قدسيّة الحاكم والتسلّط؟

 ممّا لاشكّ فيه أن أدوار الأفراد كمواطنين في مجتمعاتهم تتمايز حسب مؤهّلات الفرد الشخصيّة والأكاديميّة، التي تجعله قائداً ملهماً، أو خطيباً مفوهاً، أو محرضاً، أو داعية، أو مفكّراً، أو إعلامياًّ ناجحاً، أو قاضياً عادلاً، أو رئيساً ناجحاً. وكان للأفراد كقادة ومفكرين بدءاً من سبارتكوس، ومرورا بجورج واشنطن، وغاندي، وماركس، ولينين، وغرامشي، وهوشي منه، وهتلر، وموسوليني، وصولاً إلى مانديلا وآخرين أدواراً متميزة في صناعة تاريخ مجتمعاتهم، كانت نتائجها ثورية أو كارثية.

وفي السّياق نفسه أنتجت المجتمعات العربيّة منذ أواسط القرن التّاسع عشر أفراداً مفكّرين، وقادة، ونخباً سياسية وعلميّة، وحكاماً مدنيين، وعسكريين، وطغاة ومستبدين، تنافسوا وتصارعوا وحاكوا المؤامرات ضد بعضهم البعض، على غرار أسلافهم من سلاطين مماليك البحرية والبريّة، لكنهم بزوال سلاطين المماليك في الهيلمان وقدرتهم على تحويل مواطنيهم المستعبدين في جملوكيات الشرق الأوسط المخترقة تاريخياً، والمحترقة بنيران نزاعاتها وطوائفها، يلهجون بالدّعاء ويبسملون باسم القائد المفدّى الخالد إلى أبد الآبدين.

وتعتمد آليات عمل غالبيّة الأنظمة الجمهوريّة في العالم إحدى الصيغتين التاليتين: النظام الرئاسي والنظام البرلماني. وفضلت الجمهوريات العربية النظام الرئاسي لأسباب موضوعيّة وذاتية. ووجدت جمهوريات بلا قيم جمهورية، أو سجل من الكفاح من أجل الجمهورية. أي المواطنة والمساواة بين السكان بصرف النظر عن الأصل والدين والجنس والعرق، وكذلك تجريم الاستبداد والحكم الأبدي والتمييز بين السّكان.

ولذلك تبلورت عملية شخصنة الحكم لتكرس أن الحاكم “السوبرمان” أو “المعصوم” يحكم بكل شخصيته وروابطه وتعييناته. ويحكم لأنّه ممتاز واستثنائي، وامتيازه كلي وشامل، وليس مهارة سياسية متفوقة، أو نزاهة. إنّه استثنائي كياناً وليس أداء، ولا يقاس به أيّ من محكوميه. والامتياز الكياني اللّصيق بشخص الحاكم جوهري وأساسي ولا يُكتسب.

وفي تفسير ظاهرة تقديس الحاكم المقيمة في الواقع السياسي-الاجتماعي العربي رأى بعض المستشرقين أن هذه الظاهرة هي سمة ملازمة للمجتمع العربي البطريركي-الأبوي الذي يسلم بلا براهين بنظرية “المستبد العادل”، بل وربّما يفضلها على سائر نظريات الحكم، لكونها نظريّة مطلقة لعدم توافر البديل “للمستبد العادل” إلا في نسله وعائلته. وإذا غاب خلف ذلك الحاكم فالكارثة ستحل والفوضى ستعم وستغرق البلاد في بحر مؤامرات الصعاليك والمندسين واللصوص وشذاذ الأفاق.

وبحث جورجي بليخانوف في كتابه الشّهير ” دور الفرد في التاريخ” في حكمة صينية قديمة مفادها: “الرجل العظيم مصيبة عامّة”. ورفض بليخانوف آراء المدافعين عن التأويل البطولي للتاريخ وكذلك آراء الجبريين الذين انتهوا لدى معارضتهم أصحاب التأويل البطولي للتاريخ إلى أن الفرد “كمية مهملة” في التاريخ.

وقد رفض بليخانوف آراء الفريقين لأن كليهما ضرب صفحا عن مشكلة على جانب عظيم من الأهميّة ليس بالنسبة إلى الماركسيين فقط بل كذلك بالنسبة إلى أي فهم علمي للتاريخ. وأصر على الرأي القائل بأن مفهوما ماديا عن الإرادة ينسجم مع أكثر الفاعليات العملية نشاطا وأن جميع التعاليم التي اقتضت، في الماضي، المزيد من الإرادة البشريّة افترضت مبدئيا عدم أهليّة هذه الإرادة.

واستبعاد ما تواضع النّاس على تسميته بحرية الاختيار يؤول بالضرورة إلى الجبرية. وأكد أن الشروط التاريخيّة العامّة أقوى من الأفراد الأقوياء، وأشار إلى أنّ الأفراد بفضل الخصائص والميزات التي يتمتعون بها يمكنهم أن يؤثروا ً في مصير المجتمع ويمكن أن يكون أثرهم ملحوظا. إلا أن إمكان حدوث هذا التأثير واتساعه أو مداه ً محدودان بتنظيم المجتمع وبعلاقات القوى الاجتماعية ـ الاقتصادية.

وإن سجايا الفرد ليست “عاملا” من عوامل التطوّر الاجتماعي إلا بمقدار ما تسمح بذلك العلاقات الاجتماعية ويبقى هذا العامل ما سمحت به هذه العلاقات وبالشكل الذي أباحته. ولا يستطيع الفرد إبراز مواهبه إلا عندما يحتل في المجتمع مكانا ييسر له ذلك.

وفي محاولة تفسيرية تحديثية لظاهرة تقديس الحاكم في نسختها السّورية الأكثر تميزاً بين النّسخ التسلطيّة الشعبوية في البيرو أو المكسيك. شبه الباحث الاسكتلندي، الدولة السورية بالنظام البونابرتي، تأسياً بنابليون ولويس بونابرت. وناقشت ليزا وادين في كتابها “السيطرة الغامضة، السياسة والخطاب والرّموز في سوريّة المعاصرة” ظاهرة تقديس الحاكم التي لا تعد ظاهرة هامشيّة بل هي إستراتيجية للسيطرة على المجتمع قائمة على المطاوعة بدلاً عن الشرعيّة. وينتج نظام المطاوعة من خلال المشاركة الإجبارية في أشكال الامتثال الزائفة الجلية، سواء لأولئك الذين يخترعون هذه المظاهر ولأولئك الذين يستهلكونها. كما اعتبرت أن هذه الظاهرة تعكس المعضلة التاريخيّة للنّظام السوري من أجل أن يحافظ على استمراريته. وتقدم حلاً لإشكالية بناء الأمّة والدّولة على المستوى الرّمزي، بينما تبقى المشكلة متواصلة على المستوى العملي.

وتتناقض ظاهرة تقديس الحاكم مع اعتبار الرّئيس شخص مجرّد، لا يمارس السّلطة إلا بالتجرّد عن روابطه الخاصّة. وله «قيمة تداوليّة» فقط، تتحدّد بقواعد ممارسة الحكم وبالمصلحة الوطنيّة. ولا تكون للرّئيس «قيمة استعماليّة»، تتّصل بوضعه المحسوس وروابطه المتنوّعة، إلا في المجال الخاص. ويقوم هذا التمييز على مبدأ أن النّاس متساوون مبدئياً، وأن تفاوتهم مكتسب وليس أصلياً.

* المقال منشور بالتّعاون مع مشروع منبر الحريّة www.minbaralhurriyya.org

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق