قديما مثل هيباشيا.. الآن مثل سهام جبار ملحمة البحث عن الوجود والاسئلة



قديما مثل هيباشيا
سلخوا جسدي
وكنت أحسب العلاقة
الرياضية
لبقاء الأزمنة
على الأجساد ومثلما رتقت ذلك الجلد
اعتصرت المشاهدة من العيون
فإذا بهم ليسوا هم
وإذا بي ما زلت أنا!


تعود هيباشيا من جديد، بعد أن غلّفها التاريخ بنسيان مقصود.
في مجموعتها الشعرية الأخيرة الصادرة مؤخرا عن دار الحضارة بالقاهرة توظف الشاعرة سهام جبار رمز هيباشيا التاريخي منذ العنوان بهدف تبئير مفهوم الاضطهاد الفكري والإبادة الوجودية في أقسى أشكالهما. معروف أن هيباشيا العالمة والفيلسوفة الاسكندرانية كانت أوّل عالمة للرياضيات والفلسفة والفيزياء في وقت كانت هذه العلوم حكرا على الرجل، ما وضعها في مصافّ شهداء الفكر، لا سيما وأن أفكارها الوجودية والفلسفية كانت سببا رئيسا في تعرّضها لتصفية جسدية على يد مجموعة من الرهبان الذين لم يكتفوا بقتلها، بل كان قتلها خطوة أولى تلتها خطوة التمثيل بجسدها لإشاعة مناخ إرهابيّ في وقت كان الصراع قائما بين الفكر والدين، وكان التكالب في أوجه بين الكهّان تسبقهم فكرة السيطرة على إسكندرية اليونان، وبذلك صارت هيباشيا عبرة لكلّ من تسوّل نفسه له السير فيما سارت إليه. هي عود من جديد إذن، بل لنقل هي ارتكاس إلى  تلك الحقب المظلمة، التي تستورد مناخاتها سهام جبار نفسها لتتماهى مع رمز هيباشيا، لا سيما وأن الشاعرة تعرضت واقعيا إلى نوع آخر من التصفية قد لا تكون مقصودة، لكنها نتيجتها فيما لو تحققت فستسهم في طمس معالم امرأة استحمّت بمناخات تلك الفلسفات، وتشرّبت مشاهد المنحوتات مقطعة الرؤوس ساعة انطلق نحوها طلق ناريّ عشوائيّ أصابها  أثناء اجتيازها شارعا مفخّخا في بغداد. لكن الشاعرة تحاول في نهاية المطاف أن تسلخ عنها شخصيتها كما سلخ الممثّلون بجسد هيباشيا جلدها عنها. عندما يصار إلى تدوين التاريخ تنطمس هوية الظالم وتبزغ في الفضاء المعرفيّ هويات المظلومين، تنهض هيباشيا من جديد، ويتراجع الكهان، وعبدة مفاهيم المعابد إلى وادي النسيان، ها نحن نذكر هيباشيا التي نما أثرها واستغور الإنسانية. سهام جبار تعيش لتروي ما خفي من حياة هيباشيا العالمة بسطور تقريرية لكنها في الوقت نفسه تشتعل بشعرية تنقذ التدوين من فخّ التأرخة وتبقيه في فضاء الفنّ وإن وخطته سمات المباشرة، لنقرأ:

حكمت الآلهةُ
أن تنمو المتاهة بين الأصابع
فكلّ يد تائهة
وكلّ حبّ توحّش
ما الذي تراه الوحوش
في دمي؟؟



إنه يقين يستجدّ بأنّ الآلهة هي التي تحكم وتضع النهايات، ولكن ما هو حكمها؟ تتوسل الشاعرة بالأصابع في أكثر من نص في الكتاب للتدليل على محاولة تلمس الوجود الإنساني الذي تتخذ من المتاهة معادلا موضوعيا له ينمو بينها في مقابل الأيدي التي تصبح تائهة وكلّ حبّ توحّش، كل هذا يأتي تحضيرا لنهوض تساؤل مشروع تختلط فيه مسحة وجودية بمسحة عقلانية وثالثة تمخر في الميتافيزيقيا، ما الذي تراه الوحوش في دمها، تساؤل يحمل في طبقاته العميقة معاني مختلطة  مثل ضريبة التفكر وضريبة الاختلاف وضريبة التحرر.
في السياق نفسه تسود نصوص المجموعة أجواء تكرّس لوجود أنثوي في أشكال انغلاق على نفسها وعلى الآخر، حتى لتتبدّى واضحة عن ذلك الانغلاق رصانة في اكتشاف المحسوسات  وتقيد في شكل ملتزم، تعززه النبرة الغامضة التي نكشف وراءها، مهما حاولت حجبها بتعبيرات غير مباشرة، حضورية الجسد الشّرقيّ بكلّ آلامه وجراحه النفسية. وهو ذات الحضور الذي احتضنته مجموعتها الشاعرة الصادرة ضمن سلسة أسفار في تسعينات القرن الماضي، مشفوعة بمفردات انغلاق من مثل مستوحدة، وحدي، لكن خطواتها واثقة نحو تحطيم القيود.
 
الفقراء على بابك وقلبي
التائهون على بابك وقلبي
المرضى والممسوسون والضعاف
العجائز والمحرومات وقلبي
…..
الخائفات الباكيات
وقلبي وقلبي وقلبي

كمّ الالتزام الذي عاشته تجاه هذه المفاهيم جعلها تنفر لحظة من كلّ الثوابت وتبحث عن معنى آخر لوجود باب، سواء كان باب الله أو باب وطن تفتقده وتلهث باحثة عن ملاذ، مثل هيباشيا تحمل على ظهرها كلّ تلك العلوم والفلسفات التي أنهكتها وأثقلت عليها وجودها الاضطراريّ في شوارع ليست راغبة فيها، لكنها مع ذلك تعشقها. ترى ممّ تخاف عالمة بأسرار الرياضيات وشرائع كون قائم على صدف وعبث وتخطيط مسبق؟ في تقديري إن هيباشيا لم تعرف الخوف في حياتها، أو بتعبير أدقّ لم تجد له معنى واضحا كي تعتنقه، وإلا ما كانت لتمضي في مسارها حدّ المواجهة غير المتكافئة. لنقل إنّ الخوف كان في قلوب الآخرين الذين كمنوا لها في ذات يوم حزين ليسلخوا مع سلخهم جلدها كلّ تلك الأفكار التي كانت تزيّن رأسها الجميل، لكنهم لم يجرؤوا على توجيه سؤال بسيط وثقيل أيضا لأنفسهم: ما الذي يخيفنا في هذه المرأة؟ ومع ذلك تقدّم سهام جبار جوابا مغمّسا في ألفة وحزن:
على بابك أدقّ
وقد تقطعت الطرائقُ ونفدت قواي
لقد رأيتُ
ورأيتُ
ورأيتُ


 
إذن هي الرؤيا، الرؤيا القلبية التي لا يملك الآخرون سلاحا للفتك بها، وأنّى لسلاح ومجرم أن ينالا من لحظة كشف نورانيّ. وبالكيفية نفسها تجد سهام جبار السبيل لمواجهة الطغاة الجدد. لكن طغاة زمانها ليسوا حاخامات ولا هم بكهنة، ومع ذلك هم تجسدات متطورة لتلك الحقب وإن اختلف المظهر:

أصواتُ أسنانهم
تضرسُ
وطعامهم يسحقُ
وخبرُ جارةٍ ميتةٍ على حافة الماعون
أخبارٌ محزنة عن الحياة
تؤبّنُ لي مجددا سقراط

من الصعب أن تنمو كائنات فكرية في نظام طابوري مُحاك، ومن الصعب إيجاد معادلة سوية لاحتواء كفتي ميزان مختل. فكلّ بوصلة كذبة وكلّ كذبة زاد للآخرة. الشاعرة والعالمة والفيلسوفة، كلّ واحدة منها تتجلى من جسد أدماه ثقل الوجود والبحث عن ملاذ، حتى صار هاجسا مرعبا ذلك البحث،  ينمو مع نمو الارتياب في دواخلنا. هل كان في إمكان هيباشيا أن تفكر في حلّ للبقاء؟ هل في إمكان سهام جبار أن تفكّر في حلّ بديل؟
 
حبيسة العلم في الكتب

والدين الذي في الصلاة
والدخان الذي في الجمر
والبيت الذي بين البيوت
يركزني معولٌ في كرسي بين حيطان
وثوبٌ يضرّجني بجسد
لذا الأنظار عالقة في الهواء
الذي أهشّ
ولا أختفي عن اختبائي.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق