنتقل من موضوع ثقافي إلى ذات ثقافية واعية لذاتها، وبكون هذه الحالة مازالت في بداياتها فإن جلّ تركيز المرأة هو باتجاه تحررها من سلطة الذكر الواقعية والثقافية باتجاه صورة ثقافية هي من يريد صناعتها، وهذا ما يجعل الكثير من الأدبيات النسائية يرفضن حتى التعريف الأدبي الذكوري بعالمها على اعتبار أنها هي من يفهم هذا العالم وهي من يستطيع التعبير عنه. إذاً فسلطة الذكر التاريخية لم تعد موضع نقد ذاتيّ لذاتها، بل أمام نقد موضوعيّ أنثويّ صاعد، وإذا كان الرجل العربيّ قد عاش تاريخاً كاملاً من الاستخدام السيّئ لسلطته، جعلت من القتل ضرورة لاستمرار الحياة، فإنه مع ذلك تمتّع دائماً بامتيازات يمكن تسميتها بالقبليّة، لكن ماذا عن المرأة التي عاشت نفس التاريخ بينما عاشته بلا امتيازات، ماذا سيفرز تحرّرها من سلطة الرجل، السلطة الأبوية الصانعة لحضارة الذكر؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق